شرح كشف الشبهات  18

شرح كشف الشبهات 18

الدرس في شرح كشف الشبهات 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الشفاعة وأقسامها

يشرح المقطع مفهوم الشفاعة وتنقسمها إلى شفاعة صحيحة وباطلة، وأن الشفاعة الصحيحة لها شرطان. الشفاعة ليست ملكًا لأحد وإنما هي بيد الله تعالى.

شروط الشفاعة يوم القيامة وعلاقتها بالتوحيد

لا أحد يشفع يوم القيامة إلا بإذن الله، والشفاعة تحتاج إلى رضا الله عن الشافع والمشفوع له. الله لا يرضى إلا التوحيد، والشفاعة لا تنفع الكفار.

بيان أن الشفاعة بيد الله ومتوقفة على التوحيد واتباع السنة

الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله ولمن ارتضى قوله وعمله، وهي متوقفة على التوحيد واتباع السنة. يجب على المسلم أن يطلب الشفاعة من الله مباشرة وأن يكون على توحيد خالص.

تحذير من طلب الشفاعة من الأموات وبيان أنه شرك أكبر

طلب الشفاعة من الأموات يعد شركًا أكبر مخرج من الدين، والشفاعة ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم بل يشفع أيضًا الملائكة والأولياء والأفراط.

التفريغ النصي الكامل

طيب، بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، كان معنا في درس أمس إخواني في الله مسألة الشفاعة. فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأرجو شفاعته. طيب، مسألة الشفاعة، إخواني في الله، ينبغي أن نعلم معنى الشفاعة. اللغة غد مضى معنا معنى الشفاعة اصطلاحًا، وهو التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة. وموضوع الشفاعة انقسم الناس فيه إلى قسمين اثنين: بين الغالي والجافي، بين الغالي والجافي. فمن أهل العلم من أنكر الشفاعة، وأن ما هناك شفاعة، ولا ينتظر أحد له أوزار وله ذنوب أن يأتي أحد من الناس ويشفع له. لا أحد ينتظر هذا، أو من كان في النار ينتظر من يشفع له فيخرجه من النار. لا، لا أحد ينتظر هذا. وهذا قول الوعيدية من الخوارج والمعتزلة. فهم ينكرون هذا ويستدلون بالآيات التي فيها نفي الشفاعة: ﴿فَلَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، وبالمقابل أمام هذا المذهب الجافي ابتلينا بمذهب غالي عنده غلو في باب الشفاعة، حتى يرى أن الدين قائم على الشفاعة، وأنه لا نجاة للناس إلا بشفاعة، لا نجاة للناس إلا بشفاعة. وهؤلاء بالمقابل استدلوا بالأدلة التي فيها أن الله أثبت الشفاعة. والذي عليه أهل السنة هو القول الوسط، والذي عليه أهل السنة في باب الشفاعة القول الوسط، وهو أننا لا ننفي الشفاعة مطلقًا، ولا نثبتها مطلقًا، وإنما نقول بها بشروطها. وهذا يجرنا إلى مسألة وهي أن الشفاعة تنقسم إلى قسمين: الشفاعة تنقسم إلى قسمين، إلى الشفاعة صحيحة وإلى شفاعة باطلة، أو يعبر بعضهم إلى شفاعة مثبتة وشفاعة منفية، أو يعبرون بتعبير آخر: بشفاعة شرعية وشفاعة شركية. فهذه التقاسيم عند أهل السنة كلها بمعنى واحد. فعندهم أن الشفاعة تنقسم، ليست كلها على نسق واحد، فلا نثبت مطلقًا، ولا ننفي مطلقًا، بل فيه المثبت وفيه المنفي. والفيصل في هذا المقام قال العلماء: الشفاعة المثبتة والشفاعة الصحيحة والشفاعة الشرعية هي التي تأتي بشروطها. وإذا اختل أحد من هذه الشروط فإن الشفاعة تتحول إلى شفاعة باطلة، إلى شفاعة منفية، إلى شفاعة شركية. أعيد: الشفاعة المثبتة الصحيحة الشرعية بشروطها إن توفرت هي هي، إن اختل أحد الشرطين فإنها تتحول إلى شفاعة باطلة، إلى شفاعة منفية، إلى شفاعة شركية. وما هما الشرطان؟ الشرطان هما: الإذن، أن الله جل وعلا يأذن بالشفاعة، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. والإذن في اللغة بمعنى الإعلام؛ لأن الله يعلمه بأن هذا وقت الشفاعة، وهذا أوان شفاعتك فاشفع. لابد أن الله يأذن، هذا الشرط الأول: الإذن بالشفاعة. والشرط الثاني: الرضا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. لابد من رضى الرب في قضية الشفاعة. وقد جمع هذان الشرطان في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾. الإذن والرضى. فالشفاعة تكون صحيحة تكون شرعية تكون مثبتة إذا كانت بإذن من الله وبرضى من الله. فإن اختل أحد هذين الشرطين فالشفاعة باطلة، فالشفاعة فاسدة، فالشفاعة منفية. فمن زعم أن الشفاعة لا تحتاج إلى استئذان، بل هو مالكها، فهذه شفاعة باطلة شركية. ومن زعم أن الشفاعة تكون لكل من هب ودب من غير رضى الرب عز وجل، فهذه شفاعة باطلة، هذه شفاعة باطلة. فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله وتتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها، الشفاعة للرسول لا ننكرها. قد مر معنا في شرح السنة أن أحاديث الشفاعة بلغت إلى حد التواتر. ومما تواتر حديث «من كذب» و«من بنى لله بيتًا واحتسب» ورؤية «شفاعة وحوض شفاعة». فحديث الشفاعة ما هي أنكرها؟ لا ننكرها، بل هي من الشفاعات التي يعطاها. وذكرنا أن الشفاعة اسم جنس، وأن الشفاعة التي يعطاها رسول الله عدة شفاعات ليست شفاعة واحدة، عدة شفاعات ليست شفاعة واحدة. قال: فقل: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع. الشافع قد مضى معنا: الشافع هو الذي يشفع، فهو الذي يسأل وهو الذي يطلب، فقد أعطيت الشفاعة له صلى الله عليه وسلم. والمشفع: أي أن الله استجاب شفاعته، فهو سائل معطى سائل قد أعطي الشفاعة أعطاه الله. وقلنا: إن النبي يعطيه الله عز وجل حتى لو أنه شفع في كافر، لو أن النبي شفع في كافر لا استجاب الله. دليله: ما عم عمه كافر شفع فيه نبينا فاستجاب الله لنبيه بأن خفف عنه العذاب، خفف عنه العذاب. قال: وأرجو شفاعته. لماذا أرجو شفاعته؟ ما نجزم لماذا نعلق؟ شفاعة رسوله تكون من نصيبنا إذا نرجو ذلك. يقول: لا، حيث لا تقول: لا ترجوه يشفع فينا. يقول: لا، لماذا؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يملك الشفاعة. وزد على ذلك أن الشفاعة لها شروط، الله أعلم هل تتوفر فيه أم لا تتوفر فيه. فأنا لست بضامن هل أنا داخل في هذا الشروط أم لا؟ ولهذا أرجو، أرجو أني أدخل في شفاعته عليه الصلاة والسلام. فنرجو ذلك من الله جميعًا. نسأل الله عز وجل أن يجعل نبينا شفيعًا لنا. نسأل الله ذلك، لا نجزم. لماذا لا نجزم؟ لأن الشفاعة لها شروط، فالله أعلم هل تتحقق فينا أو لا تتحقق فينا. قال: وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. وجميعًا دل على العموم، ودل على أن الشفاعة شفاعات. ولهذا جئ لها بكلمة «جميع». فالشفاعات كثيرة، الشفاعات كثيرة جدًا. وكل هذه الشفاعات كلها تصب في مصب رحمة الله عز وجل، كلها رحمة من الله. الشفاعة العظمى من رحمة الله. فصل الخضاء شفاعة من قدر أن يدخل إلى النار أن لا يدخل إلى النار. شفاعة من في النار أن يخرج من النار. شفاعة من كان له درجة في الجنة أن يرتقي إلى أعلى الدرجات. هذه من أنواع الشفاعات، كلها من رحمة الله، كلها من رحمة الله. عدد الله أنواع الشفاعة يوم القيامة: شفاعة هنا، وشفاعة هنا، وشفاعة هنا، حتى تعم الرحمة يوم القيامة. فالله عز وجل هو الذي مالك الشفاعة. قال: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. إذن لابد من إذن، لابد من إذن. هل هناك أحد يقدم على الشفاعة يقول: أنا لها، أنا لها، ثم يمضي ويشفع؟ لا، ما يمكن لأحد. إذا قال الله عز وجل في حق الملائكة: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ﴾. إذا أذن الله للملائكة أن يشفعوا شفعوا، وإذا ما أذن الله لهم ما أحد يقدم على الشفاعة. ولما تأتي وهكذا الأنبياء والرسل. فلما يؤتى لرسول الله في فصل القضاء يقول: ماذا؟ أنا لها؟ هل يذهب ويشفع مباشرة ويفصل القضاء؟ لا، أم يذهب يستأذن عند الله؟ يستأذن، يستأذن من ربه، يستأذن من ربه. قال: فأذهب وأخر تحت عرش الرحمن وأسأل ربه. ويدعو الله، وإن الله ليعطيه ويفتح عليه من محامده حتى يقول: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع. الآن اشفع، الآن اشفع. قبل هذا هل كان نبينا يقدر على الشفاعة؟ ما يقدر على الشفاعة، الشفاعة محجوبة محجوبة عن جميع الخلق، حتى على الرسل وعلى الأنبياء، حتى يأتي الإذن من عند الله عز وجل. فهؤلاء القبورية الذين يتجشمون عناء الذهاب إلى الزيارات وإلى العتابات ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وهؤلاء سيشفعون لنا عند الله. ومن أخبركم بهذا؟ من أخبركم أن هؤلاء سيشفعون؟ ما أحد يشفع إلا بعد إذن، ومن هذا الذي أذن له الله؟ الله أعلم لمن يشاء، لمن يشاء. فالله عز وجل علق الإذن لمن شاءه سبحانه. فبعضهم يعطيه الإذن، وبعضهم يعطيه الإذن لحكمة أرادها الله عز وجل. ﴿وَلا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ﴾. علق ربنا بالمشيئة. إذا شاء الله أن يشفع فلان شفعه، إلا ما شفع فلان. فكيف تجزم أنت الآن أن هؤلاء شفعاؤنا؟ هؤلاء يشفعون؟ الحبيب الفلاني والحبيب الفلاني؟ إحنا من طريقته؟ كما يركب بعض الطرق الصوفية من يتخذ له ندًا أو وليًا أو أحد من الصناديد الكبار؟ يقول: هذا شيخ الطريقة الفلانية، هذا الحبيب الفلاني، هذا شفيع، هنا خلاص. حتى والله سمعنا من بعضهم مما يذكر من كرامات هؤلاء أن بعضهم يقول: خلاص، كل من كان تابعًا لي فهو في الجنة. كل من كان تابعًا لي، أي من جماعتي، هذا في الجنة. كيف؟ خلاص، أنا سأشفع فيكم. ايش تريدون؟ خلاص، انتهى الأمر، انتهى الأمر. يشفع. وأذكر أن بعض المشايخ حدثني في مجلس، قال: كنت في محاضرة أتكلم عن التوحيد، ما التوحيد وفضل التوحيد؟ قال: فإذا برجل كبير في السن يبكي يبكي يبكي بكاء شديدًا، وشد الانتباه لحاضرين لبكاء هذا الرجل. وبعد المحاضرة تم الجلوس مع الشيخ، فقال: ايش تبكي؟ يعني ايش ذكرك هذا الكلام؟ فذكروا بماضي. قالوا: كنا نحن كالخدام والعبيد عند بعض السادة. بعض السادة كنا خدام نخدمهم في بيوتهم. وكان هذا السيد يقول: لنا أنتم خلاص، أنتم خدوا، أخدمونا، أنتم بخدم عندنا، أخدمونا، اشتغلوا في خدمتنا. وحتى الصلاة ما الصلاة؟ خلتوا أنتم في شفاعتنا يوم القيامة. نجو سأغرفكم غرفًا في الجنة، سأغرفكم غرفًا وأدخلكم الجنة. قال: مباشرة أنتم في شفاعتي. قال: كم تركنا من صلاة؟ كم تركنا من صيام؟ كم تركنا من عبادات؟ فكان هذا الرجل يبكي من شدة ما كان من جهله. وهذا كثير، هؤلاء السادة ومن يدعي الولاية يضحكون على العامة بأنكم خلاص أنتم تحت شفاعتنا، نحن سنشفع فيكم عند الله. خلاص، اشتريدون خدمونا؟ خلاص، تفرغوا في خدمتنا. وحتى بعضهم أن يتساهل في العبادات والأعمال بحجة ماذا؟ بحجة الشفاعة. والله، انظر لأكثر عباد القبور ضعفهم جدًا في العبادات. والله، ضعفهم. أذكر فيما أذكر: رجل كان متصوفًا ثم تاب وأصبح للسنة، مما غير من وجهة نظره. قال: كنت أنا معهم في مركزهم في الداخل. وأكنت أرى الشيخ والحبيب الفلاني. أرى يعني كيف هو؟ قال: فذهبت يوم الأيام إلى جامع الخير عندنا للشيخ. الشيخ أهل السنة. قال: فشد انتباهي إذ بالإمام يدور. طبعًا هذا الدور ما عرف أهل السنة. قراءة القرآن في الصباح بعد الفجر. هذا أيام شيخنا مقبل رحمه الله. ولا زال إخوان لازالوا لهذه الطريقة. إذا أراد أن يراجع ويغلق القرآن يدور حتى لا يأتيه النوم. فهذا الصوفي لما رأى قال: من هذا؟ قال: هذا إمام مسجد الشيخ الفلاني. قال: واش يفعل؟ قال: يراجع القرآن. قال: كل يوم؟ قال: كل يوم. فماذا فعل؟ قارن بين هذا الشيخ وبين شيخه الذي درس عنده في تريم. ما يقرأ القرآن، ولا له أوراد وله أذكار. إنما جالس فاتح فاتح وينام. لا سنن، لا رواتب، لا قرآن، ولا شيء. فرق، فرق. تجد أن هؤلاء ركنوا إلى قضية الشفاعة. زعموا أن ساداتهم وأن كبراءهم سيعطونهم الشفاعة. ومن قال بهذا؟ هذا شرط مهم: الإذن، الإذن لابد أن الله يأذن. ما هناك أحد يملكها. ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. مالكها سبحانه. قال: ولا تكون إلا من بعد إذن الله، كما قال تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. قال: ولا يشفع في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه. ولا يشفع في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾. وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد. وهذه الإشارة إلى مسألة الرضا. والرضا إذا فتحت الشفاعة، هل كل أحد يشفع؟ الجواب: لا. إذا جاء الإذن من الله بالشفاعة، فإن الشفاعة تحتاج إلى شرط ثاني، وهو الرضا. الرضا عن من؟ الرضا في أمرين اثنين: الرضا في الشافع والرضا في المشفوع له. الرضا في الشافع: ما معنى؟ معنى الذي يتولى الشفاعة شخص قد بلغ عند الله جل وعلا المنزلة. هؤلاء يعطيهم ربنا جل وعلا الشفاعة. فلان قم فاشفع. فلان هذا الذي يشفع الله راضي عنه. لابد أن الله يكون راضيًا عنه. بماذا راضي عنه؟ بأقواله، بأعماله، أن يكون نبيًا، يكون رسولًا، يكون مجاهدًا، شهيدًا، يكون على صدق، يكون على تقى، يكون على وفاء. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة». لا يكون اللعانون رجل لعان فيه بلية يصلي ويصوم، لكن عنده هذه الدسيسة: دسيسة السب، يلعن يلعن الله، يلعن يلعن. هذا في مسألة الشفاعة سيسحب، يسحب. لماذا يسحب؟ لأن الله ما هو راضي عنه. الله ما هو راضي عنه لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة». فهؤلاء تسحب منهم في القيامة الشفاعة. وهكذا قس جماعات من الناس ابتلوا ببعض المزايا والخصائص التي تقلل من ارتقائهم لدرجة الشفاعة فيسحبون، فيسحبون. إذن لابد أن الله يرضى عن الشافع، يرضى عن الشافع. ثانيًا: إن رضي الله عن الشافع، تأتي مسألة أخرى، وهي: قد يقول هذا الشافع: يا رب، يا رب، قد أذنت لي بالشفاعة ورضيت لي أن أشفع. أريد أن أشفع في فلان، ويشير ويذكر ويحدد أناس. هل يستجيب الله مباشرة؟ لا، بقي شرط أخير، وهو أن الله لابد أن يرضى عن المشفوع له. هذا المشفوع له الذي سقطت عليه الشفاعة من هو؟ إذا كان يستحق الشفاعة، فإن الله عز وجل يشفع ويرضى بشفاعة الشافع في حق المشفوع له. وإن كان المشفوع له ليس بمرضي، فالله يبطل الشفاعة ولا يستجيبها. مثاله ممن لا يرضى الله أن يكون من المشفوع لهم: الكفار. فإن الكافر حينها لا تنفعه شفاعة الشافعين، ولو جاءت من أنبياء الله، ولو جاءت من أنبياء الله. فلن يستجيب الله لهم. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾. هنا الاستغفار شفاعة؛ لأن كما قلنا: الشفاعة هو التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة. فالنبي نهى، وربنا نهى نبيه ونهى أهل الإيمان أنهم يستغفروا. والاستغفار نوع شفاعة؛ لأنه توسط في أن الله يغفر له. أولا ما كان وليجوز هذا منكم، لا تفعلوا هذا؛ لأن الله ما يرضى عن أهل الشرك؛ لأن الله ما يرضى عن أهل الشرك. ومثل عندما قام نوح عليه السلام في الدعاء والطلب من الله عز وجل أن يستجيب في ابنه، في أن ينقذه، فلم يستجب ربنا عز وجل لهذا النوع من أنواع الطلب؛ لأن قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾. رجاء والتضرع من نوح لربه: ابني، مهما كان من صلبي ومن أهلي، وأنت وعدتني؛ لأنك تعطيني. اعطيني يا رب في ابني. فكان من رد الله عز وجل أن الله ما استجاب لنوح. لماذا؟ لأن ابنه كافر، والكافر ليس بمرضي عند الله عز وجل. يا نوح، ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. لهذا لا تجوز الشفاعة. فبهذا أخوانا في الله إذا علمنا أن الشفاعة لابد بهذه القيود: الرضا، لابد من الإذن، ولا بد من الرضا. وبهذا تعلم حينها أن هؤلاء المبتدعة وعباد القبور أنهم من أبعد الناس عن الشفاعة، من أبعد الناس عن الشفاعة. قال مؤلف: وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد. كما أن الله أسقط الشفاعة في شفاعة أهل الكفر. بالمقابل، فالله فتح لمن؟ لأهل التوحيد. قال عليه الصلاة والسلام: «أسعد الناس بشفاعة من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه». قال: كان موحدًا، هذا الذي يستحق الشفاعة، هذا الذي يستحق الشفاعة، هذا الذي يرضى الله عنهم أهل التوحيد. قال نبينا: «أسعد الناس بشفاعة يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه». لهذا هؤلاء لو أرادوا شفاعة رسول الله أن تصيبهم، فعليهم أن يحققوا مقام التوحيد، فليفهموا هذا حق الفهم. من أراد أن تناله شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليهم أن يخلصوا لله التوحيد. فحينها ستأتيه الشفاعة بإذن الله. أما أنك تأتي بالعكس، تأتي بالشرك، تأتي بالكفر، ثم تريد أن الرسول يشفع لك. كيف يشفع لك وأنت من أبعد الناس عن توحيد الله؟ أبعد الناس عن توحيد الله. قال: فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه. الشفاعة إذن بهذه الصورة، إخواني في الله، الشفاعة بيد من؟ بيد الله عز وجل؛ لأنه لا تكون إلا بعد إذنه، ولا تكون إلا لمن ارتضى. إذن من هو مالك؟ هو الله عز وجل، هو الله سبحانه وتعالى. ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه. ولا يأذن الله تعالى إلا لأهل التوحيد. تبين لك أن الشفاعة كلها لله. أطلبها منه، وقل: «اللهم لا تحرمني شفاعته» أو «اللهم شفعه فيي». وأمثال هذا، هذا الصحيح في الدعاء. إن كنت أردت الشفاعة فاطلبها من الله. «اللهم شفع فيي نبيك». «اللهم اطلبها من الله». اطلبها من الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله بيده الشفاعة، هو الذي يأذن، هو الذي يرضى عن الشافع، هو الذي يرضى عن المشفوع له. إن رضي الله عنك وأذن بهذا أن يشفع، تمت الشفاعة وانتهى الأمر. لكن اطلبها من الله. «اللهم لا تحرمني شفاعة نبيك». تعترف وتقر؛ لأن الشفاعة بيد الله سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في «مدارج السالكين»: «فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشرك». «فهذه ثلاثة أصول تقطع شجرة الشركي من قلب من وعاها». قال: «لا شفاعة إلا بإذنه». «ولا إذنه إلا لمن ارتضى قوله وعمله». «ولا يرضى من القول ومن العمل إلا توحيده واتباع رسوله». انتهى كلامه رحمه الله. ذكر ذلك في «مدارج السالكين». فهذه أصول ثلاثة كما يقول نقي في مسألة الشفاعة تقطع الشرك الحاصل في باب الشفاعة. وهو أن تعلم يا أيها من تطلب الشفاعة أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن من الله. هذا أمر متفق عليه بنص القرآن. الأصل الثاني: أن الله لن يأذن بالشفاعة إلا لمن ارتضى قوله وعمله. ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. لا بد أن الله يرضى عن قولك، ولا بد أن يرضى عن عملك. وهذا هو الأصل الثاني المتفق عليه بنص القرآن. وأعظم رضا يرضاه الله عز وجل منك يا عبد الله قولًا وعملًا: قولك في التوحيد، وعملك في اتباع السنة. إذا كنت على هذه الحالة المرضية، أبشر أبشر يا عبد الله بالشفاعة. أبشر، لا نجزم، لكن أبشر بها. أما أن يأتي الإنسان لا بهذا ولا بذاك، فلا، فلا، فلا يحلم بها. ولو جئت على ذنوب، ولو جئت بمعاصي، فنرجو لك الشفاعة بكل موحد؛ لأن النبي قاد قال عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». من كان من أمته، من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، من أمة التوحيد تناله شفاعة، ولو كان من أهل الكبائر، ولو كان زانيًا، ولو كان فاجرًا، ولو كان لصًا. «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». لكن من أمته، من أمة التوحيد، أتبع لا إله إلا الله. فالتوحيد عظيم، عظيم جدًا، عظيم جدًا. فالشاهد أن هذا قال مؤلف: تبيّن لك أن الشفاعة كلها لله. أطلبها منه. فالطلب يكون من الله، وقل: «اللهم لا تحرمني شفاعته»، «اللهم شفعه فيي». وأمثال هذا. قال: فإن قال: «النبي صلى الله عليه وسلم أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله». هذه كذلك مما يلحق بأمر الشفاعة. قد يقول قائل: أنا أعرف هذا الكلام أعرف، لكن أنا الآن أنا أكلمكم في شخص عنده مال. مثاله: رجل عنده مال، وهذا الرجل سخي كريم، فأطلب منه من شيء بيده بشيء بيده عنده. يا فلان، اعطني مالًا. هل هذا علي عتب؟ هل هذا علي عتب؟ أنا ما أطلب شيء ثاني، أنا أطلب شيء هو يملكه، هو يملكه عنده. الشفاعة أعطاها الله، أعطاها لنبيه، وأنه سيشفع. إذن أنا أسألك كما تسألون أنتم الآن تعرف أن فلانًا عنده أموال عنده مال. تتصل عليه وتقول: يا فلان، اعطني المال، اعطني مما أعطاك الله. اعطني مما أعطاك الله. وأنا أقول: يا رسول الله، اعطني مما أعطاك الله. أعلم أن شفاعة لله، وأعطاها لنبيه، فأنا أطلب مما أعطاه الله له. هذه الشبهة. فقال رحمه الله تعالى: فإن قال: «النبي صلى الله عليه وسلم أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله». فالجواب: كيف ترى على هذه الشبهة؟ قال: فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا. فقال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. الرجل قل له: صحيح أن الله عز وجل أعطى لنبيه الشفاعة، لكن بالمقابل الله نهاك أن تطلب الشفاعة منه. نهاك أن تطلب الشفاعة منه. قد يقول: وما الدليل على أن الله نهاني؟ ما استدل به المؤلف في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وقد ذكرنا إخواني في الله ما معنى الدعاء لغة وشرعًا واصطلاحًا: الطلب. الطلب معنى الدعاء. كما قال ذلك أئمة السنة واللغة. كما قال إمام الشوكان: «والدعاء لغة وشرعًا: الطلب». كل ما فيه طلب فهو دعاء. كل ما فيه طلب فهو دعاء. فأنت عندما تطلب من رسول الله فأنت الآن تدعو من رسول الله. وقد مضى معنى أن الدعاء الدعاء له درجات، ومنه الدعاء طلب الدعاء من الأموات هذا شرك أكبر مخرج من الدين والملة. شرك أكبر مخرج من الدين والملة. بدليل ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. أحدًا نكرة في سياق النهي. تفيد ماذا؟ تفيد العموم. ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ كائنا من كان، لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا. قال: فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. إذا أردت ذلك تحقيق أمر الشفاعة، فليكن هذا حالك أنك لا تطلبها من الله؛ لأن هذا سؤال. فكون الذي يقول: «يا رسول الله اشفع لي». هي «يا رسول الله اعطني». «يا رسول الله هب لي». «يا رسول الله احمني». «يا رسول الله دافع عني». كل طلب للأموات كفر وشرك؛ لأن الله نهى أن تدعو أحدًا دونه فيما لا يقدر عليه إلا الله. قال: وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي صلى الله عليه وسلم، فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون. الأفراط وهم الصغار الذين ما بلغوا سن الاحتلام. إذا ماتوا. قال: والأولياء يشفعون. طيب، الشفاعة ليست من خصائص رسول الله عليه الصالاة والسلام، بل إن الله عز وجل يفتح باب الشفاعة. فيشفع الأنبياء، يشفع الملائكة، ويشفع كذلك أهل الصلاح. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: «قال الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون». «لم يبقى إلا أرحم الراحمين». هذا رواه مسلم من حديث أبي سعيد. فيه أن الله قد فتح الشفاعة لماذا؟ للأنبياء، وللملائكة، وهكذا أهل الإيمان، وهم الأولياء، الأتقياء، الأصفياء. يشفعون، يشفعون. ومن شفاعة هؤلاء: إخراج من في النار أن يخرج من النار. إخراج من في النار أن يخرج من النار. وهكذا مما يلحق بهؤلاء ممن يعطى الشفاعة: الشهداء. كما روى ذلك إمام أحمد والترمذي. قال عليه الصلاة والسلام: «للشهيد عند الله سبع خصال». وذكر منها: «ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته». ويشفع في سبعين إنسانًا من أهل بيته. وهذا في «صحيح الجامع». وأما الأفراط، وهو الصغير الفرط، وهو الصغير الذي مات قبل الاحتلام. يشفع. وذلك لما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن الفرط يتلقى أبويه عند باب الجنة، فيدخلهما الجنة. أي بمعنى: فالفرط يُعطى له الشفاعة، يشفع. قال مؤلف: وأيضًا فإن الشفاعة أعطيها غير النبي صلى الله عليه وسلم، فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون. أتقول: أن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم؟ فإن قلت: هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه. وإن قلت: لا، بطل قولك: «أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله». أي: المؤلف الآن هذا إلزام. ينبغي أن تفهم أن الشفاعة ليست خاصة برسول الله، بل أعطيها النبي وغير النبي. الشهداء يشفعون، الملائكة تشفع. إذا نطلبها، يأتي: رجع عند قبر. «يا رسول الله شفع لي». «يا رسول الله شفع لي». يقول: لا، وقف، وقف، وقف. لا تدعو مع الله أحدًا. يا أخي، جبريل له شفاعة. قل: «يا جبريل شفع لي». قل: «يا ميكائيل شفع لي». قل: «يا إسرافيل شفع لي». قل: «يا خزنة الجنة، يا ملائكة الجنة شفعوا لي». قلها، ما تريد. الملائكة ادعو، سل الصالحين. قل: «يا شافعي». قل: «يا مالك». هؤلاء ماتوا ماتوا على خيري. حاول الأمة تشهد لهم بالجنة. نشهد لهم بالجنة رجاء من الله. سلهم أن يعطوك الشفاعة. سلهم. اذهب إلى غير من هؤلاء الأسطال أو أنا نعفو. فلان هذا رجل، وهذا رجل، هذا رجل. عندهم أولاد صغار ماتوا أفراد. ادعوهم. يقول: لأخي اسمه فلان اللي مات اسمه من؟ يا والله اسمه عبد الله. ايش بغت منهم؟ يا خبيت، اشفع لي يوم القيامة. قل: «يا فلان، يا صغير اشفع لي». يا رب اشفع لي. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: أن أمثال هؤلاء يلزمون. وهكذا الأنبياء. «يا إبراهيم اشفع لي». «يا نوح اشفع لي». «يا إدريس اشفع لي». اشفع لي، اشفع لي، اشفع لي. در عليهم واحدًا واحدًا.