كتاب الإيمان 25

كتاب الإيمان 25

الدرس في كتاب الإيمان 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة

يبدأ الشرح بتوضيح حديث الإيمان بضع وسبعين شعبة وتفسير معنى البضع واختلاف الروايات في العدد. يُبين أن الإيمان يشمل العديد من الخصال والأفعال المذكورة في القرآن والسنة.

تفاوت مراتب الإيمان والرد على الفرق المخالفة

يتناول هذا الفصل تفاوت مراتب الإيمان، حيث أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ويرد على المرجئة والخوارج الذين يرون الإيمان منزلة واحدة.

أهمية الأخذ بأقوال النبي وتقديمها على آراء الرجال

يشرح هذا الفصل أهمية الأخذ بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وتقديمها على آراء الرجال والعقلانيين من خلال شرح حديث «الحياء خير كله» وغضب عمران بن حصين.

سند الحديث النبوي ورواته

يتناول هذا الفصل سلسلة الرواة الذين نقلوا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم، بدءًا من إسحاق بن إبراهيم وانتهاءً بعمران بن حصين، ويشير إلى تشابهه مع حديث آخر رواه حماد بن زيد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا عبيد الله بن سعيد، وهو اليشكري، أبو قدامة السرخسي -أخرج له الشيخان البخاري ومسلم- قال: قال ابن عبد البر رحمه الله: أجمعوا على ثقته. أخرج له البخاري ثلاثة عشر حديثا، والإمام مسلم ثمانية وأربعين حديثا. قال: وحدثنا عبد بن حميد -وهو صاحب المنتخب- قال: حدثنا أبو عامر العقدي -وهو عبد الملك بن عمر القيسي- قال: حدثنا سليمان بن بلال -وهو التيمي- عن عبد الله بن دينار -وهو العدوي، أبو عبد الرحمن المدني، مولى ابن عمر- عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان». قال: وحدثنا زهير بن حرب، وأبو خيثمة -روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنسائي -روى له بواسطة-، أحمد بن علي المروزي قال: حدثنا جرير، وعبد الحميد عن سهيل عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». هذا الحديث يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون» هنا الشك في هذه الرواية، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله: أنه من جهة سهيل -سهيل بن أبي صالح- وقد رواه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بلفظ «بضع وستون شعبة» من غير شك، وأيضا رواية عند أبي داود والترمذي «بضع وسبعون» من غير شك، كما في الرواية الأولى. على أن بعض العلماء يرجحون رواية «بضع وستون» أنها هي الأصح. والبضع هو على اختلاف أيضا بين أهل العلم في تحديده، فقيل: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من ثلاث إلى تسع، وقيل: من اثنين إلى عشرة. وهذا الذي رجحه الإمام النووي رحمه الله. يعني ما بين الاثنين إلى العشرة يقال له بضع، إذا كان مثلا عندك مبلغ أنت لا تعلم تحديده بالضبط، لكن تعرف أنه ما بين الاثنين إلى العشرة، فتقول مثلا: بضعة عشر أو بضعة وعشرون. «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة»، الشعبة يعني القطعة والجزء من الشيء. والمعنى أن الإيمان بضع وستون خصلة. والعلماء -يعني بعضهم- اجتهد وحرص على تحديد شعب الإيمان، فتتبع ما ورد في القرآن أو السنة فيما دلت عليه الأدلة أن فعل هذا الشيء أو قوله من الإيمان. وألف بذلك المؤلفات، ومنها المنهاج لأبي عبد الله الحليمي، كما أشار النووي رحمه الله. ومن أشهر كذلك المؤلفات في ذلك مؤلف أبي بكر البيهقي رحمه الله «شعب الإيمان»، واختصره في كتاب «مختصر شعب الإيمان». وهكذا أيضا الإمام المحبان كذلك حرص على تتبع هذه الشعب، وأوصلها إلى بضع وسبعين شعبة، حتى بلغت تسعة وسبعين شعبة. المهم ليس الواجب على العبد هو معرفة التفاصيل هذه الشعب، كما أن الواجب هو الإيمان بما أمر الله سبحانه وتعالى، الإيمان به من أركان الإيمان، وكذلك أيضا ما نص الشرع على الإيمان به على جهة التعيين. لكن نؤمن أن الإيمان شعب وخصال متعددة، فأفضلها وأعلاها قول لا إله إلا الله، شهادة بالتوحيد، هذه أفضل وأعلى خصال الإيمان وشعب الإيمان. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، أدنى خصال الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، يعني إبعاده، إبعاد الأذى الذي يؤذي المسلمين من طريقهم من شوك أو حجر أو نجاسات أو غير ذلك مما يتأذى منه المسلمون، فإبعاده من الإيمان. والمسلم لا يستهين بمثل ذلك، يعني يمر على شيء يستطيع أن يبعده فيبعده، شجرة أو حجر أو شيء مما يتأذى منه المسلمون، فمن الإيمان أنك تبعده، ولك أجر عظيم. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى رجلا يتقلب في الجنة في شجرة أزاحها عن الطريق كانت تؤذي المسلمين، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أماط الأذى عن طريق الناس فأدخله الله الجنة». «والحياء شعبة من الإيمان»، خلق الحياء وهو خلق يبعث على فعل كل حسن وإجتناب كل قبيح، هذا الخلق من الإيمان، شعبة من شعب الإيمان. إذا هذا الحديث دلنا على أن الإيمان يتفاوت ومراتب، على أن الإيمان مراتب بعضها أفضل من بعض، وبعضها أعلى من بعض. ففي هذا الحديث رد على المرجئة الذين أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان. والنبي عليه الصلاة والسلام ذكر هنا أن من الإيمان إماطة الأذى عن الطريق، وهذه أعمال وخلق داخل في مسمى الإيمان، وأنها من الإيمان، ففي رد على زعمهم أن الأعمال لا تدخل في الإيمان. وأيضا في رد عليهم بقولهم أن الإيمان منزلة واحدة، إذا كان الإنسان مؤمنا فمهما عمل من ذنوب ومعاصي لا يضر هذا بإيمانه، فعندهم إيمان العاصي والبار كإيمان أبي بكر وعمر، وهذا أمر باطل. كذلك أيضا فيه رد على الخوارج، الخوارج كذلك جعلوا الإيمان شيئا واحدا، إذا ذهب بعضه ذهب كله، لهذا يكفرون من وقع في كبيرة، إذا ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب سلبوا عنه اسم الإيمان وحكموا عليه بالكفر. والذي عليه أهل السنة والجماعة أنه مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، فلا يسلب عنه الإيمان كله، بل يبقى له مطلق الإيمان، لا يسلب عنه اسم الإيمان، ولا يثبت له الإيمان المطلق -يعني الإيمان الكامل-، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، ضعيف الإيمان. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر الناقد، وزهير بن حرب قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري، محمد بن مسلم عن سالم -وهو ابن عبد الله- عن ابن عمر عن أبيه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يعظ أخاه في الحياء فقال: «الحياء من الإيمان». قال: وحدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا عبد الرزاق، وابن نمير، وابن همام الصنعاني قال: أخبرنا معمر، وهشام بن الغاز نزيل اليمن عن الزهري بهذا الإسناد. وقال: مر برجل من الأنصار يعظ أخاه. هذا الحديث حديث ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع رجلا يعظ أخاه في الحياء، يعني ينكر عليه كثرة حيائه وينهاه عن ذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحياء من الإيمان»، يعني لا تنه عن ذلك، فهو على خلق حسن. كونه يستحي فالحياء من الإيمان، لأنه يمنع الإنسان من الوقوع في القبائح والأشياء المستنكرة، فحياءه يمنعه من الوقوع فيها ومن ارتكابها. وهذا مما يحث عليه الإيمان أن المسلم يفعل الأشياء الطيبة الحسنة، ويبتعد من الأشياء القبيحة والسيئة من قول أو فعل. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار -محمد بن المثنى أبو موسى العنزي، وابن بشار ملقب بندار- قال: واللفظ لمحمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر -محمد بن جعفر غندر- قال: حدثنا شعبة، ومن الحجاج عن قتادة قال: سمعت أبا السوار عن عمران بن حصين يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير». قال: وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي قال: حدثنا حماد بن زيد، وإسماعيل عن إسحاق بن سويد أن بقية قتادة تحدث قال: كنا عند عمران بن حصين في رهط منا، وفينا بشير بن كعب، فحدثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء خير كله». قال: أو قال: «الحياء كله خير». فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارا لله، ومنه ضعف. قال: فغضب عمران حتى حمرت عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحفك. قال: فأعاد عمران الحديث، قال: فأعاد بشير بن كعب، فغضب عمران. قال: فما زلنا نقول فيه: إنه منا -يا أبا نجيد- إنه لا بأس به. هذا الأثر يخبر أبو قتادة أن عمران بن حصين رضي الله عنه حدث بحديث، وكانوا في رهط -يعني جماعة، والرهط هم الجماعة ما دون العشرة من القوم- منا وفينا بشير بن كعب، يعني كان ممن معهم في هذا المجلس بشير بن كعب. فأخبر عمران بن حصين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الحياء خير كله»، أو «الحياء كله خير»، يعني لا يبعث الحياء إلا على الخير، ويحث صاحبه على الخير، فلا يتكلم إلا بالكلام الطيب وبالخير، ولا يفعل إلا الأفعال الطيبة الحسنة. لأن الإنسان إذا لم يكن عنده حياء لم يبالي بما يقول وما يفعل. كما في حديث ابن مسعود: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»، إذا ما كان عندك حياء فإنك تفعل ما شئت وما تبالي. لكن الذي عنده حياء يمنعه حياءه من فعل الأشياء المستنكرة، فالحياء خير كله. لما حدث بهذا عمران قال بشير بن كعب: إنا نجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ومنه وقارا لله ومنه ضعف. فغضب عمران رضي الله عنه حتى حمرت عيناه، يعني من شدة غضبه، قال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحفك. غضب لأنه رأى أنه يعارض قول النبي عليه الصلاة والسلام، يحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام ويأتي يحدثه عن صحفه التي معه. فلما أعاد عليه عمران الكلام أعاد بشير بن كعب نفس الكلام، فغضب رضي الله عنه. وهذا غضبه يعني غيره على سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن تعارض بأقوال الرجال وآراء الرجال. والواجب على المسلم إن بلغه الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن يأخذ به، وأن يدع رأيه وقوله وآراء الرجال وأقوالهم، هذا هو الواجب. ما يعارض قول النبي عليه الصلاة والسلام بفكره ولا برأيه ولا بعقله فيضل بسبب ذلك، كحال العقلانيين الذين يقدمون العقل على النقل، فلا يقبلون أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام إلا إذا وافقتها عقولهم، وإذا لم توافق عقولهم ردوها ولم يعملوا بها ولم يثبتوها. فكم ردوا من أحاديث صحيحة بسبب عقولهم الفاسدة والقاصرة. قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر قال: حدثنا أبو نعامة العدوي قال: سمعت حجير بن الربيع العدوي يقول عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث حماد بن زيد.