الدرس في كتاب الإيمان 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح الحديث الذي رواه سفيان بن عبد الله الثقفي حول قول جامع في الإسلام، وكان الجواب "قل آمنت بالله فاستقم". الإيمان يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر.
الاستقامة على أوامر الله واجتناب نواهيه هي الطريق إلى النجاة، مع الإقرار بأن الإنسان معرض للخطأ والتوبة والرجوع إلى الله عند وقوع الخطأ.
أفضل أعمال الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف، وهما سبب للمحبة بين المسلمين ودخول الجنة.
النبي عليه الصلاة والسلام يشير إلى أهمية إفشاء السلام لتحقيق المحبة بين الناس، ويؤكد ذلك بقوله تعالى حول الرد على التحية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسابور القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو قريب -محمد بن العلاء- قالا: حدثنا ابن نمير، ومحمد بن العلاء، وحدثنا قتيبة بن سعيد، وإسحاق بن إبراهيم، جميعا عن جرير، وحدثنا أبو أسامة، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه. عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. وفي حديث أبي أسامة: غيرك. قال: «قل آمنت بالله فاستقم». وفي رواية: «ثم استقم». قل آمنت بالله، هذه الكلمة شاملة لكل ما يجب على المسلم الإيمان به: آمنت بالله ربا وإلها، الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبية الله، وأنه الرب المتفرد بالخلق والملك والتدبير، والإيمان بألوهية الله، وأنه الإله الذي يستحق أن يعبد وحده، فلا إله غيره، والإيمان بأسماء الله وصفاته، والإيمان بما أمر الله عز وجل به من الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. ثم الاستقامة على ذلك، بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، ولزوم طاعة الله جل وعلا، على ما أراد الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام، والاستمرار على ذلك والمداومة عليه. وهذا قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾. الإنسان كونه بشر معرض للخطأ ومعرض للزلل، مهما حرص على كمال الاستقامة، فلابد أن يحصل منه خلل، وأن يحصل منه زلل، لأنه غير معصوم، لكن يسدد ويقارب، وإذا أخطأ رجع، وإذا أذنب تاب. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «استقيموا ولن تحصوا»، يعني لا تستطيعوا أن تحصوا الاستقامة من جميع جوانبها، وأن تأتوا بها على وجهها الأكمل. لكن إذا حصل شيء من ذلك، فالرجوع إلى الله، والتوبة، والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. قال الإمام مسلم رحمه الله: وحدثنا قتيبة بن سعيد، عن الليث، ومن سعد -أبو الحارث الفهمي-، وحدثنا محمد بن رمح، قال: أخبرنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عبيد الله اليزني، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». الإسلام يتفاضل، تتفاضل أعماله وأموره، ويكون بعضها أفضل من بعض، وبعضها أهم من بعض، وبعضها أعظم من بعض. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تطعم الطعام»، يعني تعطي وتطعم من يحتاج إلى إطعام من الفقراء أو المساكين أو الأيتام أو إكرام الضيوف، وغير ذلك من إطعام الطعام، هذا من خصال الإسلام الطيبة. وكذلك أيضا من أعمال الخير: إطعام الطعام. والله عز وجل أخبر عن إبراهيم عليه السلام كيف أكرم ضيوفه حين أتوه الملائكة بصورة رجال. «وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف»، إفشاء السلام هذا أيضا من خصال الإسلام العظيمة التي رغب فيها الإسلام وحث عليها، وجعل في إفشاء السلام الأجور والثواب الكثير، وأنها سبب للمحبة بين المسلمين، وسبب لدخول الجنة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». والله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.