كتاب الإيمان 27

كتاب الإيمان 27

الدرس في كتاب الإيمان 27، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث خيرية المسلم

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يصف فيه خيرية المسلم بأن يسلم المسلمون من لسانه ويده. يوضح هذا الحديث أنواع الأذية التي يمكن أن يتعرض لها المسلمون وضرورة الابتعاد عنها.

تفاصيل حول كمال إسلام المسلم

المقطع يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول كمال إسلام المسلم وعدم إيذاء الآخرين بلسانه أو يده. يوضح الحالات التي يجوز فيها التأديب أو التحذير من شخص ما دون أن يعتبر ذلك أذية أو غيبة محرمة.

تفاضل الإسلام وأفضل أعماله وفقاً لأحوال السائل

المقطع يشرح حديثين مختلفين عن أفضل الإسلام، حيث سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الإسلام فأجاب مرة بتطعم الطعام وتقرأ السلام، ومرة أخرى بمن سلم المسلمون من لسانه ويده. العلماء فسروا اختلاف الجواب باختلاف حال السائل.

بيان حرص النبي على تقديم الإرشاد الأمثل

يدل سؤال النبي عن أفضل الإسلام على وجود تفاضل ودرجات في الإسلام، حيث يعطى السائل ما هو الأفضل والأصلح له. هذا يظهر حرص النبي على تقديم الإرشاد الأمثل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: وحدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمر بن عبد الله بن عمر بن سرح المصري، قال: أخبرنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب، إمام من أئمة أهل مصر، عن عمر بن الحارث، وكان مفتي أهل مصر بزمانه. قال أبو زرعة رحمه الله: لم يكن له نظير في الحفظ في زمنه، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، ابن عبد الله اليزني، أيضا كان مفتي أهل مصر في زمانه، أنه سمع عبد الله بن عمر بن العاص يقول: إن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. نعم، هذا الحديث يقول: عبد الله بن عمر بن العاص، رضي الله تعالى عنهما، إن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المسلمين خير؟ يعني أي المسلمين يكون فيه الخيرية، اتصافه بشيء من صفات الخير، والصفات التي جاء بها الإسلام، ورغب فيها، وحث عليها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من سلم المسلمون من لسانه ويده، خير المسلمين. من سلم المسلمون من لسانه ويده، فهذا من كمال صفات المسلم أن يسلم المسلمون من لسانه ويده، يسلمون من لسانه ويده، بمعنى ألا يؤذيهم، ألا يؤذيهم بلسانه، بالطعن والقدح، والغيبة، والنميمة، واللمز، وكذلك أيضا القدح في عرضهم بالقدف، وغير ذلك من أنواع الأذية. وكذلك أيضا لا يؤذيهم بيده، بالبطش، والضرب، والقتل، وأخذ المال قهرا، وغير ذلك من أنواع الظلم التي قد تقع كذلك باليد. وسواء كان ذلك باللسان أو باليد أو بغير هاتين الجارحتين، لكن خص النبي عليه الصلاة والسلام هاتين الجارحتين لأن أكثر الأذية والظلم يقع بهما، تقع عن طريق اللسان، وتقع عن طريق اليد. وإلا لو آذاهما بغير لسانه ويده، كانت تكون الأذية بقدمه مثلا، يرفس ويرمح، لا شك أن هذا محرم أيضا، هو داخل بالحديث، لكن كما قلنا نبه النبي عليه الصلاة والسلام على هاتين الجارحتين لأن أكثر الأذية تكون بهما. إذن المسلم الكامل الإسلام الذي يبعد أذاه ويبعد شره، وكذلك أيضا يبعد ما يؤذي به المسلمين من أذية، سواء كان بلسانه أو يده أو بقدمه أو بغير ذلك من أنواع الأذية. فإذا كان المسلم كثير الأذى لإخوانه، يؤذيهم بلسانه ويؤذيهم بيده أو بغير ذلك من أنواع الأذية، فهذا من ضعف إسلامه. وسيأتي معنا في الرواية التي بعدها: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، يعني المسلم كامل الإسلام، المسلم حقا من سلم المسلمون من لسانه ويده. وكما سمعنا: كلما قل إسلام العبد، كلما كانت أذيته للمسلمين أكثر، سواء كانت الأذية بلسانه أو بيده. وإذا كمل إسلامه أو كبر أو كثر إسلامه، كان أبعد شرا وأبعد الأذية للمسلمين. نعم، هذا إذا كان بغير حق، أما إذا كان بحق فلا يدخل هذا في الذنب ولا يدخل كذلك أيضا في النقص. كيف بحق؟ مثلا الحاكم أو أولي الأمر له حق في تأديب بعض المسلمين الذين تصدر منهم بعض المخالفات وبعض المعاصي، وقد رتب عليها الشرح حدودا يكون فيها تأديب لهم، فلا يكون هذا من الأذية المذمومة، بل هذا عملا بكتاب الله عز وجل وبسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وردع لأهل الذنوب والمعاصي والكبائر، كجلد الزاني أو جلد كذلك شارب الخمر أو رجم الزاني المحصن أو كذلك قتل قطاع الطريق إذا قتلوا وسرقوا، تقطع أيديهم ورجلهم من خلاف، وغير ذلك من أنواع الحدود. هذه لا يقول يعني أحد منهم يحتاج ويقول هذا أذية، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: المسلم من سلم المسلمون من لسان ويده، فيقال: أنتم ما سريع منكم المسلمون، أنتم ليس لكم حرمة. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله إلا بحد ثلاثة: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. فإذا ارتكب المسلم ما يوجب الحد عليه، فهو بهذا رفع العصمة التي له، وفعل ما أباح الشرع أن يؤدب به من إقامة هذه الحدود عليه. كذلك أيضا اللسان، كذلك إذا تكلم الإنسان ليس لقصد الذنب والقدح، وإنما من باب النصيحة، مع الورع وتقوى الله، فهذا أيضا ليس من هذا الباب المذموم، كونه يحذر مثلا من فلان رجل مبتدع ظالم أو رجل فاسق يخاف عليه أن يعني يضل الناس أو نحو ذلك، فهذا من النصيحة، لكن كما قلنا مع الورع وتقوى الله. أما ليس أن ما يكون من باب الهوى وتشفي، فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز ويكون من الغيبة المحرمة. نعم، وكما قال القائل: القدح ليس بغيبة في ستة: متعرف، ومتظلم، ومحذر، ومعرف، ومجاهر فسقا، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر. ففي هذه الأمور الستة لا يكون التحذير أو ذكر اسم الشخص من باب الغيبة، لكن هذا من باب النصيحة. أما إن كان القصد التعيير والتشفي ونحو ذلك، فهذا يعتبر من الغيبة المحرمة. قال رحمه الله: حدثنا حسن الحلواني وعبد بن حميد، صاحب المنتخب، قالا جميعا: أن أبا عاصم، وهو أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، قال عبد بن حميد المذكور: أنبأنا أبو عاصم، عن ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز، وهو مدلس لا يقبل حديثه إلا إذا صرح بالتحديث، أنه سمع أبا الزبير يقول: سمعت جابرا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. قال: وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، قال: حدثني أبي، وهو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، أبو أيوب الكوفي الحافظ، نزيل بغداد، قال: حدثنا أبو بردة بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قال: وحدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري، وهو أبو إسحاق الطبري الحافظ، روى عنه الجماعة سوى البخاري، قال: حدثنا أبو أسامة، هو حماد بن أسامة، وهو مشهور بكنيته، قال: حدثني بريد بن عبد الله بهذا الإسناد، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المسلمين أفضل؟ فذكر مثله. نعم، مرة معنا في حديث الأمس أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: أي الإسلام خير؟ فقال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. وفي هذه الرواية سئل: أي الإسلام أفضل؟ فقال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. هنا اتفق السؤال واختلف الجواب. فذكر العلماء كما ذكر الإمام النووي رحمه الله أن اختلاف الجواب هو لاختلاف حال السائل، فيعطى السائل الأصلح له والأفضل له مما يكون في حق أفضل مما قد يكون في حق غيره. غيره أفضل. طيب، فلما سأله ذاك الرجل قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. وسأله غيره فقال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. وذكرنا أن هذا من فقه العالم، أنه يعطي السائل إذا كان الجواب يستحق أو السؤال يستحق أكثر من جواب، يعطيه الجواب الذي يناسبه والذي يكون أصلح له. يعني مثلا يسأل شخص: أي الإسلام أفضل؟ ترى في هذا الشخص تقصير في الصلاة وفي العبادة، فتقول له: المحافظ على الصلوات في جماعة. طيب، شخص آخر محافظ على الصلوات، لكن يعني عنده كما يقال لسان طويل، يتكلم في الناس ويؤذي الناس بلسانه، فتقول له: من سلم المسلمون من لسانه ويده، فتعطيه الجواب الذي يناسبه ويكون أصلح له. وكذا ويسأل بين هذه الأجوبة تعارض، فالإسلام يعني يتفاوت ويتفاضل. ولهذا الإمام النووي رحمه الله بواب على هذه الأحاديث باب تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل. فسؤال النبي عليه الصلاة والسلام: أي الإسلام خير؟ أي الإسلام أفضل؟ يدل على أن الإسلام فيه يعني تفاضل وفيه درجات بعضها أفضل من بعض. فكما قلنا: يعطى السائل الأفضل في حقه والأصلح في حقه. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.