الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 396

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 396

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 396، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير العلماء من الإصرار على البدعة

يروي الشيخ مقل بن هاد الواد قصة الحسين بن علي الكرابيسي وأبي ثور، موضحًا كيف أدى إصرار الكرابيسي على البدعة إلى سقوطه، بينما رفع رجوع أبي ثور وتوبته من قدره. يحذر من مواجهة أهل السنة والإصرار على الخطأ دون توبة ورجوع.

أهمية الرضا والاختيار في البيع

يشترط في صحة البيع أن يكون عن تراضٍ من الطرفين. الجمهور يرون أن البيع باطل إذا كان نتيجة إكراه، سواء كان ملجئًا أو غير ملجئ، بينما يختلف الحنفية حول الفرق بين الرضا والاختيار.

تحريم أخذ مال الغير دون رضا

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذ مال الغير بغير رضا واختيار، وأمر بالتراضي في البيوع، ونهى عن خداع الناس في البيع والشراء، وأجاز رد البيع إذا كان هناك غبن شديد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقل بن هاد الواد رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه، وهو محمد بن يزيد بن ماجة القزويني: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، وهو أبو الوليد، وقال الإمام أحمد: لا بأس به. قال: حدثنا مروان بن محمد، مروان بن محمد الدمشقي الطاطري، مروان بن محمد الطاطري، وهو أيضا لا بأس به، من أهل السنة، إلا أن عنده إرجاء، عنده إرجاء، وهو صاحب المقالة المشهورة التي قال: اعتبروا برجلين. قال لأصحابه أهل دمشق: اعتبروا برجلين بالحسين بن علي الكرابيسي وأبي ثور. ابتدع، فرجع أبو ثور، فرفعه الله، وبقي الحسين بن علي الكرابيسي، فوضعه الله. إن الحسين بن علي الكرابيسي كان أذكى من أبي ثور، وكان أيضا أفهم منه وأحفظ منه، وكلاهما أصحاب الشافعي، كلاهما من تلاميذ الشافعي في العراق، أصحاب الشافعي الذين كانوا في العراق. فلما حدثت هذه الفتنة، فتنة لفظ في العراق، تقمص هذه الفتنة الحسين بن علي الكرابيسي، وكان معه أبو ثور. فلما تكلم الإمام أحمد عن هذه الفتنة، وأن هذا لا يجوز أن يتكلم في مثل هذه الأشياء، وأن الإنسان لا ينبغي أن يدخل في هذه المزالق، فيقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، لا ينبغي أن يقول: لفظي مخلوق أو غير مخلوق. فأبو ثور رجع وتاب عن هذه المسألة، فرفعه الله، وكان من أهل السنة. وأما الحسين بن علي الكرابيسي، فكان عقله أكبر من علمه، كما قال بعض السلف. فلج في هذه الخصومة، لج فيها وجادل وتكلم، حتى أنه تجرأ أن يتكلم عن الإمام أحمد رحمه الله، فسقط عند الناس، لم ينفعه علمه ولا ذكاؤه بإصراره على الباطل، بإصراره على الخطأ. فلو أنه سكت لسلم، لكنه جادل وناضل على هذه البدعة. فلهذا قال مروان بن محمد الطاطري: اعتبروا برجلين، اعتبروا بهذين الرجلين. دافع أهل السنة ونازعهم، وكذلك ظن أنه يستطيع أن يقارع العلماء الذين شهدت لهم الأمة بالخير، وكذلك بالعلم، لكنه لم يستطع ذلك، فسقط. وأما أبو ثور، فرجع وتاب، فرفعه الله عز وجل. ولهذا الحسين بن علي ما يذكر، مع أنه كان فقيها، لكن ما تذكر آراؤه. وكذلك أيضا كان من أهل الحديث، لكنه شذ عن أهل الحديث، فلهذا ما يذكر إلا في بعض الكتب التي غفلت عن بدعته، كتاريخ الفسوي، المعرفة والتاريخ، وغيرهما. وقد انتقدوا عليه نقولاته عن الكرابيسي. المهم أن الطالب العلم كذلك، حتى لو كان عالما، لا ينبغي أن يواجه أهل السنة ويصر على الخطأ. فإن روجع أن هذا الخطأ الذي هو فيه، فلابد عليه أن يتق الله ويتوب إلى الله ويرجع، ولا يكابر. قال: حدثنا مروان بن محمد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، وهو الدراوردي، وهو مدني، عبد العزيز بن محمد دراوردي مدني، هو أصلا خرساني، وجاء إلى المدينة وسكن المدينة، لكن كان دائما يستعمل كنية أندر أندر، ظهر أدخل عنه باللهجة الفارسية، فكان يقول: أندر، فسموه أندراوردي، لكن حذف النون، فصار الدراوردي. فكان قال له عبد العزيز الدراوردي، العزيز بن محمد الدراوردي، وهو حسن الحديث، صدوق، قال عن داود بن صالح المدني، وهو داود بن صالح التمار، واثقه النسائي وغيره، كما ذكر الشيخ. قال عن أبيه، وهو صالح بن التمار المدني، المدني، معنى نسبة إلى المدينة. قال: سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما البيع عن تراض». قال: هذا حديث حسن، داود بن صالح قال: حرب عن أحمد: لا أعلم به بأسا، أي التمار ووالده صالح بن دينار المدني، ما روى عنه إلا ولده، ولكن واثقه النسائي، كما في تهذيب التهذيب. فالحديث حسن، كما ذكر الشيخ رحمه الله. وأيضا الحديث معناه في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. فهذا الحديث معناه في هذه الآية، معناه في هذه الآية: «إنما البيع عن تراض». ففي هذا الحديث اشتراط الرضا في البيع والشراء. ولهذا ذكر العلماء أن من شروط البيع أن يكون عن تراض، أن يكون باختيار، هو أولى أن يكون البايع أو المشتري، أو معناه كلا المتعاقدين باختيارهم هذا البيع. لابد أن يشترط فيه الاختيار. واستعمل العلماء الاختيار دون الرضا، وبعضهم يستعمل للرضا، يقول: رضا أو اختيار. وهناك خلاف بين الجمهور والحنفية في مسألة الفرق بين الاختيار والرضا. فالجمهور لا يفرقون بين الاختيار والرضا، فيقول: أن الرضا هو الاختيار. وأما الحنفية فيرون هناك فرق بين الاختيار والرضا، فيقولون: أن الرضا يكون عن إكراه ملجئ، والاختيار يكون عن إكراه غير ملجئ. والإكراه الملجئ فسروه بأنه إذا كان إكراه بالقتل أو بمعنى أخذ عضو من أعضائه، مثلا: سيكسر يده أو سيكسر رجله، فمثل هذا قالوا: هذا إكراه ملجئ. والإكراه غير الملجئ، الملجئ، مثلا: أن يهدده مثلا بالضرب أو يهدده مثلا بأخذ شيء عليه، معنى ما يكون فيه نفس، ولا أيضا عضو من أعضائه، فيقولون: هذا إكراه غير ملجئ. فيقولون: إذا كان مثلا هذا الإكراه غير ملجئ، فيكون يسمى هنا رضا. فهذا الإكراه يقولون: إذا أكره ولم يرض بالبيع، وإن كان هو يختار هذا البيع، فيكون البيع فاسدا، فيكون هذا البيع فاسدا. فإذا ذهب هذا الذي أكره عليه يرجع، أو هذا الرجل لم يرد البيع، فيكون البيع صحيحا، يكون البيع صحيحا. وأما وإن كان مثلا إكراه ملجئ، فإنه يكون باطلا. وهذا التفريق لا دليل عليه. ولهذا ذهب جمهور أهل العلم: أن البيع عن تراض، إنما البيع عن تراض، سواء كان بإكراه ملجئ أو بإكراه غير ملجئ. فمن أكره على بيع، فباع، فإن هذا البيع باطل، فإن هذا البيع يعتبر بيعا باطلا، لا يصح. فالعقد هنا لا يصح. وباشتراط الاختيار يخرج الإكراه، سواء كان ملجئا أو غير ملجئ، ويخرج كذلك أيضا ما يكون في بيع الغلط، ما يكون في بيع الغلط. وعن إنسان يبيع شيئا غلطا، لو أنه عرف أن هذا الشيء على خلاف ما كان يعتقده لما باعه، فهذا يسمى بيع غلط، يدخل في عدم الاختيار، أو عدم أيضا في ضد الاختيار. وكذلك أيضا التدليس، بيع التدليس، معنى يبيع إنسان يدلس عليه في البيع، وهذا يدخل فيه خيار الغش، وكذلك خيار التدليس، خيار الغش وخيار التدليس، معنى هذا الباب جعل له العلماء بابا أو كتابا سموه كتاب الخيارات، الخيارات في البيع. وذكر الحنابلة ثمانية خيارات، ثمانية خيارات: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار التدليس، وخيار الغبن، وخيار الغش، وغيرها من هذه الخيارات التي ذكروها. فكلها تدخل في هذا الباب: أن هذا البيع تم على غير اختيار، لم يختاره الشخص. ويدخل في ذلك أيضا الغبن، إذا غبن غبنا فاحشا، معنى أنه باع هذا الشيء فغبن غبنا فاحشا، معنى أنه لم يبيعه على ما اشتراها، أو أنه أخذت منه بثمن رخيص جدا، ليس على ما تباع في السوق. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان هناك رجل يخدع في البيوع، عنده خفة عقل، مثلا يبيع الشيء الذي يكون مثلا بعشرين ألفا، يبيعه بخمسة آلاف، معنى يقنع بالقليل. بعضهم مثلا يكون فيه خفة عقل أو كذا، فيبيع بأي شيء كل من أعطاه شيئا باع. فكان الرجل يبتاع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ويخدع، فجاء أهله واشتكوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: أن هذا الرجل يخدع في البيوع، معنى يبيع بشيء بثمن رخيص، بضاعته، معنى مثلا عنده مزرعة، يقوم يأخذ التمر، الناس يبيعون الكيلو مثلا بألف، ويبيعوا بثلاثمائة أو مئتين، ليس تعمدا، وإنما بعض الناس عنده شيء من الخفة، فخفة عقل مثلا، أو طيبة زائدة، فيقنع بأي شيء. ولهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن بيع حاضر لباد، قال: «دعوا الناس يرزق بعضهم بعضا». قالوا: من هذه العلل أن العراب غالبا فيهم التساهل، يريد أن يبيع ويذهب، فلهذا يخفف على الناس البيع. لكن هذا لا يبيع مثل الناس، يبيع بأقل كثيرا، معنى يغبن غبنا فاحشا، قد يكون أحيانا يشتري البضاعة بثمن، ثم يبيعها بأقل. فجاء أهل هذا الرجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: يا رسول الله، إن هذا يخدع، معنى يشتري أو يبتاع ويخدع في البيع. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا ابتعت فقل: لا خلابة»، معنى إذا اشتريت شيئا قل: لا خلابة، أي لا خدع. فقال العلماء: أن هذا يعتبر شرط لمن يخدع في البيع، ما عنده خبرة في البيع والشراء، فيأتي مثلا إلى مكان يريد أن يبيع سيارته، وهو ما عنده خبرة في بيع السيارات. فإذا اشترط فقال: أنه لا تخدعوني، أنا ما أعرف سعر السيارات، وما أعرف السعر عندكم، لكن لا تخدعوني في البيع. فإذا قال هذا وخدعوا، فإنه يرد البيع، فإنه يرد البيع. لكن إذا لم يقل هذا، لم يشترط عليهم عدم الخداع، فهل وإذا غبن فهل يرد عليه؟ فجمهور العلماء قالوا: إذا كان غبنا شديدا، فإنه يرد، إذا كان غبنا شديدا، بعيد الثمن الذي أعطوه إياه، بعيد من الثمن الذي يباع في السوق. فإذا كان مثل هذا، قالوا: هذا يعتبر غبن شديد، فيرجع. وبعضهم لم يعتبره لعدم الدليل. طيب أيضا كذلك في هذه عدم معناه في اشتراط الاختيار في البيوع، أيضا ينفي في ذلك ما كان أخذ عن ظلم وبغير اختيار صاحبه. لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه». لا يحل مال امرئ مسلم كما جاء في البزار وغيره، ويصحح الشيخ للباني: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تأخذ مال أخيك هازلا أو جادا، ولو كان عود أراك، لا تأخذه ولو كان هازلا، لا تأخذ حق أخيك وهو ليس لك». فدلت هذه الأحاديث على أن الإنسان لا يأخذ حق غيره إلا باختياره، إلا باختياره. فلهذا فيدخل في ذلك كل ما أخذ بغير الاختيار، سواء كانت سرقة أو مثلا نهبه، نهبه أمامه، أو اغتصبه، أخذه بالغصب، أخذه بالغصب، يقول له: أنا ما أرضى أن تأخذه، وهو يأخذه. وهذا يحصل أحيانا في بعض البيوع، تجد أن المشتري يصر على أنه سيشتريه بكذا، والبائع يقول: لا، ما أرضى بهذا السعر، ثم يأخذه ويذهب ويرمي بالمال. فهذا لا يجوز، هذا لا يجوز، لابد أنه يرضى بهذا، لا يأخذ شيئا حتى يرضى. لا يحل مال مرئ المسلم إلا بطيبة من نفسه. أما بالقوة، فهذا لا يحق، ولو كان شراء، إلا إذا رضي، إذا قال: خلاص، هات الذي معك، قال: خلاص رضيت، أو خلاص موافق، هذا ما في شيء. أما إذا لم يوافق ولم يرض، فترمي بالمال وتذهب، تقول له: رضيت أو ما رضيت، هذا ما يجوز، ولا يكون هذا بيعا، هذا بيع باطل، لأنه عدم فيه الاختيار. فلهذا وهذا الباب باب واسع، وتدخل فيه أشياء كثيرة، لكن هذا شيء مما يقال في هذا. فالبيع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما البيع عن تراض». فلابد أن يكون فيه رضا المشتري ورضا البائع. فهذا إن شاء الله تعالى من يذكر بهذا. والله تعالى أعلم.