الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 74، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع سبب نزول قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ بأنه خاص بالنساء اللاتي وهبن أنفسهن للنبي ﷺ، ويروي غيرة عائشة رضي الله عنها وقولها: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك"، مع بيان أن المراد بهوى النبي ما يحبه الله ويرضاه. ويستخرج العلماء من ذلك فوائد تدل على فطرية الغيرة وعفة النبي ﷺ رداً على شبهات أعداء الدين.
يبين المقطع الحكم العظيمة من تعدد زواج النبي ﷺ كالمصاهرة والتشريع، ويؤكد عدم قبوله للنساء الواهبات أنفسهن دليلاً على كمال عفته. كما يستعرض قولين في تفسير آية التخيير بين الزوجات، مبيناً أن النبي التزم العدل رغم الرخصة، ويذكر سبب نزول آية الحجاب وآداب الاستئذان في بيوت النبي إثر وليمة زينب بنت جحش.
يشرح المقطع آداب الزيارة والوليمة مستدلاً بقصة زواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش، حيث تأخر ضيوف بعد الطعام فأذى ذلك النبي فنزلت آية الحجاب تأديباً لهم. كما يبرز حسن عشرته مع أزواجه بالسلام والدعاء المتبادل، ويروي سبب طلب عمر رضي الله عنه للحجاب ونزول الوحي به.
يتناول المقطع أسباب نزول آية الحجاب من خلال ثلاث روايات: قصة سودة بنت زمعة مع عمر، وقصة عائشة مع عمر عند أكل الحيس، وقصة زينب بنت جحش، ويناقش كيفية الجمع بينها. ذهب الحافظ ابن حجر إلى تعدد أسباب النزول، بينما لم يرتضِ الشيخ الوادعي هذا الجمع بالكامل، ويرجح الشيخ القول بتعدد الأسباب لثبوت الروايات بذلك.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: 51]. أولاً: نأخذ معنا هذه الآية حتى يتضح لنا سبب النزول. قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ يعني: تُرجي، تؤخر، تؤخر من تشاء منهن، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ يعني: تضم إليك من تشاء. واختلف المفسرون في المراد بهؤلاء النسوة التي وردت فيهن هذه الآية. فذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية خاصة بالواهبات أنفسهن للنبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في هذا الحديث الذي سيذكره شيخنا، حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. فيكون معنى الآية: أن النساء اللاتي يهبن أنفسهن للنبي عليه الصلاة والسلام، ترجي من تشاء، أي: إن شئت قبلت من وهبت نفسها لك، وإن شئت لم تقبلها، فوسع الله عز وجل له في هذا. هذا قول لكثير من المفسرين في معنى هذه الآية، وفيه نزلت، وفيه جاء هذا الحديث. فنذكر هذا الحديث أولاً، ثم نذكر القول الثاني مما ذكره المفسرون. فقال شيخنا رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا زكريا بن يحيى، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك". قال: الحديث رواه مسلم، وأخرجه أحمد وابن جرير. ومعنى هذا الحديث: أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم غارت من النساء الواهبات أنفسهن للنبي عليه الصلاة والسلام. وما معنى أن المرأة تهب نفسها للنبي؟ يعني: تأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتقول له: بدون مهر ولا شيء، أريد أن أكون زوجة لك. تهب نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام. وهذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز لأحد من هذه الأمة أن تأتي امرأة وتهب نفسها له بدون مهر، بل لا بد من المهر، ولو كان شيئاً يسيراً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لذاك الرجل: "التمس ولو خاتماً من حديد". فعائشة رضي الله تعالى عنها، من شدة غيرتها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قبل الواهبات صرنا ضرائر لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت تغار رضي الله تعالى عنها وتتعجب، وتقول: أتهب المرأة نفسها؟ كيف امرأة تأتي وتهب نفسها للنبي عليه الصلاة والسلام؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾، يعني: تؤخر من تشاء، لك أن تؤخر من تشاء من هؤلاء الواهبات، ولك أن تقبل من شئت منهن. هذا معنى الآية على هذا القول. فلما سمعت عائشة هذه الآية، وهو إقرار من الله عز وجل لفعل هؤلاء الواهبات أنفسهن للنبي عليه الصلاة والسلام، وأن هذا الأمر لا شيء فيه، قالت عائشة: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك، ما أرى ربك إلا يسارع في هواك". ما معنى قولها هذا؟ ما معنى قولها هذا: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك"؟ ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن معنى قولها هذا: أي ما أرى الله إلا موجداً لما تريد بلا تأخير، منزلاً لما تحب وتختار، منزلاً لما تحب وتختار. فلما هذا الأمر وقع للنبي عليه الصلاة والسلام، وأن المرأة تهب نفسها له، أنزل القرآن بهذا الشيء الذي وقع للنبي عليه الصلاة والسلام. فهذا معنى قولها: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك". ولا يحمل هذا القول على ظاهره، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، فليس المراد بهواه الشيء الذي يهواه وإن كان مخالفاً للحق، وليس هو من الهوى الذي ذمه الله عز وجل. ولذلك جاء كذلك عن القرطبي رحمه الله في معنى قولها هذا: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك"، قال: هذا قول أبرزته الدلال والغيرة، يعني: جعلها تقول هذا الدلال، يعني التودد إلى زوجها، والغيرة. ثم قال: وإضافة الهوى إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يحمل على ظاهره، لا يحمل على ظاهره، لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل بالهوى. ثم قال القرطبي رحمه الله: ولو قالت: "ما أرى ربك إلا يسارع إلى مرضاتك"، لكان أليق، لكان أليق، يعني: أفضل في اللفظ، وهذا هو مرادها، مراد عائشة رضي الله تعالى عنها. قال: ولكن الغيرة يغتفر لأجلها إطلاق مثل ذلك، إطلاق مثل ذلك. قال: ذلك من باب الغيرة، كما مر معنا في الحديث الذي قبله، والذي أخذناه بالأمس، قول زينب بنت جحش، فكانت تفخر على نساء النبي عليه الصلاة والسلام، أو قول أنس: فكانت تفخر على نساء النبي عليه الصلاة والسلام: "زوجكنا أهلكنا، وزوجني الله من فوق سبع سماوات". قلنا: يحمل هذا الفخر على ما يكون بين الضرائر من الغيرة، وليس المراد بالفخر المذموم الذي ذمه الله سبحانه وتعالى في كتابه. وقول عائشة في هذا الحديث كذلك، تريد بالهوى ما يحبه النبي عليه الصلاة والسلام، فيأتي القرآن وينزل بما وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا هو معنى هذا الحديث. وفيه فوائد: فمن فوائد هذا الحديث: أن غيرة النساء أمر فطري لا يسلم منه حتى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف بغيرهن من النساء؟ فينبغي للزوج أن يراعي هذه الجبلة، وإن لم تكن متزوجاً على ضريرة لها، فإنها تغار ربما من امرأة اتصلت بك، أحياناً تنتص المرأة من أرحامك، تسمع زوجتك صوتها، تقول: من هذه المرأة التي تكلمك؟ طيب، هذه من أرحامي. حتى لو كلمت امرأة أخرى، ماذا تريد؟ لعلها تريد عوناً أو مصلحة لها أو كذا. فانظر إلى غيرة النساء، إلى غيرة النساء، فهذا أمر ينبغي أن يراعيه الزوج، ولا يؤاخذ الزوجة بهذه الغيرة، لا يؤاخذها ولا يشد عليها. ومن فوائد هذا الحديث كذلك: فيه دليل على عفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعدم شهوانيته عليه الصلاة والسلام. وهذا فيه رد على أعداء هذا الدين الذين يرمون النبي عليه الصلاة والسلام بالشهوانية، وأنه قد تزوج كذا وكذا من النساء، ونحو ذلك. وهذا كذب وافتراء. وإنما زواج النبي عليه الصلاة والسلام بهؤلاء النسوة لمقاصد عظيمة، لمقاصد عظيمة: منها مصاهرة الأشراف، ومنها كذلك بيان الأحكام للأمة في بعض المسائل التي تتعلق بالنساء، ومنها كذلك غير ذلك من المصالح العظيمة التي ذكرها العلماء. فانظر في هذا الحديث وهذه الآية: لو أن النبي عليه الصلاة والسلام كما وصفه هؤلاء، لقبل الواهبات، لقبل الواهبات، وقد رخص له ربه بذلك، وجعل الأمر إليه، وجعل الأمر إليه. بل قد أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: "لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له"، لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له، يعني: لم يقبل منهن أحداً، لم يقبل أحداً من الواهبات. وهذا الحديث ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح، وقال بأنه حديث حسن، إسناده حسن، إسناده حسن. فهذا مما يستفاد من هذا الحديث. وإنما لم يدخل بواحدة من هؤلاء النسوة الواهبات أنفسهن، لأنه راجع إلى إرادته، راجع إلى إرادته واختياره، لأن الله عز وجل قال في هذه الآية: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ [الأحزاب: 50]، إن أراد النبي، فهو عليه الصلاة والسلام لم يقبل منهن أحداً، وهذا يدل على كمال عفته، على كمال عفته عليه الصلاة والسلام. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: فيه أن وهب المرأة نفسها خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، كما تقدم بيانه. نعم، هذا هو القول الأول مما جاء في تفسير هذه الآية، وأن المراد بها الواهبات أنفسهن: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾، فلك ذلك، فلك ذلك، إن شئت. ومع هذا لم يقبل النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يؤوِ منهن أحداً. ومع هذا. وأما القول الثاني، فما ذكره شيخنا هنا، قال: بعد ما قال: "الحديث رواه مسلم، وأخرجه أحمد وابن جرير والحاكم في المستدرك"، وفيه يعني: في رواية الحاكم: "فأنزل الله هذه الآية في نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم". وهذا هو القول الثاني للمفسرين في معنى هذه الآية، وأن هذه الآية نزلت في القسم بين زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فليس بواجب على النبي صلى الله عليه وسلم القسم بين زوجاته، القسم بين زوجاته. فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾، يعني: تؤخر من أردت من زوجاتك، فلا تأتي إليها ولا تبيت عندها، كذلك، كذلك، ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾: تضمها وتبيت عندها من زوجاتك، فليس القسم عليك بواجب. ومع ذلك لا يتعين هذا الأمر، كما قال: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، والمعنى: أن الخيرة بيدك في القسم بين زوجاتك. وبين الحكمة فقال: ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، لعلمهن أنك لا تترك واجباً ولم تفرط بحق لازم. ومع هذا فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعدل في القسم بين زوجاته، كان يعدل، فأخذ بالعزيمة، مع أن الله عز وجل رخص له في ذلك، رخص له في عدم القسم بين زوجاته، ومع هذا فإنه عليه الصلاة والسلام كان يعدل في ذلك، ولم يفرط، ولم يفرط عليه الصلاة والسلام. هذا هو المعنى الآخر لهذه الآية، وفي الكل نزلت، أو جاءت أحاديث تبين ذلك. قال شيخنا: ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، يعني: الحاكم، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وسكت عليه الذهبي. هكذا قال الحاكم. قال شيخنا: وأقول: البخاري لم يروي لمحاضر بن المورع إلا تعليقاً، إذن هو ليس من أصل كتابه، فكيف تقول: الحاكم أنه على شرط الشيخين؟ لأن شرط البخاري أن يكون الراوي ممن أخرج له في الأصول، لا في الشواهد والمتابعات، أو في الأحاديث المنقطعة كالمعلقة، أو كذلك المنقطعة، أو نحو ذلك. فإذن هذا الحديث ليس على شرط البخاري، لأن محاضراً هذا لم يخرج له البخاري في الأصول، وإنما أخرج له تعليقاً، فليس من شرطه. ومسلم لم يروي له إلا حديثاً واحداً متابعة، يعني: في المتابعات، فهو أيضاً ليس من شرط مسلم، كما في تهذيب التهذيب. فعلى هذا: ليس هو على شرطه، والله أعلم. لأن الإمام الحاكم ألف كتابه المستدرك، يعني: الأحاديث التي جاءت على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما، ولم يخرج البخاري ومسلم هذا الحديث في كتابيهما. هذا هو شرط الحاكم في مستدركه، وقد وقع في أوهام كثيرة، فهذا الحديث من أوهامه، فإن محاضراً ليس من رجال شرط البخاري ومسلم، كذلك لم يروي له إلا حديثاً واحداً متابعة. فإذا هذا الحديث ليس على شرط الشيخين، خلافاً لما قال الحاكم. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَإِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53]. قال شيخنا رحمه الله: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: حدثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه. قال: عندكم ماذا؟ من عنده كتاب؟ هل أحد عنده كتاب؟ عندك ماذا؟ قال: حدثنا حميد، أنت نفس النسخة اللي عندي. قال: حدثنا حميد عن أنس، هذا الصواب. نعم، نحن عندنا هنا: حميد بن أنس، لا. قال: حدثنا حميد عن أنس، قال: حدثنا حميد عن أنس رضي الله عنه، قال: "أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنى بزينب بنت جحش، فأشبع الناس خبزاً ولحماً، ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين، أو حجري، حجر، جمع حجرة. ثم خرج، خرج إلى حجر أمهات المؤمنين، كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلم عليهم ويدعو لهم، ويسلمن عليه ويدعو، ويدعون له. فلما رجع إلى بيته، رأى رجلين جرى بهم الحديث، فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع عن بيته، وثبوا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أخبر، فرجع حتى دخل البيت، وأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب". وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى، قال: حدثنا حميد، أنه سمع أنساً عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الآية فيها أدب الاستئذان، وأدب الجلوس في بيت من زرته، ونحو ذلك من الآداب الإسلامية والأخلاق العالية التي دعا إليها الإسلام. فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، لا بد من الاستئذان، تستأذن ثلاثاً، كما جاء في حديث ابن مسعود وغيره، فإن أذن لك، وإلا رجعت. ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، يعني: ما جئتم من أجل الطعام، وإنما يسر الله لكم ذلك، أو دعيتم إليه، ولم تأتوا طلباً له أو نحو ذلك. ﴿إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَإِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾، لا تتأخرون في الجلوس والمكوث، فإن ذلك كان يؤذي النبي، لأنه يريد أن يجلس مع أهله، فيستحي أن يقول لكم: اخرجوا، فيبقى معكم وهو يحب أن تخرجوا. وهذا من الآداب، ولذلك حتى المريض إذا زرته، فالسنة أن توجز الزيارة، وأن لا تتأخر. وهذا الحديث يبين سبب نزول هذه الآية. فقال أنس: "أولم رسول الله صلى الله عليه وعلى الله حين بنى بزينب بنت جحش، فأشبع الناس خبزاً ولحم". الوليمة وما يقدمه الزوج في يوم بنائه، دخل على زوجته ليلاً، ففي صباح هذه الليلة، السنة أن يولم الزوج بوليمة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لجابر: "أولم ولو بشاة". وفي هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام أولم بالخبز واللحم، فأشبع الناس خبزاً ولحم، وهذا من أفضل الطعام، من أفضل الطعام، وهو ما يسمى بالثريد، الخبز يخلط مع اللحم. قال: "ثم خرج إلى حجر أمهات المؤمنين"، وهذا من حسن عشرته عليه الصلاة والسلام، فكانت نساؤه كل واحدة لها حجرة، لها حجرة حوالي مسجده، فكان عليه الصلاة والسلام إذا بنى بامرأة، في الصباح يأتي إلى حجرات زوجاته، فيسلم عليهم ويدعو لهم. انظر إلى حسن عشرته وتلطفه مع أهله عليه الصلاة والسلام، ويسلمون عليه ويدعون له، فالدعاء من الطرفين، وهكذا ينبغي أن يكون الزوج مع زوجته، تدعو له ويدعو لها، تدعو له وتدعي له. وهذا من حسن العشرة، إذا قالت لك مثلاً: إذا أنت أخبرت بأنك خارج، فتقول: لا، مثلاً: حفظك الله، أنا خارج، فهيا تدعو لك، وأنت: حفظك الله وسلمك، وهكذا تكون بين الزوج وزوجته، من حسن الدعاء والرحمة ونحو ذلك. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يسلم على زوجاته ويدعو لهن، وهن كذلك يسلمن عليه ويدعون له. قال: "فلما رجع إلى بيته"، يعني: بيت زينب، وقد بنى بها، رأى رجلين جرى بهم الحديث، ما زال هناك رجلان في البيت، ومعنى "جرى بهم الحديث": يعني تحدث، فللحديث شجون، وكذلك متعة، فتأخر بسبب ماذا؟ بسبب هذا الكلام، بسبب هذا الكلام، فهذا معنى قوله: "جرى بهم الحديث"، يعني: كان سبب تأخيرهم هذا الحديث. قال: "فلما رآه ما رجع عن بيته"، يعني: تأخر وخرج عن بيته. "فلما رأى الرجلان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع عن بيته، وثبوا"، يعني: قفزوا، مسرعين، وخرجا من البيت، وخرجا من البيت، فعرفا أن النبي عليه الصلاة والسلام تضايق من ذلك، تضايق من ذلك. قال: "فما أدري أنا أخبرته بخروجه"، ما ندري، صلى الله عليه وسلم، خرج من البيت، أم أخبر، فرجع حتى دخل البيت، وأرخى الستر بيني وبينه، يعني: جعل سترا في البيت بينه وبين أنس خادمه، وكان قبل ذلك يعني: لا يحتجب بالنساء، ولا يستترن عن الرجال، ولا يستترن عن الرجال، لأن الحجاب لم يكن مشروعاً، لم يكن مشروعاً. ولذلك قال: "وأنزلت آية الحجاب"، لأن في هذه الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53]، من وراء حجاب. فهذه الآية نزلت في بناء النبي عليه الصلاة والسلام بزينب بنت جحش، كما سيأتي توضيحه، كذلك في أحاديث أخرى، في أحاديث أخرى. هذا هو معنى هذا الحديث، وقد تقدم بعض فوائد، بعض فوائد هذا الحديث: من حسن عشرة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن الوليمة في الزواج، ومن كذلك الدعاء من الزوج لزوجته، ومن الزوج لزوجها، ومن كذلك شيء من آداب، شيء من آداب الاستئذان والزيارة، وأن الشخص لا يطيل الجلوس والمكوث، إلا إذا علم أن صاحب البيت يحب ذلك، فلا بأس، أما إذا لم يعلم، أو شعر بتضايق من صاحب البيت وحرج، فلا يطيل، وهذا من الأدب، وهذا من الأدب، أدب الزيارة. قال شيخنا: الحديث أخرجه، أي: البخاري، في مواضع من صحيحه، قال: منها هذا الجزء، وفيه: "فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾"، وأخرجه مسلم من طرق عن أنس بألفاظ مختلفة، والترمذي، وقال: في الأولى: حسن، وفي الثانية: حسن صحيح، وأحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وابن سعد، وابن جرير، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وسكت عليه الذهبي. وأقول: هو على شرط الشيخين، لكن قد أخرجه مسلم بهذا السند، بهذا اللفظ، فلا معنى لاستدراكه. وهذا أيضاً من أوهام الحاكم، لأن كتابه هذا في الأحاديث التي لم يخرجه البخاري ولا مسلم، وهذا الحديث الذي ذكره، وقد أخرجه مسلم، إذن هذا ليس على شرطه، فهذا من أوهامه. ولذلك قال شيخنا هنا: "ولكن أخرجه مسلم بهذا السند، فلا معنى لاستدراكه". ثم قال شيخنا: قال البخاري رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، فكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: "احجب نساءك"، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: "ألا قد عرفناك يا سودة"، حرصاً على أن ينزل الحجاب. الحديث: أخرجه البخاري أيضاً، ومسلم، وابن جرير. ومعنى هذا الحديث: أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل، وهذا أدعى للستر في قضاء الحاجة، ما كان عندهم هذه الكنف التي هي موجودة الآن، وهذه الحمامات في البيوت، وإنما كان حالهم كحال أهل البادية الآن، اليوم أهل البادية ما عندهم، يعني: مواضع لقضاء الحاجة في بيوتهم، وإنما يخرجون إلى الشعاب والأودية والخلاء، ونحو ذلك، فكنا كذلك في عهد النبي عليه الصلاة والسلام. ثم اتخذت الكنف، كما جاء في حديث عائشة، وهي مواضع قضاء الحاجة في البيوت. فكن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام إذا تبرزنا، يخرجن إلى المناصع، وفسره في الحديث: "وهو صعيد أفيح"، يعني: مكان واسع، ومكان كبير، أفيح: يعني كبير وواسع. فكان عمر يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: "احجب نساءك"، النبي صلى الله عليه وسلم يرى من التكشف ومن نظر الرجال، ونحو ذلك، فكان عمر رضي الله تعالى عنه يود أن يأتي الشرع بوجوب الحجاب للنساء، كان يود ذلك، ومما وافق فيه القرآن، مما وافق فيه القرآن، فكان يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: "احجب نساءك"، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، لأنه أراد الأمر من السماء، كان يوحى إليه، كان يوحى إليه، فلو كان الحجاب واجباً لأمر به ربنا سبحانه وتعالى، ولأوحى إلى نبيه بذلك، فكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يفعل ذلك، لأنه لا يوجد هناك شرع. فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر وعرفها، فناداها: "ألا قد عرفناك يا سودة"، وهو قال لها ذلك حرصاً على أن ينزل الحجاب، حتى تذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتقول له، وتقول له: وقع البارحة كذا وكذا، حتى ينزل، أو يأتي الأمر بالحجاب. وهذا الحديث فيه أن هذه الآية، لأن المراد بآية الحجاب هذه الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، من وراء حجاب. قال شيخنا: قال الطبراني رحمه الله في المعجم الصغير: حدثنا إبراهيم بن دارقاء الأصبهاني، قال: حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيساً في قعب، فمر عمر رضي الله عنه، فدعاه فأكل، فأصابت أصبعه أصبعي". أصبع: فيها ثلاث لغات، يقال: أصبع، وإصبع، وأصبع، يجوز هذا وهذا وهذا. قال: "فقال: حس، أو: أوه، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزلت آية الحجاب". ومعنى هذا الحديث: تقول عائشة: كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حيساً، والحيس هو: تمر يخلط بالسمن والأقط، والأقط هو: الحليب المجفف، الحليب المجفف، فكانوا يخلطون التمر مع السمن مع هذا الحليب المجفف، وهذا يفعله بعض أهل البادية إلى اليوم، تمر مع سمن مع الحليب، وقد يكون هذا الحليب المجفف، والحليب المجفف لهو الأقط، قط طعمناه، يأتي مثل الشبس، صغير مثل الشبس، بالضبط يعني: لونه وشكله، وتمصه وتطعم فيه طعم الحليب، طعم اللبن، حليب يجففونه، حليب يجففونه، ثم يضعونه أحياناً في الأرز، يطبخونه الأرز، يضعونه في الأرز، تطعم الأرز بنكهة الحليب، ما شاء الله، بنكهة الحليب، ويضعونه في التمر، ويضعونه في كثير من مأكولاتهم، في كثير من مأكولاتهم، ويأكلونه أكلاً دون طبق، أحياناً يأكلونه أكلاً دون طبق. فهذا هذا هو الأقط، فيخلطون هذا جميعاً: التمر مع السمن مع الأقط، يسمى حيس. أما قوله: "في قعب"، القعب هو: القدح الضخم والغليظ، وقيل: أنه يكون من الخشب، يعني: وعاء، وعاء يفت فيه هذا التمر مع السمن والأقط، يقال له قعب. فمر عمر رضي الله عنه عليهما وهما يأكلان، فدعاه النبي عليه الصلاة والسلام، أي: نادى عليه، فأكل معهما، ويعاه واحد، كل واحد يدخل يده ويأكل. قال: "فأصابت أصبعه أصبعي"، يعني: أصابت أصبع عائشة أصبع عمر، عش، عندك في النسخة: آه، نعم، لأن عائشة التي قالت، عن عائشة قالت: "كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حيساً في قعب، فمر عمر رضي الله، فدعاه فأكل، فأصابت أصبعه أصبعي"، يعني: أصبع عائشة أصابت أصبع عمر، أصبع عائشة. فقال: أي: عمر، "حس، أو: أوه"، وحس: هذا كلمة تقال عند الألم المفاجئ، إذا جاءه ألم مفاجئ، يقول: حس، أو كذلك: أوه، وأوه: اسم فعل مضارع، بمعنى: أتوجع، بمعنى: أتوجع، أتوجع، يقال: أوه. فعمر كأن شيء آلمه، كأن شيء آلمه، فقال: حس، أو قال: أوه، ثم قال: "لو أطاع"، أي: النبي عليه الصلاة السلام، "فيكن ما رأت كن"، فيكن: يعني: لو أطاعني فيما قلت له من التحجب، وعدم، يعني: اختلاط الرجال مع النساء، وعدم الستر بينهم، لو أطاع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ما رأت كن عين، ما أحد رأى كن، فنزلت آية الحجاب. والمراد بآية الحجاب هذه الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فلا يجوز لأجنبي أن يدخل على امرأة وهي غير متحجبة، وليس هناك بينه وبينها ستر، أو أن يأكل معها، أو نحو ذلك، لأن الآية جاءت بالتستر من الرجال. قال: "لم يرو عن مسعر سفيان بن عيينة، وعزاه الهيثمي إلى الأوسط، وقال: رجاله رجال الصحيح، غير موسى بن أبي كثير، وهو ثقة". قال: "طريق الجمع بين هذه الروايات"، لماذا هنا يريد أن يجمع؟ أين وجه الإشكال؟ أين وجه الإشكال؟ وجه الإشكال: أنه انتبه معي، أنه في حديث عائشة الأول الذي رواه البخاري، أن هذه الآية نزلت في من؟ في قول عمر لسودة: "قد عرفناك"، فقال: "حرصاً على أن ينزل الحجاب". لا، في الحديث الأول، حديث أنس، الذي رواه البخاري، قال: "وأنزلت آية الحجاب"، أنزلت في من؟ في بناء النبي عليه الصلاة والسلام بزينب بنت جحش، وأنزلت آية الحجاب. حديث أنس دل على أن هذه الآية نزلت في بناء النبي عليه الصلاة والسلام بزينب بنت جحش. وفي حديث الطبراني، الذي هو من حديث عائشة، أن آية الحجاب نزلت في هذه الواقعة، وهو أكل عمر مع النبي عليه الصلاة والسلام وعائشة، وما وقع من، يعني: إصابة أصبعه أصبع عائشة رضي الله عنها، فنزلت آية الحجاب. فكيف الجمع الآن بين الروايتين؟ عرفتم الآن كيف الجمع بين الروايتين؟ حديث أنس يدل على أنها نزلت في بناء النبي صلى الله عليه وسلم بسودة، وحديث عائشة يدل على أنها نزلت فيها، وفي عمر رضي الله عنه، لما كانوا يأكلون مع النبي عليه الصلاة والسلام. فكيف الجمع؟ قال: "طريق الجمع بين هذه الروايات، قال الحافظ في الفتح: وطريق الجمع بينهما: أن أسباب نزول الحجاب تعددت، أسباب نزول الحجاب تعددت". وهذا قلنا: قد وقعت له نظائر كثيرة في بعض الآيات، أن الآية الواحدة يكون لها أكثر من سبب نزول، الآية الواحدة يكون لها أكثر من سبب نزول، هذا وارد. فحمل الحافظ هذه الروايات على أن أسباب نزول الحجاب تعددت. قال: "وكانت قصة زينب، كانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية"، يعني: أن هذه الآية نزلت فيها، أو المراد بآية الحجاب في بعضها: قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]، يعني: التي جاءت في آخر سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾، هذا أيضاً تسمى آية الحجاب. فقال: "قد يكون يحمل على التعدد، أو يراد بآية الحجاب في حديث عائشة الآية الأخرى، ليست الآية التي نزلت في زينب بنت جحش، وإنما المراد بها الآية الأخرى". هذا ما جمع به الحافظ. لكن شيخنا لم يرتضي، لكن شيخنا الوادعي رحمه الله لم يرتضي هذا الجمع من الحافظ، خصوصاً الجمع الثاني، وهو أن آية الحجاب اختلفت في السبب الأول عن السبب الثاني، لم يرتضي بذلك. فقال شيخنا: "وأقول: في كون المراد بآية الحجاب قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ نظر"، يعني: لم يرتضي ذلك، إذ قد صرحت الروايات في شأن قصة زينب بنزول قول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾، هذا ما في إشكال فيه، جاء في قصة زينب أن آية الحجاب هي هذه الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: "وفي شأن قول عمر عند الطبراني: فأنزل الله آية الحجاب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾". فإذا جاءت روايات أخرى تبين أن الآية واحدة، أن الآية واحدة في قصة زينب، وفي قصة عمر، إذا حملها على التعدد متعذر، حملها على التعدد متعذر، لأن جاءت روايات بالنص أنها نزلت هذه الآية بعينها، ولم تذكر الآية الأخرى. فلذلك شيخنا لم يرتضي الجمع الثاني الذي ذكره الحافظ. ولذلك قال: "فالقول بتعدد الأسباب أولى، أن هذه الآية لها أكثر من سبب، فنزلت في قصة زينب، ونزلت في قصة عمر". طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله لدرس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، ترجمة نانسي قنقر، من حيث ترجمة نانسي قنقر.