الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 206، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استهل الدرس ببيان تسمية سورة الرحمن وحكم إطلاق لقب عروس القرآن عليها، والخلاف في مكيها ومدنيها واختلاف عدد آياتها. ثم فسر قوله تعالى ﴿والشمس والقمر بحسبان﴾ بأن حركتهما كدوران الرحى، مستدلاً بالقرآن والسنة على جريان الشمس، ومبيناً أن ثبوت الأرض لم يرد فيه نص صريح.
حذر الشيخ من استدلال دعاة الإعجاز العلمي بآية ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة﴾ على دوران الأرض، مبيناً أن السياق في يوم القيامة لا الدنيا، وأن النصوص تدل على استقرار الأرض. نبه إلى خطأ تحميل الآيات دلالات ظنية كذبذبات فتح الأبواب، مؤكداً أن التفسير بغير علم يعد قولاً على الله بغير علم ولا يُكفر المخالف فيه.
استعرض أقوال السلف في إقامة الوزن والعدل، وفسر العصف والريحان والحب بأنها أقوات يسرها الله للعباد. وبين أن مارج من نار هو اللهب الأصفر الذي خلق منه الجن، مع نقد منهج الإعجاز العلمي المعاصر في التعامل مع هذه الآيات.
فسر قوله تعالى ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ بأن المشرقين والمغربين هما موضعا طلوع الشمس وغروبها في الصيف والشتاء. واختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال التفسير في اللقاء القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: سورة الرحمن، وسورة الرحمن ليس لها اسم آخر إلا هذا الاسم، وهو سورة الرحمن، سواء كان في المصاحف أو في الكتب التي ألفت في أسماء السور، فتسمى سورة الرحمن. ذكر السيوطي في الإتقان أنها تسمى عروس القرآن، واستدل بحديث رواه البيهقي في الشعب، لكنه لا يصح، وحتى إن صح فهي ليست اسماً وإنما وصف، حتى لو صح الحديث فهي ليست اسماً وإنما هي وصف. وسورة الرحمن: قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين على أنها مكية، نزلت بمكة. وجاءت رواية بعضهم عن ابن عباس أنها مدنية، أنها نزلت في السنة السادسة في قضية عمرة القضية، لكن لم يصح شيء من ذلك. وذكر أيضاً عن ابن مسعود أنها أيضاً مدنية، وهي في مصحف عبد الله بن مسعود أول المفصل، وأما المصحف العثماني فأول المفصل قاف، وقيل الحجرات. وأما عدد آياتها: الظاهر سبعة وسبعون في المصاحف. في المصاحف، كم عدد آيات؟ بدون النظر، كم عدد آيات سورة الرحمن؟ ... ثمانية وسبعون، ثمانية وسبعون. وهذا أيضاً على قراءة أهل البصرة، وأيضاً قراءة أبي عمرو، ثمانية وسبعون. وعلى قراءة أهل الحجاز، أهل المدينة وأهل مكة، تسع وسبعون. وعلى قراءة أهل الشام، الظاهر سبع وسبعون، لأن بعضهم عدد «الرحمن» آية، وبعضهم لم يعدها آية. طيب، قال المؤلف رحمه الله: وقال مجاهد: «يحسبان كحسبان الرحى»، أو قال: «بحسبان كحسبان الرحى». الرحى: هذه التي تطحن الدقيق، كأنهن يدوران بحسبان كحسبان الرحى. ﴿ والشمس والقمر بحسبان ﴾، أي يسبحان، كما جاء في آية يس: ﴿ كل في فلك يسبحون ﴾. قال: مثل الرحى، إنهم يدورون مثل الرحى. وهذا الذي أيضاً يقوله الآن أصحاب الهيئة، على أن هذه الكواكب تدور، لكن بعضهم يقول: إن الأرض هي التي تدور، والشمس ثابتة. وقولهم: إن الشمس ثابتة ليس بصحيح، لأن الله عز وجل قد ذكر جريانها: ﴿ والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ﴾، فالشمس تجري. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، قال لأبي ذر لما غربت الشمس: «أتدري أين تذهب الشمس يا أبا ذر؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «تذهب حتى تأتي العرش فتسجد، ثم إذا جاء وقتها تستأذن ربها بالطلوع، تستأذن ربها بالطلوع»، فهي تجري لمستقر لها، معنى في مجرى لها تجري فيه. أما أنها ثابتة فهذا يخالف القرآن. وأما الأرض فلم يأتي شيء صريح: هل هي تجري أو ثابتة؟ وإن كان بعضهم يقول: إن الآيات تدل على ثبوتها، لكن الآيات فيها بسط الأرض، بسط الأرض وليس فيها دوران ولا شيء. أما ما استدل به بعض من يتكلم في الإعجاز العلمي، بقول الله عز وجل: ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ﴾، إن بعضهم استدل بهذه الآية على أن الأرض ليست ثابتة، فالجبال تدور والأرض تدور، استدل بهذه الآية، وهذا خطأ. فهذه الآية إنما في يوم القيامة، كما فسرها ابن عباس وغيره، وهم أعلم بكتاب الله، وليس المراد بها الآن. وإلا فربنا جل وعلا في أكثر الآيات يذكر قرار الأرض، وجعل الأرض قراراً، ويذكر بسطها، أنها بسطها ووسعها، فهذا يدل على أنها ثابتة. عنها ليست صراحة لكنها إشارة، لكن هل نجزم بأن الأرض ثابتة؟ هذا الله أعلم، ليس هناك ما يدل على الجزم، لكن أقرب الأدلة تدل على أنها ثابتة، أو على أنها مستقرة. وهل هذا القرار على ثبوت أو على أنها تدور؟ هذا الله أعلم، لم يأتي فيه دليل يدل عليه. وأما كروية الأرض فقد ذكرها بعض العلماء كالإمام الطبري، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ذكروا كروية الأرض وأنها كالبيضة. بل ذكر شيخ الإسلام إجماع العلماء من تكلم في هذا الباب على كروية الأرض. وهذه المسائل ليست المسائل المهمة، والتي يكون فيها مثلاً إنسان يبدع أو يكفر. أن بعضهم دخل في مثل هذه المسائل فكفر من يخالف، وهذا خطأ، لأنها مسائل ليست صريحة في القرآن، فلذا لا نحمل الآيات على شيء وهمي أو على شيء مشكوك. فلذا الذي يقع فيه كثير ممن يتكلم في الإعجاز العلمي يقعون في باب خطير. ولهذا ذكر شيخ ابن باز وغيره: إنهم يتقولون على الله، ويتكلمون على الله بغير علم، لأنهم يفسرون على ما فهموا، ويأتون بنظرية من هذه النظريات التي يقولها الكفار، أو حتى حقيقة مثلاً قالها بعضهم، فتجد أنه يفسر الآية على هذا الذي اكتشف. مثلاً بعضهم يقول: هذه الذبذبة الآن عندما تأتي إلى باب تفتح الباب بنفسها، قال: هذه الذبذبة موجودة في القرآن قبل 1400 سنة، قال: هذه الذبذبة موجودة، إيش استدل؟ استدل بقول الله عز وجل في سورة الزمر: ﴿ حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها ﴾، معنى النار فتحت أبوابها، وهناك في الجنة قال: ﴿ وفتحت أبوابها ﴾، وهنا قال: ﴿ فتحت أبوابها ﴾، وكأنه يقول: إن هناك ذبذبات، إذا النار إذا رأت أصحابها ومن يقع فيها تتفتح الأبواب، فقال: هذه الذبذبة، وهذا خطأ. مثل هذه التفسيرات تفسيرات خطأ، لأن ما يحصل يوم القيامة لم يخبرنا الله عز وجل عن كيفيته، حتى نقول: إن هذه مثل الذبذبات. أخبرنا الله عز وجل أن النار تتغيظ عندما ترى من يدخل فيها أو سيدخل فيها تتغيظ، ولها شهيق، وغيرها من الأمور التي ذكرها ربنا جل وعلا، لكن لم يخبرنا أن هناك ذبذبات أو شيء يفتح الأبواب بدون ما تفتح. فتفسير مثل هذه الأمور يحتاج إلى أمر يقين، ولهذا لم يتكلم السلف في مثل هذه الأمور، فظن هؤلاء أن عندهم أكثر من السلف، فأتوا بمثل هذا، وإنما يريدون موافقة الكفار، وظنوا أن هذا دعوة... معنى... إذا جاءهم الشخص الفيلسوف أو كذا أو البروفيسور في الهيئة، فيقول: اكتشفنا كذا وكذا، يقول: هذا عندنا موجود قبل 1400 سنة، فيفسره على تفسيره. فالمهم أن مثل هذا التفسير لا يصح، وقد تكلم كثير من العلماء على هذا التفسير، وهو تفسير الإعجاز العلمي، وخاصة بهذه الطريقة. قال: ﴿ وأقيم الوزن ﴾، أن يُراد بلسان الميزان، أن لسان الميزان يُقام حتى يكون الوزن صحيحاً، حتى يكون الوزن صحيحاً. وغالباً إقامة الوزن المراد به إقامة الأمور على العدل، فالوزن يطلق على العدل. قال: ﴿ والعصف ﴾، قال: الزرع أو بقل الزرع، إذا قطع منه شيء قبل أن يدرك فذلك العصف. ﴿ والعصف والريحان ﴾، أي رزقه. أنا هذه كلمات من سورة الرحمن، فقال: العصف، وبقل الزرع، والريحان رزقه، والحب الذي يؤكل منه. وهذا ذكره البخاري عن الفراء، وذكره البخاري وهو من كلام الفراء. وهذه المسألة: الريحان، عن بعضهم يقول: إن العرب تقول: ريحان الله، والمراد هو رزق الله، نطلب ريحان الله أي نطلب الرزق، وبسبب العمل أو بغيره، فلذا يسمى ريحان. والعصف والريحان: معنى أنهم يقطعون الزرع ويخرجون ما يأكلون من هذا الرزق من البقل وغيره. وذكر الحافظ ابن حجر عن بعض السلف أنهم فسروا العصف بالبر والشعير. وذكر أيضاً عن ابن عباس: أن الريحان حين يستوي الزرع على سوقه ولم يسنبل بعد، أي لم تخرج الحبة من سنبلها. والمراد أن الله عز وجل يذكر مثل هذه الأشياء حتى يبين أن هذه الأشياء من قوت الإنسان، والله عز وجل يسرها للإنسان. والعصف والريحان، وكذلك الحب، كل ذلك يسره الله عز وجل قوتاً للعباد، قوتاً للعباد. قال: والريحان في كلام العرب: الرزق، أن يطلب الريحان أو ريحان الله أن يطلب رزقه. قلنا: إن بعضهم فسرها بالحب إذا لم يخرج من سنبله بعد. قال: والعصف يريد المأكل من الحب، هذا تفسير آخر. والريحان: النضيج الذي لم يؤكل، نضج لكنه لم يخرج من سنبله. وقال غيره: العصف ورق الحنطة، الحنطة هي البر. وقال الضحاك: العصف التبن، التبن هذا الذي تأكله البهائم. وقال أبو مالك: العصف أول ما ينبت، تسميه النبت هبوراً. هذا الآن كله كلام البخاري أو خلط. وقال مجاهد: العصف ورق الحنطة، والريحان الرزق. ﴿ والمارج من نار ﴾، اللهب الأصفر، عن ﴿ مارج من نار ﴾، أي اللهب الذي يكون فوق النار، اللهب الأصفر هذا، وأحياناً يكون أخضر، الذي يعلو النار. معنى الله عز وجل خلق الجن من هذا اللهب، من مارج من نار، فهي ليس من أصل النار وإنما من لهبها، وهو الأصفر الذي يكون فوق النار. وقال بعض المفسرين: ﴿ رب المشرقين ﴾، أي الشمس في الشتاء مشرق، ومشرق في الصيف. أي رب المشرقين معناه طلوع الشمس، فإن طلوعها في الشتاء غير المكان الذي تطلع فيه في الصيف، فهي تتحول في الأفق. الآن مثلاً عندنا في الصيف تطلع من هذه الجهة، من الجهة اليمنى، وفي الشتاء في الجهة اليسرى، وهكذا، فهذا مشرق وهذا مشرق، فقال الله عز وجل: ﴿ رب المشرقين ورب المغربين ﴾، أي ما يقابلهما من الغروب، ما يقابلهما من الغروب. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس القادم.