كتاب التفسير من صحيح البخاري 144

كتاب التفسير من صحيح البخاري 144

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 144، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إمامة علي بن المديني ونقد رواة الشام وأحوالهم

يتناول المقطع مكانة علي بن المديني إماماً في علم الحديث وعلله وإقرار أقرانه بفضله مع عذره في فتنة خلق القرآن، ثم ينتقل لنقد تدليس الوليد بن مسلم في روايته عن الأوزاعي، ويبين مكانة الأوزاعي ويحيى بن أبي كثير في الحفظ مع ذكر خطأ الأوزاعي في بعض روايات يحيى لضياع أصوله، ويشير إلى أن أحفظ أصحاب الأوزاعي هو هقل بن زياد.

إيذاء قريش للنبي ودفاع أبي بكر وهجرة الصحابة

يسرد المقطع قصة إيذاء عقبة بن أبي معيط للنبي صلى الله عليه وسلم أثناء صلاته بفناء الكعبة وخنقه بثوبه، وكيف دافع أبو بكر عنه، ثم دعاء النبي على كبار قريش فاستجيب دعاؤه وقتلوا في بدر، ويصف حماية أبي طالب للنبي وبعد وفاته أمر النبي الصحابة بالهجرة إلى الحبشة ثم المدينة هرباً من اشتداد الأذى.

إتمام الله الدين وإقامة الملة على يد النبي صلى الله عليه وسلم

يختم المقطع ببيان أن الله أتم دينه وبلغ رسوله الرسالة كاملة، فلم يمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى خضع له أهل الجزيرة وأقيمت الملة وأزيلت الأديان المعوجة، تاركاً الدين واضحاً أبيض لا يزيغ عنه إلا هالك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام الدخالي رحمه الله: قال حدثنا علي بن عبد الله، وهو علي بن عبد الله بن جعفر بن المديني رحمه الله، وكان من أهل العراق، من أهل بغداد، وكان إماما لا يشق غباره في معرفة الحديث وعلله، بل كان من علماء العلل، بل هو عالم العلل، حتى قال البخاري: «كأن الله عز وجل خلق علي بن عبد الله لهذا العلم»، من كثرة معرفته لعلم الحديث وعلله، فقيضه الله عز وجل لهذا العلم. بل اعترف بذلك بعض مشايخه الذين يعرفون هذا العلم، كيحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة، فكانوا يستفيدون منه وهو طالب للعلم. كان سفيان بن عيينة يقول: «يلومونني على علي وأنا أستفيد منه أكثر مما يستفيد مني». فهذا لتواضعه رحمه الله، فعلي يعتبر طالبا عنده، لكن يقول: إنه يستفيد من علي بن المديني أكثر مما يستفيد علي منه. والمراد باستفادته ليس في الحديث، وإنما في تذكيره في بعض الحديث، مثلا يقول له: هذا الحديث قد جاء به كذا، جاء به فلان، ورواه فلان، فيعطيه معلومات عن الحديث. وكان أيضا إذا خالفه أحد يقول له: خالفك فلان، مثلا معمر، فيقول: ماذا قال؟ فيقول: قال كذا وكذا. فإن كان سفيان حفظ، يقول: حفظت من الزهري كذلك. فكان علي رحمه الله إماما في هذا العلم، ولا شك في عدالته وثقته. أما ما يتكلم به بعض الناس أنه أجاب في الفتنة، وأنه تكلم على أحمد بن حنبل وغيره، فهذا لا يضره. هذه الأشياء كلها لا تضره، لماذا؟ لأنه قد ثبتت إمامته واشتهرت إمامته، فلا يضره كلام كائن من كان، حتى أحمد بن حنبل رحمه الله، فهو يعتبر زميله، وأيضا كذلك يستفيد بعضهم من بعض. لكن تكلم عليه في مسألة الإجابة، وهذه مسألة الإجابة قد عذرهم كثير من أهل العلم. وكان علي بن عبد الله يقول: «أنا ضعيف، وما أستطيع تحمل السياط». وأحمد تحمل بصبره، أنه هو يعترف أن أحمد بن حنبل تحمل بصبره. بل كان يقول رحمه الله: «قال رجلان أقام الله عز وجل بهما الدين بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أقام الله عز وجل بهما الملة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أبو بكر في الردة، وأحمد بن حنبل في الفتنة». أبو بكر يوم الردة، يوم ارتد الناس، قام أبو بكر رضي الله عنه قياما عظيما وحاربهم حتى رجع الناس، ومنهم من رجع لما رأى من قوة الإسلام ومن قوة أهله. والثاني: أحمد بن حنبل في الفتنة، فتنة خلق القرآن، قام قياما لم يقومه أحد، تحمل الضرب، وتحمل السياط، وتحمل كذلك العذاب، عذب رحمه الله بأنواع من العذاب، حتى كان يقود الجلاد، جلد أحمد بن حنبل حتى ما استطاع أن يجلده من كثرة الجلد، وهو صابر محتسب. لكن رفعه الله عز وجل بعد ذلك. فكان علي ممن أجاب، وكان يقول: «أنا ضعيف، لا أستطيع أن أتحمل السياط»، كان جسمه ضعيفا جدا، فقال: «لو ضربوني سوطا لمت»، فخاف على نفسه، فهو معذور إن شاء الله تعالى. لكن لا شك أن موقفه ليس كموقف أحمد بن حنبل، رحمهم الله جميعا. ولهذا الإمام أحمد الذين أجابوا لم يكلمهم أبدا، ومنهم يحيى بن معين. ولما دخل عليه يحيى بن معين، وكان عنده العثيم، وعنده أيضا أبو عبد الله المروزي، وغيره من أصحابه، قال ابن معين: أو استأذن، فلما دخل، أدار الإمام أحمد ظهره عن ابن معين. فكان يحيى بن معين يقول: «إنما قلنا لأجل أن نرفع السياط عن أنفسنا، فنحن مكرهون». فقال أحمد رحمه الله: «لم يجلدوكم، وإنما قالوا لكم: إننا سنجلدكم، فأجبتم، لم يجلدكم أحد». فكأن الإمام أحمد يرى أن هذا ليس إكراها. فقال يحيى بن معين: «رحم الله أحمد، ما أفقهاه!». أن هذا فقه، يعتبر أن هذا ليس إكراها، حتى يقول الإنسان هذه المقالة الكفرية، أن القرآن مخلوق. وإنما قالوا لكم: سنجلدكم وسنضربكم، فأجبتم. والمهم أن هذه الفتنة حصلت، وأجاب من أجاب، وإن شاء الله هم معذورون عند الله جل وعلا، لما لهم من سابقة عظيمة في نشر الإسلام. ونسأل الله عز وجل أن يغفر لهم وأن يتوب عليهم. ومنهم هذا الإمام علي بن عبد الله بن المديني، الذي كان يلقب بـ «حية الوادي». كان يلقب في الحديث بـ «حية الوادي»، والمراد: لُقب بهذا لمعرفته لعلوم الحديث، مثل حية الوادي، الحية لما تكون في الوادي تعرف مداخل الوادي ومخارجه، تعرف كل المداخل وكل المخارج التي تستطيع أن تدخل فيها إذا جاءها العدو. وهكذا علي بن المديني يعرف علل الحديث، يعرف علل الحديث. قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، وهو أبو العباس الدمشقي، الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، كان حافظا من حفاظ أهل الشام، كان يعتبر حافظا كبيرا. قال الحميدي: لما جاء الوليد المسلم إلى مكة، إلى منى، أراد أن يحدث في مسجد الخيف، قال: فاجتمع الناس حتى امتلأ مسجد الخيف، وازدحم الناس كثيرا. قال الحميدي: حتى أننا في آخر الصفوف لم نسمع شيئا لكثرة الناس وزحامهم. قال: فلما لم نسمع شيئا، ضوضينا على الناس، شغبنا عليهم، أن أرفعنا أصواتنا حتى صار شغب، قال: «كيف أولئك يسمعون ونحن لا نسمع؟» قال: حتى أن الوليد المسلم ضجر، فخرج، من الضجر، ما استطاع لكثرة الزحام، وأيضا لكثرة الأصوات في المسجد، فخرج رحمه الله. وهذا يدل على إمامته وحفظه، حتى أن الناس يزدحمون عليه. وكان من حفاظ أهل الشام، وكان أيضا يعتبر من رواة الأوزاعي، يعتبر من حفاظ أصحاب الأوزاعي. لكن أحفظهم، أحفظ أصحاب الأوزاعي، هو هقل بن زياد، أحفظ رجل لحديث الأوزاعي. وإن كان هناك من هو أحفظ منه للحديث، لكنه في الأوزاعي هو أحفظ أصحاب الأوزاعي، وهو هقل بن زياد، كان كاتب الأوزاعي. فالوليد يعتبر من حفاظ أصحاب الأوزاعي، لكن كما هو معلوم أن الوليد يدلس، وأهل الشام انتشر فيهم التدليس، أهل الشام انتشر فيهم التدليس كثيرا. وكان الوليد المسلم أيضا من المدلسين، وأيضا يدلس تدليس التسوية عن الأوزاعي. فكان كما جاء في ترجمة الأوزاعي في الجرح والتعديل: أن أبا الهيثم قال للوليد المسلم: «يا أبا العباس، أنت تروي عن الأوزاعي عن رجل عن الزهري، فتحذف هذا الرجل، فيظن الناس أن الأوزاعي هو الذي حذفه، فيتهم الأوزاعي». فقال: «أنبل الأوزاعي أن يروي عنه مثل أولا». فكان يدلس تدليس التسوية، وتدليس التسوية هو: إسقاط ضعيف بين ثقتين، قد سمع كل منهما من الآخر. قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير. الأوزاعي إمام أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي. لما جاء إلى مكة، قام له سفيان الثوري، وكان ماسك زمام الناقة، وكان يقول: «أفسحوا للشيخ، أفسحوا للشيخ». قال بعض الرواة: «فنظرت فإذا الأوزاعي فوق الناقة، والذي يقوده سفيان الثوري». وهذا التواضع، سفيان رحمه الله. كان مالك يقول: «هؤلاء سفيان الثوري والأوزاعي، هم أئمة في الناس، يصلحون أن يكونوا قدوة لأمة». لكن قال: «أحدهما يصلح أن يكون حاكما سلطانا، والآخر لا يصلح إلا أن يكون قدوة للناس». يريد أن الأوزاعي يصلح أن يكون إماما في السنة وإماما أيضا للناس، معناه: يكون حاكما، يصلح. أما سفيان الثوري، قال: «لا يصلح، لأنه لكثرة زهده ولكثرة ورعه، حتى يترك أشياء، فهو لا يستطيع أن يكون ملكا بهذه المثابة». ولهذا قال: «هؤلاء رجلان يصلحان أن يكونا قدوة أمة، لكن أحدهما يصلح أن يكون أميرا، والآخر لا يصلح، أو يكون خليفة، له الخلافة». الأوزاعي إمام أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي، وسُمي أوزاعيا لأنه سكن عند قبائل، فسميت هذه القبائل أوزاع، وإلا هو سيباني، الأوزاعي يعتبر سيباني، وهو يحيى بن سعيد السيباني. قال: حدثني يحيى بن أبي كثير. والأوراق التي كانت مع الأوزاعي من حديث يحيى بن أبي كثير احترقت عليه، أو ضاعت عليه. ولهذا الأوزاعي أحيانا يخلط في حديث يحيى بن أبي كثير. الأصل أنه حافظ، لكن تجد أن الحفاظ أحيانا لا يحفظ كل الحديث، فيبقي بعض النسخ موجودة، فإذا ضاعت عليه، فإنه يحدث بالوهم، يحدث بالوهم. لهذا أخطأ الأوزاعي في حديث كثيرة من حديث يحيى بن أبي كثير، لكن بعضها حفظها. قال: حدثني يحيى بن أبي قليل، وهذا قد توبع فيه الأوزاعي. قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، هو أبو نصر، أبو نصر اليمامي، كان حافظا كبيرا، كان حافظا كبيرا. قال: قال بعض الأئمة، الظاهر أنه سفيان بن عيينة: «كان يحيى بن أبي كثير مثل الزهري في الحفظ». حفظه مثل الزهري، ولهذا كان العلماء يأتون إليه من كل مكان، وكان متواضعا. من يصدق أن يحيى بن أبي كثير، الأوزاعي هذا سمع منه وهو صغير؟ الأوزاعي، أبو عمرو الأوزاعي، سمع من يحيى بن أبي كثير وهو صغير. معنى أن يحيى بن أبي كثير شيخ كبير. ثم أن يحيى بن أبي كثير يروي عن كاتب الأوزاعي، عن الأوزاعي، يروي عن هقل بن زياد عن الأوزاعي. وهذا بعيد جدا، وهذا يدل على تواضعه، يدل على تواضعه. بل قال همام بن يحيى العوذي: «كنا نحدث يحيى بن أبي كثير في الحديث بالغداة، فيحدثنا به بالعشية». يأتي طالب من الطلاب ويحدثه بحديث، مثلا همام يقول: «حدثنا قتادة عن أنس كذا وكذا» في الغداة، فيأتي العشي ويقول: «حدثنا همام» وهو موجود، «أن يحيى بن أبي كثير عن قتادة عن أنس». وهذا يدل على تواضعه وعلى نبله. وكما قال سفيان الثوري رحمه الله: «لا ينبل الرجل حتى يسمع ممن فوقه، وممن هو مثله، وممن هو دونه». لا يكون الرجل نبيلا متواضعا حتى يسمع ممن فوقه، أي من مشايخه، وممن هو مثله، أي من زملائه، وممن هو دونه. قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، وتيمهم من قريش، من قبيلة أبي بكر الصديق. قال: حدثني عروة بن الزبير، وهو الصابر المحتسب رحمه الله. قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: «أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». أنا: إيش أشد شيء رأيته صنعه المشركون برسول الله؟ فقال: قال عبد الله بن عمرو: «بينما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي بفناء الكعبة»، أنا: بالمناسبة التي عند الكعبة، «إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، وهو من أشقى القوم». عقبة بن أبي معيط كان جارا للنبي عليه الصلاة والسلام في مكة، وكان يحب النبي عليه الصلاة والسلام، وكان أيضا يصلي النبي عليه الصلاة والسلام، لكن رفقاء السوء هم الذين جعلوه هكذا. جاء بعض أصحابه، ومنهم أبي بن خلف، ذلك المدبر، فقال لعقبة: «وأنك تفعل هذا؟ إنما تريد شيئا، أو أن محمدا يعطيك مالا، أو من غيرها». معنى: يحفزه ويحرشه على النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أصبح عقبة بن أبي معيط من ألد أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، وأشق القوم. فكان يؤذي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في طريقه، وأنه جاره، إلا أن الله عز وجل جعله مدبرا ومقطوعا، إن شانه هو الأبتر، بتره الله، ليس أنه لم يولد له ولد، لكن لم يجعل له أحدا مثله. فولده الوليد بن عقبة أسلم، وكذلك بنته أم كلثوم بنت عقبة أيضا أسلمت، وهي زوجة عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهم، فأسلم ولده وأسلمت بنته، ولم يبق معه أحد، فصار مقطوعا مبتورا. قال: عقبة بن معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ننظر إلى الحق، وصل إلى هذا الأمر. قال: «ولوى ثوبه في عنقه»، أخذ منكبه وسحب رداءه ولوى في عنق النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «فخنقه خنقا شديدا». فأقبل أبو بكر رضي الله عنه، فأخذه بمنكبه، أي: أخذ هذا المدبر عقبة بن معيط، أخذه بمنكبه وسحبه، أن أسحبه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾». فهذا الحديث كما خبر عبد الله بن عمرو، من أشد ما رآه رضي الله عنه. وأشد من هذا ما فعل هذا المدبر عقبة بن أبي معيط، كما جاء في البخاري في حديث عبد الله بن مسعود: لما كانوا في ناديهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الكعبة، فقال أبو جهل: «من ينطلق إلى سلى جزور بني فلان فيأتي به ويضعه على رقبة محمد عليه الصلاة والسلام؟» قال عبد الله بن مسعود: «فانبعث أشقى القوم، وهو عقبة بن أبي معيط»، كما قال الله عز وجل: سقى عاقر الناقة، سماه أشقى القوم، ﴿ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾، أي: أشقى هؤلاء القوم، فانبعث، فحقر هذه الناقة. وهذا عقبة بن أبي معيط أيضا هو أشقى قريش. فقال عبد الله بن مسعود: «فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبي معيط، وجاء بسلى الجزور، ووضعه على رقبته عليه الصلاة والسلام، وهو ساجد». قال: «فلم أفعل شيئا لضعفي». عبد الله بن مسعود يقول: كان ضعيفا، وكان أيضا صغيرا، لم يستطع أن يفعل شيئا. قال: «فذهبت إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرت فاطمة ابنته، فجاءت وهي صغيرة، فأخرجت الأذى عن أبيها، ووقفت تسبهم»، أي: تسبهم، بمعنى: تعيبهم، أي: تعيب هؤلاء الذين كانوا جلوسا في ذلك النادي. فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة، قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأبي جهل»، وسمى رجالا، «وعقبة بن أبي معيط»، وسمى ستة أو سبعة من الرجال. فقال عبد الله بن مسعود: «فرأيتهم صرعى في قليب بدر»، أي: هؤلاء الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دعا عليهم، سكتوا، وذهب ذلك الضوضاء والضحك الذي كانوا يفعلونه، لأنهم يعلمون أن هذه الدعوة دعوة مستجابة، خاصة في الحرب. فلذلك كانوا هؤلاء صرعى في بدر، كل من سماهم النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الدعاء، كان ممن قتل في بدر، ومنهم هذا الشقي عقبة بن معيط. وأيضا بعدما مات عم النبي عليه الصلاة والسلام، أبي طالب، ازدادت هذه الأشياء عليه. جاء قريش إلى أبي طالب، وقالوا: «إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا، قد فعل وفعل، فلابد أن تقصره عن ذلك، وإنه إذا فعل ذلك أعطيناه، وإن أراد ملكا ملكناه، وإن أراد مالا أعطيناه». هكذا في سيرة ابن إسحاق، وذكره ابن إسحاق بإسناد حسن. فقال أبو طالب: ودعا النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إن قومك قد شنعوا عليك، تكلموا عليك، وكذلك أيضا رأوك أنك مخالف لهم، وإنهم طلبوا مني كذا وكذا، وقالوا كذا وكذا، وإني قد لا أستطيع»، كأن أبو طالب يقول: لا أستطيع على حمايتك. فقال: فقال: «يا عم، لو قال: يا عم، والله لا أترك هذا الأمر»، وذكر كلاما. وجاء في بعض رواية أنه قال: «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري»، لكن هذه لم تثبت، هذه رواها ابن إسحاق بإسناد معضل. والصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتذر لعمه، وبينا أنه لن يترك هذا الأمر، فعلم أبو طالب أن النبي عليه الصلاة والسلام على الحق، فقال له: «فاذهب وقل ما بدا لك»، معناه: أعطاه الحرية، وأنه سيحميه. وبعد ذلك، بعدما مات عمه، جاءه بعض كفار قريش، وهو الوليد، الوليد أو عتبة بن ربيعة، وأيضا عرض عليه بعض الأشياء. والمهم أن هؤلاء كفار قريش، وخاصة بعد موت أبي طالب، فإنهم تكالبوا على النبي عليه الصلاة والسلام، وحاولوا أن يقتلوه، لكن عصمه الله عز وجل في كل مكان. ثم قال الله عز وجل لنبيه: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾. لما نزلت هذه الآية، ما استطاع أحد أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أنه في منعة من أن يؤذيه أحد، وأن أصحابه يعذبون، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة، الهجرة الأولى، ثم الهجرة الثانية. ثم لما زاد أذى قريش على الصحابة رضي الله عنهم، بل على النبي عليه الصلاة والسلام، أمرهم أن يخرجوا إلى المدينة. وهذا العدوان من قريش، مثل ما قال ربنا جل وعلا على لسان ذلك المؤمن من آل فرعون: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾، أنا: هذا العدوان، وهذا الذي تتعاونون عليه، لأجل أن تقتلوا رجلا يقول: ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم، جاءكم بما يكون فيه حق، وبما تؤمن به. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي إلا وبعث الله عز وجل بمثله، آمن عليه البشر». الله عز وجل لم يترك الأنبياء، بل أيدهم بالمعجز، أيدهم بالآيات الباهرة، وكذلك العلامات العظيمة التي تجعلهم يؤمنون بأنهم من عند الله جل وعلا. فوق هذا إلا أنهم أعرضوا، وكذلك كفار قريش. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾. هم يكذبون نبي الله صلى الله عليه وسلم، يعلمون أنه صادق. لكن قال أبو جهل: «قلتم السقاية فيكم، قلنا: نعم. قلتم الحجابة فيكم، قلنا: نعم. قال: والآن تقولون النبوة فيكم؟» هذا خرج مخرج الحسد والبغي: «أنتم كل شيء تريدونه، يا آل أبي هاشم، أو يا آل هاشم، أنا كل شيء تريدونه لكم، السقاية معكم، الحجابة معكم، أيضا تريدون النبوة؟» فهذا الحسد الذي خرج من هذا الرجل. فالمهم أن هذه الأشياء التي كان يفعل أولئك، لأجل أن يصدوا عن دين الله جل وعلا، لكن الله عز وجل أتم دينه، وبلغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، بلغ رسالة ربه، ولم يمته الله عز وجل حتى خضع له أهل الجزيرة جميعا، وأيضا لم يمته الله عز وجل حتى أقام الملة، وأزال العوجاء، حتى أقام الدين، وأقام ما كان قد عوج منه، أي: من الأديان الأخرى، فأقامها عليه الصلاة والسلام على ما أراد الله عز وجل، حتى تركها بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.