كتاب التفسير من صحيح البخاري 146

كتاب التفسير من صحيح البخاري 146

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 146، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير سورة فصلت: أجر المؤمنين وهلاك عاد

استهل الشيخ بتفسير آيات من سورة فصلت مبيناً معنى الأجر غير الممنون للمؤمنين، وتفصيل خلق الأرض وأقواتها في أربعة أيام، وساق قصة هلاك قوم عاد بالريح الصرصر في أيام نحسات، وفسر قوله تعالى {وقيضنا لهم قرناء} موضحاً دور الشياطين في تزيين الباطل لأهله مع إسقاط ذلك على التيارات المعاصرة المحاربة للإسلام.

حقيقة الدنيا واغترار الإنسان بالنعم

انتقل الشيخ لبيان حقيقة الدنيا وكيف أنها تهتز وتحيى بالمطر كآية لقدرة الله، ونقد ظن الإنسان أن النعم دليل محبة الله له، مبيناً أن الدنيا تُعطى للمؤمن والكافر على حد سواء، وأنها حقيرة عند الله كالكبش الأقطع، مستدلاً بحديث الكلب الميت في صحيح مسلم.

تفسير سورة فصلت: الحمد والهداية ودفع السيئة

عاد الشيخ لتفسير آيات أخرى من سورة فصلت مبيناً الفرق بين الحمد والشكر، وضارباً مثل قارون المعجب بعلمه وماله والأعمى الشاكر لربه، ووضح معنى الهداية والنجدين وأن الله ييسر للعبد طريق الخير أو الشر حسب اختياره، وختم ببيان فضل الدفع بالتي هي أحسن، وكظم الغيظ، والعفو عند الإساءة لتحويل العداوة إلى ولاية حميمة.

خاتمة الدرس وشكر وتقدير لآذر

اختتم الدرس بعبارات الشكر والتقدير المتكررة لشخص يُدعى آذر، معبراً عن الامتنان له دون ذكر تفاصيل إضافية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. وبعد: قال مجاهد، قال رحمه الله الإمام البخاري: وقال مجاهد: "لهم أجر غير ممنون" أي: محسوب. أقواتها: أرزاقها. "لهم أجر غير ممنون" وليس في فصلة، أقصد قول عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8] أي: محسوب. أجرهم لهم. وفسرت أيضا بغير ممنون: أي غير مقطوع، أي أجرهم مستمر. وقال الله عز وجل: ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] أي: أرزاقها. ﴿وَجَعَلَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: 10] أي: جعل في الأرض، جعل أرزاقها وما يدر منها من الماء والنبات، وكذلك غيرها مما يكون من أرزاق الأرض، فجعلها سبحانه وتعالى في... في يومين: خلق الأرض في يومين، ثم دحاها في يومين، أي: جعل أرزاقها وأقواتها. ثم استوى إلى السماء أيضا فسواها في يومين. ﴿قَالَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: 12] أي: مما أمر به، وجعل في كل سماء أمرها أي مما أمر به سبحانه وتعالى شرعا وقدرا. وقال: وقوله: ﴿نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: 16] مشائم. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: 16] أي: نحسات عليهم. قال: مشائم، أي: مشائم على هؤلاء قوم عاد، لأن الله عز وجل دمرهم بهذه الريح، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم. وهذه عاد الأولى، وكذلك عاد الثانية أيضا أرسل عليهم المطر الشديد مع الريح الشديدة أيضا فاقتلعتهم من الأرض. أنا أراد أمطارا فأرسلوا واردهم إلى مكة يدعو لهم، فذهب هذا المبعوث لأجل أن يدعو لهم حتى تأتيهم الأمطار في مكة، فقام وجلس مع القينات. أنا ذهب... ذهب يعصي الله، أرسلوه لأجل الدعاء فذهب يعصي الله عز وجل في مكة. وهذا ظاهر أنه بعد إبراهيم. فلما جاء إلى أصحابه جاءت السحب، فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24] أن هذه السحاب مطر لنا. فخير... أي: هذه السحب تريدها، فاختار السوداء. وهذا مقدر من الله عز وجل أن يعذبهم بها. فقال: فاختار السوداء، فقال: خذها، خذها رمادا مربدا، لا تدع من عاد أحد، أو قال: لا تبقي من عاد أحد. فاختار هذه السوداء، السحابة السوداء، فمطرت عليهم ريحا شديدة وأمطارا شديدة سوداء حتى اقتلعتهم جميعا ولم تبقي منهم أحدا. فعاد على الصحيح من أقوال أهل العلم كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير وغيره، ألا أنها هناك عاد الأولى وهي التي وهم قوم هود، وعاد الآخرة وهي بعد إبراهيم، ولهذا ذكر ربنا جل وعلا في سورة النجم: ﴿وَعَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: 50] أي: التي سبقت. وهذه القصة التي ذكرها في حديث الحارث، والنبي صلى الله عليه وسلم أقرها، حصلت بعد إبراهيم، لأنهم أرسلوه إلى مكة. طيب. قال: قال هنا: ﴿نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: 16] أي: مشائم. أرسل عليهم هذه الريح في أيام النحسات، أي: لهؤلاء قوم عاد. وقال: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: 25]. أنا: قدر الله عز وجل، قدر هؤلاء قرناء من الشياطين يصدونهم عن الحق ويصدونهم عن السبيل، ويحسبون أنهم مهتدون. ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: 25] زينوا لهم الأشياء، ظنوا أنهم على شيء، وإنما هو من تزيين الشيطان لهم. فلذا تجد أهل الباطل يناضلون عن باطلهم، ويظنون أنهم على شيء، يظنون أنهم على مصلحة أو على كذا، فيقتلون أهل الإسلام. وكذلك أهل الباطل من أهل الإسلام، من أهل الفرق أو الذين يدعون الإسلام، فتجدهم أيضا على الباطل، يموتون عليه ويتفادون عليه وهم على باطل. وهذا كله من تزيين الشيطان لهم لباطلهم. حتى الملاحدة الذين يلحدون وينكرون وجود الله، فتجد أنهم يناضلون عن ما هم عليه، مع أنهم يعتقدون أنهم على باطل، لكن يزين الله... زين الشيطان لهم أعمالهم حتى يصدهم عن سبيل الله جل وعلا. فتجد أنهم يعادون أهل الإسلام أشد معادة، لا تجد هذه المعادة بغير أهل الإسلام، فيتفقون مع اليهود، يتفقون مع النصارى، أما أهل الإسلام فلا يتفقون معهم. ولهذا الحركات التي حصلت في الغرب في العلمانية والليبرالية وغيرها إنما هي على الإسلام فقط، لمحو الإسلام. وإن كانت العلمانية قامت على الكنيسة، قامت على الكنيسة، لكنهم لا زالوا يعظمون أصحابهم من النصارى، لكن أكثر حقدهم على أهل الإسلام. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: 82]، أن هؤلاء الذين أشركوا تركوا دينهم، تركوا النصرانية، حتى فتجد عندهم أيضا عداوة لأهل الإسلام. مثل ما حصل من العلمانيين، العلمانيون أكثر هدفهم أهل الإسلام. ولهذا فهم في بلدانهم لا يحاربون ما عند النصارى واليهود، لكن يحاربون ما عند أهل الإسلام، يحاربون الحجاب عند النساء، محنة المسلمات. وأيضا تجد أنهم يرتكبون الأشياء من السفالة، وأيضا التعري والزنى، فهذا عندهم عادي، هذا عندهم حق. لكن تحتج المرأة: هذا ليس بحق. وهذا تناقض عجيب، وهم يقولون أنهم لا يتدخلون في الأمور الشخصية، أنا كل شخص هو حر في ما يفعل، هذا من المبادئ العلمانية، لكنهم يتدخلون في أهل الإسلام، ويتدخلون أيضا في الأمور التي يفعلها أهل الإسلام، ومنها كما قلنا حجاب المرأة، لأن هذه الدعوات مبنية على الشهوات، هذه الدعوات مبنية على الشهوات، فلذا يغضبهم أن يروا فتاة أو امرأة محجبة، فهم يريدون أن تكون مثل نسائهم كاشفة وسافرة، بل ومتعرية. قال رحمه الله: وقال الله عز وجل: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: 25] أي: تتنزل عليهم الملائكة عند الموت. وهنا: أي هؤلاء الذين كانوا معهم قرنا، زينوا لهم أعمالهم، تتنزل الملائكة عليهم عند الموت، فيعرفون ما كانوا عليه من ذلك الضلال. قال: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت: 39] معنى الأرض. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: 39]. هنا: هنا الله عز وجل مثل الأرض كالشيء الساكن، كالشيء الساكن والهادئ، فإذا جاءت أو جاءها المطر كأنها تهتز وتنبت وتحيا بعد أن كانت مواتا. ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [فصلت: 39]. فقال: اهتزت: أي بالنبت، وربت: أي ارتفعت. أنا: ارتفعت بهذا النبات بعد أن كانت أرضا ميتة ليس فيها شيء. وقال: ﴿وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَكْمَامِهَا حِينَ تَطْلُعُ﴾ [فصلت: 11]، معنى: من أماكنها تطلع هذا النبات، فهذا هو الربت، وهو الارتفاع. قال: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: 50]، أي: بعلمي. أنا: هذا المغرور الذي يظن أن كل ما كان عنده من أموال إنما بسبب أن الله عز وجل يحبه أو كذا، فلذا قال هنا: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9]، فالأية الأخرى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [فصلت: 50]. وهنا هذا يحكي ربنا جل وعلا: الرجل أعطاه نعم وأسبغ عليه بنعم، فظن أن الله عز وجل يحبه. وهذا الفهم خاطئ، لهذا قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر: 15-17]. لا هذا ولا هذا. ليس الذي أعطاه ربنا جل وعلا المال ولم يبتليه معنى أنه أكرمه، وليس أيضا الذي ابتلاه الله فقدر عليه رزقه وجاءه الفقر فليس أن الله عز وجل أهانه أبدا. فهذا مفهوم خاطئ. وإنما ربنا جل وعلا يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب. ولو أن هذه الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافر شربة ماء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فلذا الله عز وجل حقر هذه الدنيا، فعطاها حتى الكفار. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 33-35]. أنا: يقول الله عز وجل: لولا أن الناس سيكونون أمة واحدة، أي: في الكفر، لا أعطى الله عز وجل للدنيا الكفار، أعطاهم هذه الدنيا وأعطاهم من كل الأموال، ولم يعط أهل الإسلام شيئا. لكن الله عز وجل له الحكمة البالغة سبحانه وتعالى، فلم يبتلي الناس بهذا، بل أعطى الكفار وأعطى المسلمين، وقد يكون يفضل الكفار على المسلمين في الإعطاء لأجل حكمة منه سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197]. معنى: لا تنظر إلى ما عندهم من النعم وما عندهم من الأموال، يتقلبون فيها ليلا ونهارا، فإنما هذا متاع زائل. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر». فالدنيا مهما أعطي الإنسان المسلم المؤمن مهما أعطي منها فهو لا زال في سجن بالنسبة للآخرة. كما قال الحافظ ابن حجر في القصة المشهورة عندما جاءه اليهودي، لما رآه في أبهة، لأن الحافظ كان قاضي قضاة مصر، معنى: يعتبر مثل وزير الوزراء في معنى في وقتنا هذا، فلذا فهو من قواد... معنى: من وزراء الدولة، فلابد أن يكون معه حرس ومعه حشم. فمر فاستوقفه يهودي وقال له: نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فكيف هذا وأنت في هذه الأبهة وأنا في هذا العمل؟ أنا كان يعمل في الكير أو كذا. فقال له الحافظ ابن حجر رحمه الله ذلك الفقيه: هذا الذي أنا فيه بالنسبة للآخرة يعتبر سجنا. هذا الذي أنا فيه الآن بالنسبة للآخرة إذا وزيناه بالآخرة يعتبر كالسجن، وأنت الذي فيه الآن بالنسبة لما أعده الله جعله الله عز وجل الكفار يعتبر جنة، يعتبر جنة. فقال: إن هذا اليهودي أسلم وشهد بالشهادتين. فالله... فهذا هذا الكلام صحيح. فالله عز وجل لم يبالي بهذه الدنيا، ولهذا جاء في صحيح مسلم حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى السوق وأصحابه بين كنفيه، عن يمينه وعن شماله، فوجد كلبا ميتا، أسك، كلب ميت، أسك، أسك: معنى مقطوع الأذن وهو ميت، فأخذه بأذنه المقطوعة وقال: «من يشتري هذا؟» معنى: الكلب. قال: «من يشتري هذا بدرهم؟» قالوا: يا رسول الله، هذا عيب أن يشترى وهو حي، أنا كلب أسك، عيب أن الإنسان يشتريه وهو حي يشتريه بدرهم، فكيف وهو ميت؟ أنا: أنظر إلى هوان هذا على الناس. أنا: النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يريهم كيف هوان الدنيا على الله عز وجل، فقال لهم: «هذا الكلب، من يشتريه؟» قالوا: هذا عيب أن يشترى وهو حي لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لالدنيا أهون على الله من هذا عليكم، للدنيا أهون على الله من هذا عليكم». أي: أن الله عز وجل لا يبالي بهذه الدنيا، يعطيها أي أحد، وله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. فهذا المقصود في هذا. قال: فهذا الرجل اغتر بما أعطاه الله عز وجل، فقال: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: 50]، أي: بعلمي. وورثت هذا كما قال بعضهم في قصة الثلاثة الذين ابتلاهم الله، وقال: ورثت هذا كابرا عن كابر. وقال أيضا قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]. فقال: أنا محقوق بهذا، معنى: أن أستحق هذا لأني تعبت، هذا بمجهودي، وهذا مثلا جمعته من كذا وكذا، من عرقي جمعته على ريال ريال، وغيرها من هذه الكلمات التي تقال في هذا. ولا يقول: هذا جاءني من الله وهو الذي أعطاني. مثل ما قال الأعمى، الأعمى لما جاءه الملك قال له: رجل فقير عابر سبيل، أعطني شاة أتبلغ بها طريقي. فقال: قد كنت أعمى، معنى: اعترف بما كان عليه، قد كنت أعمى، فرد الله عز وجل إلي بصري، وقد كنت فقيرا فأغناني الله، فوالله لا أجهدك على شيء تأخذه لله، أن تأخذ ما بدا لك من هذه الأشياء، تريد واحدة، تريد أكثر، حتى لو أخذتها كلها، والله لا أجهدك على شيء أخذته لله. فهذا اعترف بنعمة الله عز وجل عليه، وكذلك علم أن هذا المال من الله، يحمد الله عز وجل على هذا. ولهذا ينبغي للمسلم أن يحمد الله عز وجل على كل شيء، وكذلك يعظم على النعم. فربنا جل وعلا يحمد على النعمة وعلى غيرها. ربنا جل وعلا يحمد لشيئين: لما قام به من العظمة والصفات والأسماء، فيحمد عليها جل وعلا، وكذلك على ما أنعم سبحانه وتعالى. ولهذا يقول العلماء: الله عز وجل يحمد بسبب وبغير سبب، بخلاف الشكر، الشكر يكون بسبب، أما الحمد فيكون بسبب، أي: بنعمة، وبغير سبب، لأنه يستحق الحمد والثناء سبحانه جل وعلا. فلذا فالمسلم يجب عليه أن يحمد الله عز وجل، وخاصة عند النعم، فيشكر الله جل وعلا، ويجعل ذلك طاعة لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: فقال: ﴿فَيَقُولُ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت: 50]، وقال: ﴿إِنِّي مُحِقٌّ بِهَذَا﴾ [القصص: 78]، وقوله: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10]، أي: قدرها سواء، معنا في يومين، أو قدرها في هذه ستة الأيام كلها. قال: ﴿فَهَدَيْنَاهُمُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]، أنا: هذا الله عز وجل دل الناس على طريق الخير وطريق الشر. أنا: دلهم عليها، فمن أراد الخير سلكه، ومن أراد الشر سلكه، كما قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: 5-10]. أي: أن الإنسان هو الذي يتسبب، والله عز وجل جعل للعبد مشيئة قبل الفعل، فيفعل بها الفعل، لكن هل يستطيع أن يفعل أو لا يستطيع هذا عند الله عز وجل، أي: التوفيق من الله، لكن أعطاه هذه العمل بهذه الأسباب، فهو يسعى إلى الخير، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 5-7]، فهو سعى إلى الخير فوفقه الله عز وجل. قالوا: كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]، أي: إما شاكر وإما كفور. قال: والهدى الذي هو الإرشاد بمنزلة أسعدناه، من ذلك قول أولئك الذين هدى الله، فبهداهم مقتده، معنى: أنه وفقه للهداية. قال: ﴿يُوزَّعُونَ﴾ [النمل: 17]، أن يكفون، من أكمامها، قشر الكفر، هي الكم. يُوزَّعُونَ: كأنهم يخافون. وهنا: قشر الكفر، الكفر ما أدري أشياء. طيب، هنا يقول الحافظ: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [النحل: 11]، قشر الكفر، الكم. قال: كذا لأبي ذر ولغيره، الكم. المهم أنه المراد: فهم يوزعون، أي: عليهم وزع وخوف. ﴿تَرُدُّ أَوْلَاهُمْ إِلَىٰ أُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: 38]، وما تخرج من ثمرات من أكمامها، أنا: من المكان الذي تخرج في هذه التمرة، ومن مواضعها، ومن مواضعها. ثم قال هنا: ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، أي: القريب. أنا: الله عز وجل يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. أنا: هذا الذي يعاديك، وهذا الذي أيضا يحسدك، إذا عاملته بالمعاملة الحسنة صار كأنه قريب لك، وغير ما كان من عداوته. فالأخلاق الحسنة تغير النفوس، والإحسان إلى الناس يغير أيضا كذلك ما كان يعتقدونه في الشخص. قال: ﴿حَاصَ عَنْهُ﴾ [فصلت: 48]، وحاد. قال: من محيص. حاص عنه: أي حاد عنه، أي: ليس لهم محيص، لا بد أن يصل إلى ذلك. قال: ﴿مِرْيَةٌ﴾ [هود: 17]، ومريه واحد، أي: امتراء. في مرية: معنى في امتراء وجدال واعتراض على الحق. وقال مجاهد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: 40]، أي: الوعيد، عناء التهديد. اعملوا ما شئتم: أي تهديد الوعيد، معنى: تهديد، يهددهم الله عز وجل: اعملوا ما شئتم، ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: 40]. معنى: سواء عملتم خيرا أو عملتم شرا، أو المراد أنه: اعملوا هذا الشر، ستجازون به، وسترون ما الذي يحل بكم. وقال ابن عباس: يدفع بالتي هي أحسن، أي: الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة. فإذا فعلوه عصمهم الله، أن يصبرون عند الغضب. ولهذا قال نبي صلى الله عليه وسلم لذاك الرجل: «لا تغضب». وقال عليه الصلاة والسلام أيضا في البخاري، الصحيحين: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». والعفو عند الإساءة: أنه إذا أساء عفى، أو إذا أساء إليه عفى عمن أساء إليه. وهذه من الأخلاق العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يتخلق بها، أن من أساء إليه عفى عنه، لأجل أن يصلح الأمر بينه وبين صاحبه، وبين أخيه، ومن آذاه، أو كذلك، أو من مثلا أساء إليه، صبر عنه، صبر عنه، ومن مثلا آذاه، نفسه هو فإنه يطلب منه العفو والمسامحة، حتى يكونوا صافين مع الناس. قال: فإذا فعلوه عصمهم الله، وخضع لهم عدوهم. قال: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. هذه بعض الكلمات التي ذكرها الإمام البخاري في سورة حميم السجدة، وهي سورة فصلت. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. آذر، آذر، آذر، شكرا.