الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 157، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أدلة القدر من السنة النبوية كحديث جبريل وحديث ابن عمر وحديث سهيب الرومي، مبيناً أن كل قدر خير للمؤمن إن شكر في السراء وصبر في الضراء. ويؤكد أن الإيمان بالقدر فرع من توحيد الربوبية مستدلاً بقول ابن عباس: «القدر نظام التوحيد».
الحديث مروي عن زيد بن ثابت وصححه الألباني والوادعي، ومعناه أن ما قدره الله للعبد من خير أو شر لا بد أن يقع. وما لم يقدره لا يمكن أن يصيبه ولو اجتمعت عليه الأمة كلها، فالأقلام رفعت والصحف جفت ولا معقب لحكم الله.
يبيّن المقطع ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر، وأبرزها حصول السكينة والطمأنينة عند نزول المكاره. ويستدل بأحاديث تنهى عن قول «لو» على وجه التندم والاعتراض، مؤكداً أن كل شيء بقدر حتى العجز والكيس.
أعلن المحاضر انتهاء شرح السؤال الحالي وعزمه الانتقال إلى السؤال التالي في الدرس القادم. واختتم الجلسة بالاكتفاء بهذا القدر مع التذكير بأن الله أعلم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في السؤال الثامن والثلاثين بعد المئة في ذكر المؤلف لأدلة الإيمان بالقدر جملة. وقد أخذنا في هذا السؤال أدلة القدر من الكتاب، ثم نبدأ إن شاء الله فيما ذكره المؤلف من ذكر أدلة القدر من السنة. قال: وتقدم حديث جبريل: «وتؤمن بالقدر خيره وشره»، والحديث المشهور حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم. فالإيمان بالقدر ينبغي أن يكون في خيره وشره، في حلوه ومره، لا يتضجر ولا يتبرم المسلم إذا وقع القدر على خلاف مراده. قد تقدم معنا أن القدر قد يكون ما ظاهره شر للإنسان لكن في باطنه خير له. وقد مر معنا أيضاً حديث سهيب الرومي رضي الله تعالى عنه: «عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أمره كله له خير». كيف كله له خير؟ قال: «إن أصابته سراء شكر، إن كان القدر مما يوافق ومما يحبه الإنسان شكر فهي نعمة. إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وذلك بما في الشكر من الثواب والجزاء». وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، ففي الشكر الزيادة، وفي الشكر الثواب من الله سبحانه وتعالى. وهكذا إن أصابته ضراء صبر. الضراء هو القدر الذي لا يوافق الإنسان ولا يحبه الإنسان في ظاهره، لكن متى ما صبر واحتسب فإن هذا المقدور يكون له خيراً، يكون له خيراً بما في الصبر من الثواب والجزاء: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. وإن المؤمن لا ينزل به البلاء فيصبر حتى يمشي على الأرض وليست عليه خطيئة، وليست عليه خطيئة. فلا شك أن كل القدر خير للإنسان متى ما شكر عند السراء وصبر عند الضراء. ثم إن هذا القدر الذي ظاهره الشر قد يكون خيراً للإنسان في نفس هذا القدر. مثلاً: إنسان كان على معاصي، كان على ذنوب، كان على انحراف، فأصيب بمصيبة، مات ولده، أصيب بحادث، فرجع وتذكر وتاب وأناب إلى الله. هذا خير عظيم، خير عظيم لهذا الإنسان، إذ كانت هذه المصيبة سبباً لتوبته ولرجوعه إلى الله سبحانه وتعالى. فيجب عليك أخي المسلم أن تؤمن بالقدر خيره وشره، وأن ترضى بما قدر الله عز وجل لك. يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنه في أثر عنه: «القدر نظام التوحيد، القدر نظام التوحيد». فمن وحد وكذب بالقدر كذب بالتوحيد. يعني: من وحد مثلاً بأن الله واحد وأن الله هو الإله الحق، لكنه كذب بالقدر، فإنه بذلك يكذب بالتوحيد؛ لأنه سيأتي معنا أن القدر، أن مسألة القدر راجعة إلى توحيد الربوبية. مسألة القدر راجعة إلى توحيد الربوبية، فهي فرع من فروع توحيد الربوبية؛ لأنها تتعلق بأفعال الرب سبحانه وتعالى. فهو يفعل في خلقه ما يشاء، يفعل في خلقه ما يشاء سبحانه وتعالى. فإذن يجب الإيمان بالقدر، فهو كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «إن القدر نظام التوحيد، نظام التوحيد». قال المؤلف رحمه الله: وقال صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». هذا حديث زيد بن ثابت عند الإمام أحمد، ويحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله، وهو من طريق ابن الديلمي كما ذكر ذلك الشارح أو المعلق حفظه الله. أن ابن الديلمي قال: لقيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر، وذكر حديث القدر، ثم قال: فأتيت حذيفة فقال لي مثل ذلك، وأتيت ابن عباس فقال لي مثل ذلك، وأتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. والشيخ الوادعي رحمه الله تعالى ذكر هذا الحديث في الصحيح المسند، وقال: هذا حديث حسن. وابن الديلمي هو عبد الله بن فيروز كما في تحفة الأشراف في ترجمة زيد بن ثابت، والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه. انتهى كلام شيخنا الوادعي رحمه الله. وفي الباب حديث عبادة عند أحمد موقوفاً، وسيأتي إن شاء الله. فالحديث إن شاء الله ثابت مرفوع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومعنى هذا الحديث: حديث «اعلم أن ما أصابك» يعني: ما قدر الله عز وجل لك من خير، فإن ذلك واقع ولا محالة. فما قدره الله عز وجل لك لم يكن ليخطئك، ما كان لتحرم هذا الشيء الذي أراد الله عز وجل أن يصيبك. وما أخطأك شيء أنت حرصت على نيله، حرصت على مثلاً الظفر به فلم تستطع، أخطأك هذا الشيء لم يصبك ولم يتحقق لك، فاعلم أنه لم يكن ليصيبك. إذا أراد الله عز وجل أن لا تعطى هذا الشيء فإنك لم تعطاه. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه ابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك...» على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك. انظر: لو كل الأمة، لو كل الأمة إنسها وجنها، صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها، كل الأمة اجتمعوا. المراد بالأمة هنا كل الخلق، أمة الدعوة، كل الخلق اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لكن لم يرد الله عز وجل أن يصل إليك هذا الضر، لن يضروك، ما استطاعوا ضرك. وهذا معنى قوله: «وما أخطأك لم يكن ليصيبك». ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. رفعت الأقلام وجفت الصحف. لو سعى جميع الناس أن ينصروك، أو أن يزوجوك، أو أن يغنوك، ولم يرد الله عز وجل كذلك، لم يستطيعوا، لم يستطع جميع الخلق أن يعني يحقق لك هذا الشيء، لم يستطيعوا أبداً. واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. وهذا فيه أن ما قدره الله لا يمكن أن يتخلف، ما قدره الله لا يمكن أن يتخلف، ولا يمكن أن يعلم الله الشيء على غير ما هو عليه حتى يتخلف، ولا يمكن أن يكتب الشيء أو أن يكتب الشيء ولا يقع، ولا يمكن أن يشاء شيئاً سبحانه فيكون في مخلوقاته ما يغلبه أبداً. كل ما يشاء الله فهو واقع، لا رد لحكمه، ولا معقب لكلماته سبحانه وتعالى. فلا يمكن أن يكون هناك خالق غير الله يغلب الله عز وجل، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. فإذا آمنت بهذا الأثر وأيقنت به، فإنك مؤمن بقضاء الله وقدره، فتجد ثمار هذا الإيمان. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وفي لفظ: قدر الله وما شاء فعل». هذا الحديث مما يريح المسلم، لما يريح المسلم: تفوض أمرك إلى الله، وتعلم أن ما من قدر يصيبك إلا وقد شاءه الله وكتبه الله وقدره الله عز وجل عليك. فلا تقل: لو أني فعلت كذا، فإن هذا دليل التحسر، ودليل الاعتراض، ودليل الضجر من هذا القدر. وإنما قل: قدر الله، هذا ما قدره الله، وما شاء فعل سبحانه وتعالى. نحن عبيده، نحن كذلك نواصينا بيديه سبحانه وتعالى، يفعل فينا ما يشاء سبحانه وتعالى. فهذا مما يريح المسلم، وتطمئن به نفسه، وتسكن به نفسه. فمن ثمرات الإيمان بالقدر حصول السكينة. تجد المؤمن بالقدر لا ينزعج عند وقوع ما يكره من قدر الله عز وجل، بل يكون في سكينة وفي طمأنينة؛ لأنه يؤمن بأن كل شيء قد قدره الله، وأنه مهما فعل ومهما تسبب فالشيء الذي كتبه الله له سيكون. فبالتالي لا يحتاج هذا المؤمن إلى أن يلوم نفسه بقوله: لو فعلت كذا، أو أن يلوم غيره بقوله: لولا فلان ولولا كذا. ولذلك جاء النهي عن هذه الكلمة إذا كانت على سبيل التندم والتحسر. إذا كانت على سبيل التندم والتحسر، وأدخلها العلماء في كتب التوحيد، بل في كتب توحيد الألوهية، كما فعل ذلك شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب محمد بن عبد الوهاب بن نجد رحمه الله في كتابه «كتاب التوحيد» في باب ما جاء في «لو»، وأن هذه الكلمة إذا قالها الإنسان على سبيل التندم والتحسر فهي لا يجوز قولها. وقال صلى الله عليه وسلم: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس». وهذا الحديث خرجه مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. ومعنى «حتى العجز والكيس»: العجز هو عدم قدرة الإنسان على القيام بالعمل، يعجز عن القيام به مع عدم قدرته عليه، هذا يسمى العجز. فعجزك عن العمل هذا من قدر الله. والكيس: الكيس هو الحذق والفطنة والذكاء. فكل ما يفعله الإنسان، وفيكون هذا الشيء سبباً لنجاحه بسبب ذكائه وفطنته وحذقه وخبرته ونحو ذلك، كل هذا بقضاء الله وقدره. ولذلك تجد أحياناً الإنسان عنده من الذكاء، وعنده من الفطنة، وعنده من الخبرة، وعنده من الحذق في هذه المهنة، لكنه يفشل ولا يوفق في بعض الأحيان؛ لأن الإنسان بالله سبحانه وتعالى ليس بذكائه ولا بفطنته. فإذا شاء الله أن ينفع هذا الذكاء وتلك الفطنة، هذا الإنسان وفقه، وإلا لم يوفقه. كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس. فلا تغتر يا عبد الله بقوتك، ولا بذكائك، ولا بعلمك، ولا بمالك، ولا بجاهك، وإنما أنت بالله سبحانه وتعالى. فمثل هذه الأدلة لا شك أنها توجب على الإنسان الإيمان بقضاء الله وقدره، والرضا بما كتب الله عز وجل له. والأدلة كثيرة، ولكن المؤلف رحمه الله تعالى اقتصر على هذه الأدلة. وبهذا انتهينا من هذا السؤال. وفي الدرس القادم ننتقل إلى السؤال الذي بعده. نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.