أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 156

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 156

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 156، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

دليل الإيمان بالقدر والفرق بين القضاء والقدر

يستعرض المقطع الآيات القرآنية التي تثبت الإيمان بالقدر جملةً، مثل "وكان أمر الله قدراً مقدوراً" و"ليقضي الله أمراً كان مفعولاً". ثم يوضح خلاف العلماء في التفريق بين القضاء والقدر عند اجتماعهما، مستنداً إلى قاعدة "إذا اجتمع تفرق، وإذا تفرق اجتمع".

الإذن الكوني والشرعي وثمرات الإيمان بالقدر عند المصائب

يفرق المقطع بين الإذن الكوني الذي يتعلق بالمشيئة والقدر، والإذن الشرعي المتعلق بالتحليل والتحريم، مبيناً أن المصائب تقع بإذن الله الكوني. ويؤكد أن التسليم بقضاء الله والاسترجاع يورث هداية القلب والطمأنينة، ويجعل العبد من أهل الصلوات والرحمة والهداية.

الهداية بالإيمان بالقدر وأن تقدير الله كله خير والشر في المخلوقات

يقارن المتكلم بين آيتين في الهداية، موضحاً أن الإيمان بالقضاء والقدر يورث السكينة والطمأنينة، وأن تقدير الله كله خير محض. بينما يوجد الشر في المخلوقات المنفصلة عن الله، ولا يخلو وجودها من حكمة وخير كالفقر والمرض والذباب التي تذكر الإنسان بضعفه وتدعوه للرجوع إلى الله.

كل فعل الله خير والشر ليس إليه

يؤكد المقطع أن جميع أفعال الله تعالى خير محض، ولا يُنسب إليه الشر بأي حال. حتى ما يبدو شراً للمخلوقات يحوي في طياته خيراً وحكمة إلهية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فأخذنا في الدرس الماضي من كتاب "أعلام السنة المنشورة" مقدمة ومسائل وقواعد وخلاصة تتعلق بالإيمان بالقدر، ثم نشرع إن شاء الله تعالى في السؤال الثامن والثلاثين بعد المئة من أسئلة هذا الكتاب، قال: ما دليل الإيمان بالقدر جملة؟ وهو السؤال الأول بالإيمان بالقدر. قال: قال الله تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾، المراد بالأمر هنا الأمر الكوني، كما أن المراد بالإذن كما سيأتي معنا في بعض الآيات الإذن الكوني، وكل ما يقع في هذا الكون فهو بأمر الله وهو بقدر الله سبحانه وتعالى. وقال تعالى: ﴿ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ﴾، القضاء يأتي بمعنى القدر، وقد اختلف العلماء في الفرق بين القضاء والقدر، تقول مثلاً: هذا قضاء وقدر، أو هذا قدر، أو هذا قضاء، فما الفرق بين القضاء والقدر؟ لم يوجد دليل صريح واضح بالتفريق بينهما، واجتهد العلماء في ذكر الفرق بينهما. فقال طائفة من أهل العلم: إن القضاء هو التقدير المتقدم على وجود المقدور، يعني أن القضاء يكون قبل وقوع المقدر، قبل وقوع المقدر يقضي الله الأمر، أي قبل أن يقع هذا الأمر، وجعلوا القدر هو التقدير المقارن لوجود المقدور، يعني أن القدر يكون عند حدوث ووجود القدر، ووجود القدر أي المقدور. وعكست طائفة أخرى من أهل العلم، فجعلوا القدر هو التقدير السابق لوجود المقدور، يعني التقدير المتقدم، وجعلوا القضاء هو التقدير المقارن لوجود المقدور، والأمر في هذا سهل، إن قلت بهذا وإن قلت بهذا فالأمر إن شاء الله واسع، ولكن مع الانتباه إلى أن تفريق أهل العلم بين القضاء والقدر هذا عند الاجتماع، إذا اجتمع لفظ القضاء والقدر في جملة واحدة فهنا يقال بهذا التفريق، وأما عند الانفراد، عند الانفراد فإن القضاء يشمل القدر والقدر يشمل القضاء، وهذه القاعدة المعروفة لديكم: إذا اجتمع تفرق، وإذا تفرق اجتمع. فلو قلت: هذا قدر، فيدخل فيه القضاء، وإذا قلت: هذا قضاء، فيدخل فيه القدر، وإذا جمعت بينهما يمكن أن نقول بتفريق أهل العلم بينهما، تقول مثلاً: هذا قضاء وقدر، هنا جمعت بين القضاء والقدر، فلك هنا أن تأخذ بما فرق به أهل العلم بينهما. فالآية الأولى ذكرت القدر فيدخل فيه القضاء، والآية الثانية ذكرت القضاء فيدخل فيه القدر، قال: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾، أمر الله الكوني يعني قدر الله لا بد أن يقع، لا بد أن يقع، كان مفعولاً. وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾، المراد بالإذن هنا الإذن الكوني، لأن الإذن إذنان: إذن كوني وإذن شرعي، إذن كوني وإذن شرعي، فالإذن الكوني هو بمعنى المشيئة، فمعنى الإذن هنا المشيئة، أي القدر، والمشيئة كما تقدم هي من مراتب القدر، من مراتب القدر. وأما الإذن الشرعي فهو ما شرعه الله لعباده من العبادات ومن الطاعات ونحو ذلك، ودليل الإذن الشرعي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَلَالًا وَحَرَامًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾، لأن سياق الآية فيه تحليل وتحريم، والتحليل والتحريم إنما هو من الإذن الشرعي، فإذا أذن الشرع بأن هذا حلال فهو حلال، وإذا أذن الشرع بأن هذا حرام فهو حرام، فالآية سيقت مساق ذكر الحلال والحرام، فيقوم من الأمر الشرعي أو الإذن الشرعي. فإذا قوله: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾، أي ومن يرضى بقضاء الله ويعلم أنه من الله، فهذا سبب لهداية قلبه وطمأنينة كذلك نفسه، فمن ما يريح المسلم وتطمئن به نفسه وتسكن هو هو الإيمان بالقدر، فبالإيمان بالقدرصول السكينة والطمأنينة، لأنه يعلم أن ما من مصيبة إلا بإذن الله، إلا بما أذن الله به بإذنه الكوني، وهي بما شاءه سبحانه وتعالى. وأيضاً في الآية التي بعده، ولذلك جاء في الآية المتقدمة: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾، عن قتادة وعن غيره أنه قال: هو المؤمن تصيبه المصيبة فيعلم أنها من الله فيطمئن لها قلبه، يطمئن لها قلبه، وهذا كما تقدم من ثمار الإيمان بالقدر. ثم قال: وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾، هنا يقال إذن الله بما قيل في الآية المتقدمة، فالإذن هنا إذن كوني، وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبما شاءه الله سبحانه وتعالى وقدره. نعم، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾، فقولهم: إن لله وإنا إليه راجعون، هذا دليل على تسليمهم، وكذلك على إيمانهم بأن هذه المصيبة من الله، لأن الأمر كله لله، فنحن لله ونحن إليه راجعون، فهو يفعل فينا ما يشاء، فهو سبحانه وتعالى يفعل فينا ما يشاء لأننا خلقه وعبيده ومسيرون بأمره سبحانه وتعالى، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فلذلك أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم فقال: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾، والصلاة من الله على خلقه أثنى عليهم في الملأ الأعلى، فمن رضي بقضاء الله وقدره وصبر واحتسب فهو من أهل الرحمة، وهو من أهل الذكر الحسن في الملأ الأعلى، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾. وقارن بين قوله: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾، وقوله في الآية المتقدمة: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾، فالمراد بالإيمان هنا الإيمان بالقضاء والقدر، ومن يؤمن بالله يهدي قلبه، وهنا أيضاً: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾، لما يكون في قلوبهم من السكينة والطمأنينة والراحة، والراحة لأنهم يعلمون أن كل ما قدره الله عز وجل فهو منه سبحانه وتعالى. قال: وتقدم، وهنا فائدة أخرى، وهي أن تقدير الله كله خير للعبد، الشر ليس إليه سبحانه وتعالى، فليس شيء في فعله شر سبحانه وتعالى، ففعل الله القائم به ومن جهته والقائم بالوصف القائم به ليس فيه شر، ليس فيه شر، وإنما الشر في مفعولاته، ومعنى مفعولاته أي مخلوقاته التي هي منفصلة عنه سبحانه وتعالى، ففيها شر. ومع هذا فإن هذا الشر ليس شراً محضاً، بل لا بد أن يكون في وجوده خير، إما في ذاته وإما فيما يترتب على وجوده، وهذا له أمثلة كثيرة، قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾، إذن هذه في الظاهر شر، نقص الثمار والأرزاق في البر وفي البحر، لكن هذا فيه خير للإنسان، فيكون سبباً في رجوعه. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. وأنت ترى مثلاً في بعض المخلوقات كالحيات والعقارب والحشرات، فيها ضرر على الإنسان، لكن لو نظرت لوجدت أن هذه المخلوقات فيها خير، مثلاً على سبيل المثال نذكر لكم مثالاً: الزباب، هذا حشرة لا ينتفع منها الإنسان بل تضره ويتأفف منها، لكن فيها خير، يتذكر هذا الإنسان ضعفه، أنه إنسان ضعيف، كما قال الله عز وجل: ﴿ ضَرَبَ مَثَلًا فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ﴾، تفكر أيها الإنسان، هذا الذباب الذي أنت تحتقره والذي أنت تتأفف منه، هل تستطيع أن تخلق مثله؟ ولو أخذ عليك شيء من السكر أو العسل أو نحو ذلك، أل تستطيع أن تسترد حقك منه؟ مع أنه حشرة ضعيفة. قد جاء، وهذا من باب الطرفة، أن جباراً من الجبابرة وملكاً من الملوك، وأنا جالس مع قومه، فتأتي ذبابة تبرح على جبهته، يقول بها هكذا، تبرح على رقبته، يقول بها هكذا وهكذا، ثم قال: لماذا خلق الله الذباب تتأذى منها؟ فرد عليه واحد جالس: من أجل أن يذل به رقاب الجبابرة، أنت جبار ملك، الذبابة هذا آذتك، أنت توذي عباد الله، هذه الحشرة الضعيفة تؤذيك، ساعة تبرح على جبهتك وساعة تبرح على رقبتك، وما تستطيع أن تتخلص منها، انظر، فهذا من الخير أن يعتبر كل ظالم وكل جبار، وأنه مخلوق ضعيف، ربما لو دخلت هذه الذبابة في أذنه وفي أنفه لآذته أذى شديداً. فكما تعلمون، بارك الله فيكم، وهذا من معتقد أهل السنة والجماعة، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك»، أي في فعله سبحانه وتعالى، فكل فعله سبحانه وتعالى خير، وإن كان بالنسبة للمخلوق في ظاهره شر، لكن هذا الشر ليس شراً محضاً، وإنما فيه كذلك من الخير، فيه كذلك من الخير.