كتاب التفسير من صحيح البخاري 148

كتاب التفسير من صحيح البخاري 148

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 148، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سند حديث ابن مسعود واجتماع القرشيين عند الكعبة

يسرد المقطع سند حديث البخاري المتصل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عبر الحميدي وسفيان بن عيينة ومنصور ومجاهد وأبي معمر، مبيناً حال الرواة في طلب العلم. ثم يبتدئ متن الحديث متحدثاً عن اجتماع قرشيين وثقفي عند البيت قليلي الفقه.

مناقشة رواية السفيانين في الصحيحين وقصة المتنازعين

يتناول المقطع قصة الثلاثة الذين تنازعوا في سمع الله ونزول الآية الكريمة، ثم يبين اختلاف الرواة في إسناد الحديث بين سفيان بن عيينة وسفيان الثوري. ويوضح قاعدة ترتيبهما وتقديم أحدهما على الآخر في صحيح البخاري وصحيح مسلم.

شهادة الجوارح على الكافر والمنافق يوم القيامة

يشرح المقطع كيفية جعل الله جوارح الكافر والمنافق تشهد عليه يوم القيامة بعد إنكارهم الذنوب، فيختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون. ويستدل بأحاديث صحيحة وآيات من سورة فصلت والنور مؤكداً أن ذلك جزاء وفاق لظنهم أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون.

إقامة الحجة القاطعة على المعاندين وعجزهم عن الرد

يوضح المقطع محاولة القوم تقديم أدلة وحجج للخلاص من الموقف يوم القيامة، إلا أنهم يعجزون عن الإتيان بأي حجة مقبولة. فتقام عليهم الحجة القاطعة من الله تعالى كما أشار إلى ذلك في كتابه العزيز.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله. قال البخاري رحمه الله تعالى: باب ﴿ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. قال: حدثنا الحميدي، وهو بكر بن عبد الله بن الزبير القرشي، كان إماما حافظا من حفاظ الحديث، وهو من أهل مكة، وأكثر حديثه عن سفيان بن عيينة، وكان ينكر على الإمام أحمد إتيانه إلى الشافعي، فيقول له: كيف تترك حديث سفيان وتذهب إلى هذا الفتى؟ ثم إن الإمام أحمد أخذه معه إلى درس الشافعي، إلى درس الإمام الشافعي رحمة الله عليهم أجمعين، فلما سمع الحميدي كلام الشافعي تعجب من هذا الكلام، ثم لزمه، فلزم الشافعي حتى إنه ذهب إلى العراق معه، ولزمه حتى لما ذهب إلى مصر ذهب معه إلى مصر، ثم رجع بعد ذلك إلى مكة. قال الحميدي: حدثنا سفيان، وإذا رأيت الحميدي قبل سفيان فهو سفيان بن عيينة؛ لأنه قد يخطئ الإنسان في الشيخ، لأن سفيان الثوري أكثر الرواية عن منصور، أكثر من رواية سفيان بن عيينة، لكن هنا عرفنا أنه سفيان بن عيينة بالحميدي، فالحميدي لم يرو عن سفيان الثوري، لكنه أكثر الرواية عن سفيان بن عيينة، لهذا من نظر إلى مسند الحميدي يجد أكثر روايته عن سفيان، أي سفيان بن عيينة، وهو أبو محمد الهلالي المكي الكوفي، أصله كوفي لكن سكن في مكة، كان يأتي مع أبيه إذا ذهب الحج، كان أبوه يذهب إلى الحج في كل سنة، وكان سفيان يذهب معه ويجلس معه أربعة أشهر، فكان يسمع من الزهري، ويسمع من عمر بن دينار، وأكثر عن عمر بن دينار لأن عمر كان جالسا في مكة، بخلاف الزهري، الزهري يذهب ويأتي، لكن عمر بن دينار كان ملازما لمكة، فكان سفيان يلازمه وجلس معه عنده وهو ابن ست عشرة سنة. ويقال أن سفيان وجد عمر بن دينار في ساحة الحرم، فقال له، وكان معه حمار: أريد أن أسمع الحديث، فقال: تسمع الحديث وأنت صغير؟ ثم قال له: آتني بماء من زمزم، فأعطاه ماء، ثم قال له: أعطني أحاديث أحفظها، فأعطاه خمسة أحاديث أو نحوها، فحفظها سفيان في نفس الوقت وأعادها له، فلما رأى ذكاءه وحفظه قال: غدا تأتي إلى الحلقة، حلقة عمر بن دينار، ومعناه: قال له: إذا كنت كذلك فائت إلى الحلقة، فلزم بعد ذلك سفيان عمر بن دينار سنوات طويلة، حتى لما كبر عمر كانت أسنانه قد سقطت، أسنان عمر بن دينار سقطت، فكان أثقل من يجلس عنده، لا يُفهم كلامه، بعض الكلمات لا يستطيع أن يخرجها صحيحة، فكان سفيان من شدة ملازمته له يعرف كلامه، كان يعرف كلام عمر بن دينار. قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا منصور، وهو ابن المعتمر الكوفي، عن مجاهد، عن أبي معمر، وكما تقدم أبو معمر وعبد الله بن سخبرة أيضا كوفيان، عن عبد الله رضي الله عنه، المسعود الهذلي القرشي، قال: اجتمع عند البيت قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقه قلوبهم، إنا سمان دون فقه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ وهذا يدل على بلاهته، أن يقول: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، هذا العقل، إذا كان يسمع جهرهم في كل مكان فلا شك أنه سيسمع إخفاءهم كذلك، لأن الجهر والإخفاء سيكون سواء. فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَطِيرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ﴾ الآية. وكان سفيان يحدثنا بهذا، إذ يقول الحميدي: كان سفيان يحدثنا بهذا، فيقول: حدثنا منصور، أو ابن أبي نجيح، أو حميد، أحدهم أو اثنان منهم، ثم ثبت على منصور، إذ كان سفيان يشك ممن سمع هذا الحديث، هل هو من منصور، أو من ابن أبي نجيح عبد الله بن أبي نجيح المكي، أو حميد، ظاهر أنه حميد بن أبي حميد الطويل، فكان لا يدري ممن سمع هذا الحديث، قال: أحد منهم أو اثنان منهم، يظن أنه سمع من اثنين، قال: ثم ثبت على منصور، أو ثبت على منصور، وترك ذلك مرارا غير مرة، فظاهر إما أنه رجع إلى الجزء الذي كتبه، أو أنه ثبته أحد، كان أحيانا سفيان ينسى لما كبر، فكان أحيانا ينسى بعض الأشياء فيثبته بعض أصحابه، لهذا كان يقول: كنت أستفيد من علي أكثر مما يستفيد مني، أعني علي بن المديني، فكانوا يذكرونه مثل هذه الأشياء، فيقولون له مثلا: هذا الحديث قد رواه الناس عن منصور، فيقول: فترجع له ذاكرة، أو يثبت أحد ممن سمع هذا الحديث كسفيان الثوري أو معمر أو غيرهم. وحدثنا عمر بن علي، وهو الفلاس الصيرفي، إمام حافظ، قال: حدثنا يحيى، وهو ابن سعيد القطان، الإمام الحجة، قال: حدثنا سفيان الثوري، قال: حدثني منصور عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بنحوه. أي هنا ذكر رواية سفيان الثوري، أي هنا لا يخطئ الشخص فيقول هذا سفيان نفسه، سفيان هنا الثوري، لا ذاك سفيان بن عيينة الذي روى عنه الحميدي، وهذا سفيان الثوري الذي روى عنه يحيى بن سعيد القطان، وغالبا في البخاري يأتي سفيان بن عيينة الثاني في الإسناد، والثوري الثالث، لكن هذه ليست قاعدة مضطردة، ليست دائما، لأن البخاري يروي عن تلاميذ سفيان الثوري، مثلا يروي عن ابن عيينة، وعن محمد بن يوسف الفريابي، وعن محمد بن بشر العبدي، وعن جماعة من أصحاب سفيان الثوري، فهو يأتي الثاني، لكن في صحيح مسلم تكاد أن تكون مضطردة أن سفيان بن عيينة يأتي الثاني، والثوري يأتي الثالث، لأن مسلما لم يدرك أحدا من تلاميذ سفيان الثوري، لم يدرك أحدا من تلاميذ سفيان الثوري، وقد أدرك أكثر تلاميذ سفيان بن عيينة، أدرك إسحاق بن راهويه، وأدرك الذهلي محمد بن يحيى، والحميدي وغيرهم من أئمة من تلاميذ سفيان بن عيينة، فتكاد كما قلنا أن تكون مضطردة في صحيح مسلم، الثاني يكون سفيان بن عيينة، والثالث سفيان الثوري، أما في البخاري فليست مضطردة. طيب، المهم أن هذا الحديث فيه أن الله عز وجل يجعل جوارح العبد تتكلم وتشهد عليه، وكما جاء في الحديث أن الله عز وجل يقرع العبد بذنوبه، فينكر هذا العبد الكافر، أما العبد المسلم والمؤمن لا ينكر، يقول: يعترف بذنبه. جاء في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين أن الله عز وجل يدني المؤمن فيضع عليه كنفه، فيقول: يا عبدي، أي المؤمن، فيقول: يا عبدي فعلت كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب قد فعلت، قد فعلت، فيقول: إني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. وأما الكافر فإنه ينكر، جاء في حديث الزبير عن جابر، يقول: العبد يقول الملك للعبد: قد فعلت كذا، فيقول: لا والله يا رب لم أفعل، فيأنى ينكر وهو قد فعل، فيقول: لا أرضى، لا أرضى بشاهد إلا من نفسي، سبحان الله، ما رضي بالله ولا رضي بالملائكة، يقول: لا أرضى بشاهد إلا من نفسي، فيختم على فيه وتتكلم جوارحه. جاء في حديث الزبير عن جابر، وهو حديث حسن، قال: فأول ما يتكلم منه فخذه الأيمن، تتكلم جوارحه، يتكلم فخذه، تتكلم يداه، فيختم على فيه وتتكلم جوارحه، ﴿ يَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾، فيختم الله عز وجل على فيه، وهذا كما قلنا المنكر، المنافق والكافر، فيجعل الله عز وجل جوارحه هي التي تشهد عليه، تشهد عليه بما فعله لأنه ينكر، إذ يريد كما قال النبي عليه الصلاة والسلام عن هذا الشخص: معنى يحاج ربه، يحاج ربه، يريد أنه يخرج من هذا الاحتجاج، معنى استطاع أن يخرج من الدنيا، فمثلا مكره وخداعه للناس، فيظن أنه سيخدع رب العالمين سبحانه وتعالى، ويستطيع أنه بمكره أن يخرج من العذاب، فلهذا الله عز وجل يقيم عليه الحجة من نفسه، فيختم على فيه، على فمه، وتتكلم جوارحه بما كان يعمل. جاء في الحديث أنه كان يقول: سحقا لكم، إن كنتم عن كن لأناضل، أنا أجادل عن من الآن؟ من الذي سيتعذب؟ أنتم، معنى هذه الجوارح التي ستشهد، إن كنتم عن كن أناضل، فلهذا الله عز وجل يجعل حجة على العبد من نفسه، ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾، ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ﴾، الدين هنا مراد به الجزاء، ﴿ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾، فالله عز وجل يجازيهم بما فعلوا جزاء وفاقا منه سبحانه وتعالى، ولا يظلم ربك أحدا، فهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَطِيرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ ﴾، إن استطعتم فإنكم لم تستطيروا عن هذه الأعضاء، فهي ستشهد عليكم، ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَطِيرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾، ﴿ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴾، فإن يصبروا فالنار مثوى لهم، وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين، وحتى لو أرادوا أن يستعتبوا، لا يعني يعتذروا، يأتوا بأشياء حتى يخرجوا من هذا، لا يستطيعون، فأقيمت عليهم الحجة. طيب، هذا ما يذكر الله تعالى.