الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 150، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع ترجمة محمد بن بشار البصري الملقب ببندار، أحد حفاظ الحديث الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة، ويذكر قصة وفاته ووفاة قرينه محمد بن المثنى. ثم ينتقل لترجمة محمد بن جعفر الملقب بغندر، مبيناً سبب لقبه، وملازمته لشعبة عشرين سنة، ومكانته في الرواية.
يتناول المقطع مكانة كتاب محمد بن جعفر مرجعاً لأحاديث شعبة، ويبين أن شعبة بصري المنشأ كوفي العلم لأخذه عن مشايخ الكوفة، بعكس سفيان الثوري. ثم يسرد إسناد حديث عن ابن عباس في تفسير ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، حيث فسرها سعيد بن جبير بقربة آل محمد، فرد ابن عباس بأن النبي صلى الله عليه وسلم له قرابة في كل بطن من قريش.
يوضح المقطع أن النبي ﷺ لم يطلب من قومه أجراً دنيوياً ولا ملكاً، بل طلب المودة في القربى أي صلة الرحم، وقد عرضت عليه قريش المال والملك فرفض وقال: "ما أريد منكم إلا كلمة واحدة: لا إله إلا الله". ويرى المفسرون أن الآية تؤكد براءة النبي من طلب الدنيا وتأكيد حق القرابة عليه.
يختتم المؤلف بيان معنى الآية الكريمة بالإشارة إلى أنه قد أوضح وجهين أو معنيين لتفسيرها. ويختم بالتأكيد على أن العلم المطلق لله تعالى وحده.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب: إلا المودة في القربى". قال: حدثني محمد بن بشار، وهو بندار، يُلقب ببندار، والبندار هو كثير العلم واسع العلم. فأبو بكر محمد بن بشار البصري كان من حفاظ الحديث، وكان ممن نشر الحديث في البصرة، حتى قال: "سمع مني خمسة أجيال، وأنا سمعت منه خمس طبقات" أو يقال: "أجيال، وأنا سمعت منه من مشايخه كالإمام أحمد". أو معنى: "من أقراني يعتبر إمام أحمد". سمع منه البخاري، بل أصحاب الكتب الستة، بل أصحاب الكتب التسعة: أنا أبي يعلى، والبزار. وقد سمع منه كثير من العلماء، فهو كما يذكر بعض المشايخ من التسعة الذين سمع منهم أصحاب الكتب الستة وغيرهم. وكان محمد بن بشار ومحمد بن موسى، أو محمد بن مثنى أبو موسى العنزي، يقول العلماء: "كانا كفرسي رهان"، كانا كفرسي رهان، معنى: كالمتسابقين في نشر الحديث. وكان بينهما شيء من الكلام، فلما توفي محمد بن بشار هرع رجل ممن يريد الفتنة إلى أبي موسى محمد بن مثنى، وقال: "إن ابن بشار، إن ابن بشار قد مات". قال: "والله ما حدثت مدة حياتي". معنى: قال أبو موسى: "ما حدثت"، كأنه يريد أنه فرح بموته، لكنه لم يفرح بموته لأنه رجل عالم، فلذلك قال: "ما حدثت بعده أبداً". فجلس بعده خمسة أشهر أو نحوها، ثم توفي، أي محمد بن المثنى أبو موسى العنزي. قال: حدثنا محمد بن جعفر. محمد بن جعفر هو أبو بكر البغدادي، يُلقب بغندر، يُلقب بغندر، ولهذا غالباً من سُمّي محمد بن جعفر بعده يُلقبونه بغندر، أي من المحدثين. حتى ذكر ابن الصلاح في مقدمته أنه سُمّي بهذا الاسم سبعة أو ستة من المحدثين، سُمّوا بغندر، أي بهذا اللقب، وكلهم يقال له: محمد بن جعفر. والغندر هو المشاغل. ويقال: إن من سماه غندر هو ابن جريج، لما جاء إلى البصرة فكان أهل البصرة ازدحموا عليه، فكان محمد بن جعفر يصيح، ومحمد بن جعفر على جلالته إلا أنه فيه خفة من ناحية معاملة، أنا فيه شيء من الغفلة، فكان يصيح من الخلف، فقال له ابن جريج: "اسكت يا غندر". فجاء هذا اللقب، أنا وضع هذا اللقب فيه: غندر. وكان ربيب شعبة، أنا شعبة تزوج أمه، ولزم شعبة عشرين سنة، لزمه عشرين سنة حتى حفظ حديثه. كان يكتب حديث شعبة، حتى قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: "كتاب محمد بن جعفر حكم في أصحاب شعبة"، حكم في أصحاب شعبة. كيف حكم؟ معنى: إذا اختلفوا رجعوا إلى كتاب محمد بن جعفر فهو حكم بينهم. كذلك أيضاً مثل الأعمش، الأعمش كاتبه أبو معاوية محمد بن خازم الضريب، فأهل الحديث إذا سمعوا من الأعمش، ومثالاً لم يكتبوا بعض الأشياء، أو مرت عليهم، رجعوا إلى أبي معاوية محمد بن خازم الضريب. وهكذا. قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة. شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي، أبو بسطام البصري، رحمه الله، هو من عتك، قبيلة مشهورة من قبائل العرب، وهو بصري من البصرة، لكن علمه كوفي. هو أول من فتش بالرجال في البصرة، وكان شعبة صاحب معرفة، كما قال الإمام أحمد: "يعرف هذا العلم". وكان علمه كوفياً، معنى: هو بصري لكن علمه كوفي، بعكس سفيان الثوري، كوفي وعلمه بصري. ومعنى علمه كوفي أو بصري: معنى مشايخه الذين أخذ عنهم العلم هم أهل الكوفة. فشعبة أخذ العلم، وأكثر مشايخه من أهل الكوفة: أبو إسحاق السبيعي، الأعمش، كذلك عبد الملك بن ميسرة، وكذلك زبيد، وجامع بن شداد، وغيرهم من أهل الكوفة، كان أكثرهم من أهل الكوفة. وسفيان كوفي، لكن أكثر مشايخه الذين أخذ عنهم العلم أولاً كانوا من أهل البصرة: سليمان التيمي، وأيوب السختياني، وأيضاً يونس بن عبيد، وعبد الله بن عون، وغيرهم من هؤلاء الأئمة. قال: عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت طاوساً. عن عبد الملك بن ميسرة يقول: سمعت طاوساً. وطاوس هو طاوس أبو عبد الله، أو طاوس بن كيسان اليماني. طاوس بن كيسان اليماني كان عالماً من علماء اليمن، وسمع من عبد الله بن عباس. قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. قال سعيد بن جبير: "قربة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم". معنى: سعيد كان موجوداً، سعيد بن جبير بن محمد الكاهلي، إمام أهل الكوفة وأهل الجزيرة، فكان موجوداً عند ابن عباس. فقال سعيد بن جبير: "قربة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم". ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. فقال سعيد: "قربة آل محمد". فقال ابن عباس: "عجلت، إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة". فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقُرْبَى﴾. أنا مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم. معنى: قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾... ﴿أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾. ثم في آخر الحديث قال: ﴿إِنَّمَا لِي عِنْدَكُمْ رَحِمٌ سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا﴾. معنى: "سأبلها ببلالها"، أي سأصلها. هذا الحق الذي عندي عليكم، أو الذي لي عندكم، أو الذي لكم عندي، أني سأصل أرحامكم. وهذه الآية نزلت، وتعدد سبب نزول، أو جاءت أسباب نزول كثيرة، لكن المراد من هذه الآية أن الله عز وجل أراد أن يبين لهم أن نبيه عليه الصلاة والسلام ما يطلب منكم شيئاً، ولا يريد منكم شيئاً، أي من أمور الدنيا، لا ملك ولا أجر. ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، وأيضاً: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. فربنا جل وعلا يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: خبر هؤلاء أنك لا تريد منهم أجراً، ولا تريد أن يملكوك. ولهذا جاء في سيرة ابن إسحاق بإسناد فيه ضعف، أن النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه، وعليه، جاءه قريش، الوليد من غيره وغيره، وأيضاً عرضوا عليه الملك، وعرضوا عليه المال، قالوا: "إن تريد الملك ملكناك، وإن تريد المال أعطيناك، حتى تصير أغنى أغنانا". فمنوه بكل شيء، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "ما أريد منكم إلا كلمة واحدة: لا إله إلا الله". وكانوا يتنافرون، فللهذا، وهنا، فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. ما سأسألكم شيئاً منها من دنياكم، وإنما لي رحم سأصلها، وأيضاً لي قرابة سأصل هذه القرابة. أو المراد: احفظوني لقرابة، إن لم تتبعوني في النبوة. معناه: حاء، معناه كأنه يقول لهم: "إن أردتم أن تصلوني، وإن أردتم أن تكون مودة بيني وبينكم، أي لقرابته، فاتبعوني، وأيضاً سيروا على ما أنا أسير عليه". وهذا هو التفسير المعتمد في هذا. ومنهم من قال: أن المراد كما ذكرنا، أنهم أرادوا، أو أراد الله عز وجل يبين أن نبيه عليه الصلاة والسلام لا يسأل الناس الأجر، ولا يريد منهم ملكاً، ولا أيضاً بيني وبينكم شيء من أمور الدنيا، إنما لي قرابة، لي قرابة منكم سأصلهم، هذا حقهم علي، وأما غير ذلك فليس بيني وبينكم شيء. والتفسير الثاني: أنه يقول: أنني لا أسألكم عليه أجراً، ولا أريد منكم أجوراً، ولا شيئاً من أمور الدنيا، ولكن أسألكم أن تودوني، وأيضاً تصير بيننا وبينكم صلة بسبب قرابتي فيكم. فهذا معنى هذه الآية على المعنيين، والله تعالى أعلم.