الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع جواز أن يخطب الولي موليته لنفسه إذا لم يكن محرمًا لها، مستدلًا بفعل المغيرة بن شعبة وأثر عبد الرحمن بن عوف مع أم حكيم. ويشير إلى قول الشافعي بجواز ذلك إذا وافقت المرأة، وإلى دور القاضي في تولية من يزوجها عند عدم الولي أو عضله.
يذكر المقطع آراء الفقهاء في ولاية النكاح، حيث يجوز للولي أن يزوج المرأة التي في حجره إما بشهادة نفسه أو بتوكيل رجل من عشيرتها. ويستدل بحديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ فزوجها رجل آخر بما معه من القرآن، ويختم بشرح آية الاستفتاء في اليتيمة التي في حجر الرجل.
يبيّن المقطع تحريم عضل الولي لليتيمة بأن يمنعها من الزواج طمعاً في مالها، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. كما يسوق حديث المرأة التي عرضت نفسها على النبي ﷺ، فزوجها من صحابيٍّ بما معه من القرآن مهراً، دليلاً على جواز تفويض المرأة أمرها إلى الولي الصالح.
يجوز للولي أن يتزوج المرأة التي هو ولي عليها، لكن الأفضل استصحاب الشهود أو إحضار مأذون ليتولى العقد بدلاً منه. فيكون المأذون بمنزلة الولي في إجراء العقد.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال البخاري رحمه الله تعالى: باب: إذا كان الولي هو الخاطب. الولي هو الخاطب، معنى: الولي يخطب موليته. لا شك أنه إذا لم يكن قريباً لها، أقصد أنه محرمًا لها، قد يكون ابن عمها أو ابن خالها، أو رجل أجنبي يتولى أمر امرأة بوصية أو بغيرها. قال: إذا كان الولي هو الخاطب، وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أولى الناس بها، فأمر رجلاً فزوجها. المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه كان أمير الكوفة، وجاء في الرواية أن هذه المرأة هي ابنة عمه عروة بن مسعود الثقفي، وكانت تحت ولايته، فأرسل إلى عثمان بن أبي العاص أن يزوجه منها، فزوجها منه، وإنما جعله كالوسيط أو مأذوناً، فلذلك تزوج منها رضي الله تعالى عنه وهو وليها، فخطبها لنفسه. قال الشافعي رحمه الله وغيره: لو أن ولياً، أو لو أن رجلاً قال لامرأة: «اجعلي أمرك إلي»، قالت: «نعم»، فصار وليها، فيجوز له أن يتزوجها، يخطبها ويتزوجها إذا وافقت على ذلك. وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: «أتجعلين أمرك إلي؟» قالت: «نعم»، فصار وليها. أحياناً أن تكون المرأة ليس لها ولي، إما أن يكون أهلها كفاراً ليسوا من المسلمين، أو أن وليها معضل يمنعها من الزواج، فتشتكي إلى القاضي فيجعل مثلاً أمرها إلى غيره، يجعل أمرها إلى غيره فيزوجها هذا الغير، أو يكون القاضي هو وليها، فيكون القاضي والولي هو وليها فيزوجها من شاء. لكن إذا جعل أمرها إلى غيره، أو هي المرأة توكل غيرها إذا لم يكن لها ولي، فإنه يجوز لها أن توكل غيره أن يكون وليها. فقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: «أتجعلين أمرك إلي؟» قالت: «نعم»، قال: «قد تزوجتك». وهذا الأثر صحيح كما قال الحافظ، ذكره ابن سعد في الطبقات من طريق ابن أبي الذئب عن سعيد بن خالد، قال: فقال: «قد تزوجتك». فهذا معناه يجوز عنده، كما قلنا الفقهاء وغيرهم، والإمام البخاري ذكر أدلة استدل بها على ذلك. وقال عطاء: «ليشهد أني قد نكحتك، أو ليأمر». يقول عطاء: ليشهد، أي يشهد أناساً أني قد نكحتك، أو ليأمر رجلاً من عشيرتها. أنا إذا كان ولياً لامرأة، إما أن يشهد مثل ما فعل المغيرة بن شعبة، وإما أن يأمر رجلاً من عشيرتها حتى يزوجها إياه، ويجعل ولايته له، مثل أيضاً ما جاء في بعض الروايات في حديث المغيرة، أنه أراد أن يتزوج امرأة وهو وليها، فجعل أمرها إلى رجل، هذا الرجل هو عثمان بن أبي العاص، قال: فزوجها، فزوجه إياها. وقال سهل: قالت امرأة للنبي عليه الصلاة والسلام: «أهب لك نفسي». فقال رجل: «يا رسول الله، إن لم تكن لك بي حاجة فزوجنيها». أنا هذا دليل على هذه المسألة، فهذه المرأة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى ذلك أنه جعلته ولياً لها، فلما قال ذلك الرجل: «يا رسول الله، إن لم تكن لك بي حاجة فزوجنيها»، فزوجها النبي عليه الصلاة والسلام على ما معه من القرآن. قال: حدثنا ابن سلام، عبد الله بن محمد بن سلام البيكندي. يقال: سَلام، ويقال: سِلام. جاءت رواية أو قصة عنه أنه قال: «إن أبي» بالتخفيف، لكن لم تثبت، وأكثر العلماء على أنه بالتشديد: سَلام، وليست سِلام، وليس هناك أحد بالتخفيف إلا والد الصحابي عبد الله بن سلام، وإلا سَلام، أو كلهم بالتشديد: سَلام بن عبد الحق، وأيضاً سليم بن سَلام. فغالب هذا اللفظ أو هذا الشكل يكون بالتشديد، إلا والد عبد الله بن سلام الصحابي رضي الله تعالى عنه. وقيل أيضاً: كما قلنا أيضاً، محمد بن سلام البيكندي. البخاري قال: أخبرنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، صاحب الأعمش، قال: حدثنا هشام، وهو ابن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة بن الزبير، الصابرة المحتسبة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى آخر الآية. قال: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل، قد شركته في ماله، فيرغب عنها، يتزوجها، ويكره أن يزوجها غيره، فيدخل عليه في ماله، فيحبسها، فنهاهم الله عن ذلك. وهذا أيضاً قد تقدم في الباب الذي قبله، وهنا وجه الاستدلال بهذا الحديث: أن هذه اليتيمة التي تكون في حجر الرجل، أي هو وليها، وهو له أن يتزوجها، لكنه يرغب عن أن يتزوجها لיתمتها أو لشيء آخر، فيكره أيضاً أن يزوجها غيره، فيكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله، أنا في هذا المال الذي هو لليتيمة، فهو يحب أن يكون هو وليها ويستمتع بشيء من مالها لأنه هو وليها، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾، ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف، فلهذا فيخشى أنه إن زوجها هنا جاء زوجها وأخذ هذا المال لأنه سيكون وليها، فلذلك يحبسها، يحبسها عن الزواج، فنهى الله عز وجل عن ذلك، أن لا يفعل الرجل مثل هذا، بل لا يجوز أن يفعل، لأن هذا إعضال ومنع. قال: حدثنا أحمد بن مقدام، قال: حدثنا فضيل بن سليمان، هو المدني، قال: حدثنا أبو حازم، وهو سلمة بن دينار المدني، قال: حدثنا سهل بن سعد، قال: كنا عند النبي عليه الصلاة والسلام جلوساً، فجاءته امرأة تعرض نفسها عليه، فخفض فيها البصر ورفعه، فلم يردها، فقال رجل من أصحابه: «زوجنيها يا رسول الله». قال: «هل عندك من شيء؟» قال: «ما عندي من شيء». قال: «ولا خاتم من حديد؟» قال: «ولا خاتم، ولكن أشق بردتي هذه فأعطيها النصف وآخذ النصف». قال: «لا»، أنا كما تقدم في الروايات الأخرى، قال: «إذا أعطيها نصفه فبقيت بنصف، فهو لا يلبسك ولا تنتفع به»، أنا لا أنت تنتفع بذلك النصف ولا هي تنتفع به. قال: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: «نعم». قال: «اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن». وهذا تقدم في أكثر من موضع، ووجه الشاهد منه هنا: أن هذه المرأة جعلت أمرها للنبي عليه الصلاة والسلام، فزوجها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فخلاصة هذه المسألة: إذا كان الولي هو الخاطب، يجوز له أن يزوج هذه المرأة، أن يتزوجها، لكن الأفضل أن يشهد على ذلك، أو أنه يأتي بمأذون لأجل أنه يزوجها إياه، وليس هو وليها وإنما هو الولي، لكن أجعله مثل المأذون بينه وبين هذه المرأة. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر