الدرس في كتاب البيوع 46، ألقاها
تناول المقطع آراء الفقهاء حول استرداد الغريم لسلعته عند المفلس، حيث يشرح الخلاف بين الجماهير وأبي حنيفة. الجماهير تسمح للغريم بفسخ البيع واسترداد سلعته.
المقطع ناقش مسائل فقهية متعلقة بخيار الرجوع عند إفلاس المشتري، مثل أحقية البائع في استرجاع سلعته وخيار الرجوع الفوري أو المتأخر.
حدد العلماء شروطا لرجوع البائع، وهي كون المفلس حيا وبقاء عوض السلعة في ذمته، مع ذكر ثلاثة أقوال بشأن هذا الحق.
المقطع الأخير يشير إلى أن الله تعالى هو الأعلى والأعلم، ويستخدم كختام للتأكيد على علم الله و قدرته المطلقة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الأول ذكر مسألة من مسائل باب الإفلاس أو أحكام المفلس، فندخل في المسألة الثانية بإذن الله عز وجل، وندكر في هذا الدرس ما تيسر من المسائل. المسألة الثانية: متى حجر على المفلس فوجد بعض غرمائه سلعته التي باعها إياها بعينها بالشروط التي سنذكرها إن شاء الله، ملك فسخ البيع وأخذ سلعته، وهذا قول جماهير أهل العلم. ذهب إلى هذا من الصحابة عثمان وعلي وأبو هريرة، ومن التابعين عروة، ومن تابعي مالك والأوزاعي، ومن أتباعهم الشافعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وغيرهم -رحمهم الله تعالى-. وروي عن الحسن والنخعي وابن شوبرمة. قول أبي حنيفة أنه أسوة الغرماء، ومعنى أسوة الغرماء أنه يكون متحاصا مع الغرماء، أن يكون له حصة كغيره من الغرماء. فإذا كان المال ولو كان ماله بعينه معهم، يضم ماله إلى غيره من مال مفلس، ثم يتحاصصون فيما بينهم. من كان له ثلث، يعني مبلغ هذا له ثلث، هذا له الربع، له خمس، له النصف، كل واحد على دينه. والراجح قول الجماهير لحديث الباب، فلا يلتفت إلى غيره. المسألة الثالثة: من وجد شيئا من متاعه عند من أفلس، فهو أحق به من غيره. قال مالك، قال إمام مالك رحمه الله: فيمن وجد نصف سلعته بعينها عند رجل قد أفلس، آرى أن يأخذها بنصف الثمن، ويحاص الغرماء في النصف الآخر. وبنحوه قال الشافعي. واضح هذا. يأخذها بنصف الثمن المتبقي، ويحاص الغرماء في النصف الآخر. قال إمام ابن عبدالبر رحمه الله: لا أعلم خلافا بين الفقهاء القائلين بأن البائع أحق بعين ماله في الفلس، أنه أحق أيضا بما وجد عنده إذا كان المشتري ادعى ذلك أو فوته بوجه من الفوت. لأن الذي وجد من سلعته هو عين ماله لا شك فيه، لأنه قطعة منه. المسألة الرابعة: هل خيار الرجوع على الفور أو على التراخي؟ واضح هذا. فيه وجهان عند الشافعية وعند الحنابلة. الشافعية ذكر وجهين، والحنابلة ذكر وجهين في المسألة. أحدهما التراخي، والآخر بالفور. الذين قالوا بالتراخي قالوا: أنه حق رجوع يسقط بعارض، حق رجوع يسقط إلى عوض، فكان على التراخي كالرجوع في الهبة. والثاني: أنه على الفور، لماذا؟ قالوا: لأنه خيار يثبت في البيع لنقص في العوض، فكان على الفور كالرد بالعيب. والرد بالعيب يقولون: لا بد أن يكون على الفور. قالوا: ولأن جواز تأخيره يفضي إلى الضرر بالغرماء، لإفضائه إلى تأخير حقوقهم، فأشبه خيار الأخذ بالشفعة. المسألة الخامسة: إن بدل الغرماء الثمن لصاحب السلعة ليتركها، فهل يلزم بقبوله؟ ذهب الإمام الشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أنه لا يلزم، إلا يلزمه قبولها، له يعني الأمر إليه، إن شاء تنازل وإن شاء أخذ حقه. وقال مالك: يلزمه قبوله، أي قبول الثمن، وليس له الرجوع. والراجح والله أعلم القول الأول لحديث الباب، وفيه: «فهو أحق به من غيره». النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فهو أحق»، فالأصل أنه أحق، فإن بدله أن يتنازل، فالأمر إليه. المسألة السادسة: فإن اشترى المفلس من إنسان سلعة بعد ثبوت الحجر عليه في ذمته، فالحاصل ما الحكم في هذه المسألة؟ ذكروا العلماء رحمهم الله تعالى فيها ثلاثة أقوال. فمنهم من قال: لم يكن له الفسخ، أي يكون أسوة الغرماء، يطالب المفلس كغيره من الغرماء. والقول الثاني: قال: له الفسخ مطلقا، أي علم أو لم يعلم، لماذا؟ قالوا: لحديث الباب. الثالث: قال: إن علم بفلسه فلا فسخ، وإن لم يعلم فله الفسخ، كمشتري المعيب. وهذا القول هو الأظهر والأقيس. المسألة السابعة: ما هي الشروط التي يستحق بها البائع الرجوع في السلعة إذا أفلس المشتري؟ الفقهاء ذكروا شروطا، فما هي هذه الشروط وهل هي معتبرة أم لا؟ أول هذه الشروط: كون المفلس حيا إلى أخذها، بمعنى أنه إذا مات فليس له شيء، يعني فليس له الرجوع، ولكن يكون أسوة الغرماء. الراجح والله تعالى أعلى وأعلم: أنه إذا أفلس أو أفلس ثم مات مفلسا، أي بعد الحجر عليه، فللبائع الرجوع في سلعته أخذا بحديث الباب. واضح جماعة أن حديث الباب فيه: «من وجد ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من غيره»، فهذا رجل مفلس ومات على الإفلاس، فصاحب المتاع أحق به من غيره لعموم حديث الباب. الشرط الثاني: بقاء كل عوضها في ذمته، أي في ذمة المفلس. قالوا: فإذا قبض بعض الثمن فليس له الرجوع، يعني يثبت للمفلس أو يثبت للبائع الرجوع إذا لم يقبض من الثمن شيئا. وهذا الشرط اشترطه الإمام أحمد وإسحاق وداود. والراجح والله تعالى أعلى وأعلم: نقول بأن الحديث إن ثبت، وجب المصير إليه. وأما مع ضعفه، فما بقي عندنا إلا حديث الباب، وهو يدل بعمومه على ما ذهب إليه مالك أو قول ما ذهب إليه الشافعي في القول الآخر: في أنه له الرجوع في السلعة. والله تعالى أعلى وأعلم.