الدرس في كتاب البيوع 30، ألقاها
تناول الدرس شروط البيع الجائزة والباطلة، حيث ذكر الإمام النووي شرطا رابعا جائزا وهو بيع عبد أو أمة بشرط عتقه. واستدل بالحديث النبوي على صحة البيع ولزوم الشرط في بعض الحالات.
يتناول المقطع أحكام البيع المشروط، حيث يشرح آراء الفقهاء في صحة البيع والشرط المصاحب له، ويستعرض أدلة كل قول من الأقوال الأربعة في المسألة.
يتناول المقطع أحكام الشروط في البيع والعتق، حيث يروي قصة بريرة التي أرادت أن تكاتب أهلها، ويشرح النبي صلى الله عليه وسلم أحكام الولاء والشروط في البيع.
الشرط الباطل في البيع يبطل العقد إذا كان منافياً لمقتضاه، مثل اشتراط تفريغ الإناء من محتواه. والله تعالى أعلى وأعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فكان آخر ما أخذناه في الدرس الماضي كلاما على الشروط في البيوع، وذكرنا أنها ضربان: صحيح وباطل، وأن الصحيح على ثلاثة أنواع، الثالث منها أن يشتري طلبا نفعا معلوما في البيع، كسكن الدار شهرا. وتقدم معنا أن الطول الراجح أن هذا الشرط معتبر. وتقدم أيضا توجيه ما ساق به المانعون، وهو أن الحديث الأول الذي فيه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، أنه لا يثبت بل هو باطل. وأما أنه عن الثنية، فقد جاء في السنن بلفظ: نهى عن الثنية التي لا تعلم، نهى عن الثنية إلا أن يعلم، فدل هذا على أنه ما كان معلوما أي مشروطا، فهو جائز، وما لم يكن كذلك فليس بجائز. ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع شرطا رابعا، أي من الشروط التي يقال بأنها جائزة، فقال رحمه الله تعالى: الرابع أن يبيعه عبدا أو أمة بشرط أن يعتقه المشتري. وهذه الصورة، كما ترون، الشرط الأول عائد على أصل العقد، والشرط الثاني من مصلحة العقد، أي توثيق العقد. والشرط الذي هو الشرط الرابع ليس فيه شيء من هذه الأمور، ولكن غايته أن يكون فيه نفع للمبيع، لأنه قال: أن يبيع العبد بشرط أن يعتق أو أن يبيع الأمة بشرط أن تعتق. فهل هذا منفعة للعبد أو منفعة للبائع؟ الجواب أنه منفعة للمبيع. ذكر في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول أن البيع صحيح والشرط لازم، أن يلزم الوفاء به. وهذا القول نسبه الإمام النووي للجمهور في شرح مسلم، وذكره في المجموع عن النخعي وأحمد والشافعي وغيرهم. القول الثاني أنه يبطل الشرط والبيع جميعا، وهو قول أبي حنيفة. وكذلك قول في مذهب الشافعيين. وأبو حنيفة وصاحبه لم يفرقا في قولهم، فيقولون: لكن إن أعتقه، لزمه الثمن عند أبي حنيفة، والقيمة عند صاحبيه. المذهب الثالث في المسألة، أنه يبطل الشرط والبيع جميعا. المذهب الثالث قالوا: يصح البيع ويبطل الشرط، فلا يلزمه العتق. وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي ثور، والراجح الأول لحديث عائشة الآتي في الباب بإذن الله جل وعلا. وفيه أن أهل عائشة، أهل بريرة، كاتبوها على أن تعتق، ولهم الولاء، فاشترتها عائشة رضي الله عنها بالشرط، أي على أن تعتق. قال: اشتريها واعتقيها، إنه يصح البيع، إنما الولاء لمن أعتق. فهذا نص في المسألة. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: فرع على هذه المسألة مسألة، قال: والمذهب صحتها، وعليه التفريع. يعني: هل هذا العتق المشروط حق لله، كالعتق الملتزم بالنذر، فيجب الوفاء به ولا يسقط؟ أو أنه حق للبائع، فله مطالبة المشتري به؟ وهذا بلا خلاف. ولو أن يسقطه إن شاء، لو أن يسقطه إن شاء، يعني: فإن قيل بأنه حق لله، يجب عليه الوفاء، يجب عليه أن يعتق. وإن قيل: إنه حق للبائع، فعلى المشتري أن يعتقه، إلا أن يقول البائع: قد أذنت في هذا الشرط، لك أن تعتقه ولك أن لا تعتقه. ذكرنا كذلك في الدرس الماضي أن الشرط الباطل هو كل شرط ينافي مقتضى البيع. قالوا: كأن يبيعه بشرط ألا يبيعه، يبيعه السلعة بشرط ألا يبيعها. هذا شرط فاسد، لأن من مقتضى العقد البيع أن للإنسان أن ينتفع بما اشتراه انتفاعا مطلقا في المباح. إذا وقع البيع على هذا الشرط الباطل، هل ينفذ البيع ويكون الشرط معتبرا؟ أم لا ينفذ البيع ويكون الشرط غير معتبر ملغى؟ أم أن البيع يكون صحيحا والشرط يكون صحيحا؟ ثلاثة أقوال في المسألة. القول الأول أن البيع باطل، سواء اشترط شرطا واحدا أو شرطين. وهذا القول نسب إلى عمر وعكرمة، وهو قول الأوزاعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة. لذا نسبه الإمام النووي إلى جمهور أهل العلم. القول الثاني: قول ابن سيرين وعبد الله بن شبرمة التابعيان، وحمد بن أبي سليمان، قالوا: البيع صحيح والشرط صحيح. وقال أحمد وإسحاق، وهو القول الثالث في المسألة: إن شرطا واحدا من هذه الشروط ونحوها، صح البيع ولزم الشرط. وإن شرط شرطين فأكثر، بطل البيع. القول الرابع في المسألة، وهو قول الحسن البصري وابن أبي ليلى وأبي ثور وابن المنذر: البيع صحيح والشرط باطل. احتج أصحاب القول الأول بحديث عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة، وفيه: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط. قضاء الله أحق. والحديث في الحقيقة دليل عليهم لا لهم، لأنه يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر البيع، وإنما أبطل الشرط. فهو دليل لأصحاب القول الرابع. وأما ما احتج به أصحاب القول الثاني، فهو دليل على الشرط الصحيح، أي حديث جابر. فإنما هو دليل على الشرط الصحيح، كما مر معنا في الشروط الصحيحة. وأما ما احتج به أصحاب القول الثالث، فالحديث المستدل به، أي قوله صلى الله عليه وسلم: ولا شرطان في بيع، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تأويل وتفسير هذا الحديث. فذهب بعضهم إلى أن معناه ما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى هنا، أي بيع وشرطان، سواء كان الشرطان صحيحين أو كان فاسدين. لأن بعض أصحاب أحمد رحمه الله تعالى قالوا: المراد بالشرطين فاسدين. فرد عليهم بعض أصحاب الإمام أحمد، قالوا: إذا كان شرطين فاسدين، فيكفي الواحد. قالوا: بل الصواب عند الإمام أحمد أنه أراد بالشرطين الشرطين الصحيحين. التأويل الصحيح صورته أن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقدا، وخذها منك بعشرين نسيئة. وهي مسألة العينة. يعني: من أجل التوضيح، يقول له: تبيعني هذه السلعة بعشرين درهم النسيئة، على أن تشتريها منك بعشرة دراهم حاضرا. فهذا هو المقصود والمراد بهذا الحديث، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذلك قال تلميذ الإمام ابن القيم رحمه الله. قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة: ذكر تفسيرا ثالثا، فقال: في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: ولا شرطان في بيعه، قال: فهو أن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقدا، أو بألفين نسيئة. قوله: فمعناه معنى البيعتين في بيعه، موافق لمن موافق لكلام ابن القيم ولكلام شيخ الإسلام قبل ذلك. وإنما الفرق بين قولهم وقوله: أنه ذكر معنى شرطين. الحاصل والخلاصة في هذه المسألة: أن بيع التقسيط جائز، لكن بشروط: أن يعين الثمن، وأن تكون السلعة موجودة عند البائع. قال رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله تعالى، قالت: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية. فأعينيني. فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون الولاء لي، فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا عليها. فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فقالت: إني عرضت ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق. ففعلت عائشة. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط. قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق. قوله رضي الله عنها: جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية. فيه جواز المكاتبة على ثمن معين. قوله: فأعينيني، فيه دلالة على أن المكاتب له أن يستعين وأن يسأل العون من غيره ممن يظن فيه الخير والإعانة. قوله: فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون الولاء لي، فعلت. فيه إشارة إلى أن عائشة رضي الله عنها لم تكن تعلم هذا الحكم بعينه. قوله: فذهبت بريرة إلى أهلها، قوله: إلى أهلها، ليس معناه أنهم من أهاليها، ولكن مقصود بها أن أهلها أي من كانت عندهم. قوله: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد. وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه، وأنه كان يبدأ بحمد الله وثنى عليه. قوله: فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ قوله: رجال، هل هو المقصود به الرجال دون النساء؟ الجواب أن الغالب أن البيع والشراء يكون فيه بيد الرجال. قوله: ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. قوله: ليس في كتاب الله، ثم قال: ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط. قال علماء رحمهم الله تعالى: المقصود في هذا كل شرط ليس في كتاب الله، أي لم يأذن به الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: إنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يسيبه. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا له وضربه، قال: فسار سيرا لم يسر مثله قط. ثم قال: بعنيه بأوقية. قلت: ثم قال: بعنيه. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم كرر عليه، قال: فبعته بأوقية، واستثنيت حملانه إلى أهلي. وهذا هو الشاهد من هذا الحديث. قوله: واستثنيت حملانه إلى أهلي، هذا شرط في البيع، دليل على الشروط الجائزة، لأن الشروط كما مر معنا منها الصحيحة فهي معتبرة، ومنها الباطلة فليست بمعتبرة. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها. قوله: ولا يخطب على خطبة أخيه. قال علماء رحمة الله تعالى: ولا يخطب على خطبة أخيه، إن كان كفأ بعد حصول شيء من معنى القبول. قوله: ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها. قوله: لتكفأ ما في إنائها، لأن هذا من الشرط الباطل، لأن هذا الشرط من الباطل. والله تعالى أعلى وأعلم.