الدرس في كتاب البيوع 83، ألقاها
يشرح المقطع مفهوم التعصيب وترتيب العصبة في الميراث، حيث يبدأ بالبنوة ثم الأبوة. كما يتناول الحجب بين الورثة وترتيبهم بحسب القرب والجهة والقوة.
يتناول المقطع شرح حديثين نبويين يتعلقان بمسألة توريث المسلم للكافر وبيع الولاء وهبته، مشيراً إلى أن الولاء لحمة كالنسب.
يشرح المقطع أحكام العتق وولاء المعتق، حيث يبين أن العتق يسبب الإرث بين المعتق والمعتق، مستدلاً بحديث عائشة عن بريرة.
المقطع يمثل دعاء يتضمن الثناء على الله والاعتراف بالذنب والاستغفار والتوبة إليه، ويعبر عن الندم على الأفعال ويطلب المغفرة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي كلام على الفروض الستة المذكورة في كتاب الله جل وعلى، وتوقفنا عند قول الشارح الشيخ العلامة البسام رحمه الله تعالى. قال: «هذه الفروض الستة المذكورة في القرآن وهؤلاء هم أصحابها، وكيفية أخذهم لها». قال: «فإن بقي بعد أصحابها شيء أخذه العاصب عملاً بقوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ يعني والباقي لأبيه تعصيباً». ولقوله عليه الصلاة والسلام في حديثنا هذا: «ألحق الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر». وفي إرث أخي سعد بن الربيع في قوله: «وما بقي فهو لك». طيب، من باب التنبيه، ما مضى معنا في حديث قصة ابنتي سعد بن الربيع، والحديث رواه أبو داود، كما ذكر صححه الترمذي، وكذلك حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الإرواء» وغيره. والحديث من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه. وكما مر معنا مراراً أن الأرجح أن في حفظه شيئاً، ولهذا فإن شيخنا العلامة الوادعي رحمه الله تعالى ضعف الحديث به، كما في كتاب «أسباب النزول». طيب، قوله: «وللتعصيب جهات بعضها أقرب من بعض». قال: «فيُرث الميت بحسب قربهم منه، وجهات العصوبة: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة وبنوهم، ثم أعمامهم وبنوهم، ثم الولاء، وهو المعتق وعصابته». وعصابة، أي: وورثته أو قولوا أقرباؤه. فهذه جهات تعصيب، يعني أولها البنوة، فهي أقوى الجهات، ثم بعدها الأبوة، ثم بعدها الأخوة وبنوهم، أي: الأخ وابن الأخ مقدم على من بعدهم، ثم أعمامهم وبنوهم، والأعمام مقدمون على بني الأعمام. قوله: «ثم الولاء، وهو المعتق». وقولوا: «ثم فيه إشارة إلى أن الأول من هؤلاء أو الأول من هؤلاء يحجب من وراءه». فإذا وجد الأب حجب الأب من كونه عاصباً ويصير الأب صاحب فرض. وإذا وجد الأب حجب الإخوة، وهكذا إذا وجد الإخوة حجب أبناءهم أو أبناء الإخوة، وكذا الأعمام وهكذا. قال: «فيقدم الأقرب جهة، كالإبن فإنه مقدم على الأب». يعني الأب يرث في هذه الحال السدس فرضاً، يصغُر عنه التعصيب، لا يكون عاصباً أو معصباً. قالوا: «فإن كان في جهة واحدة قدم الأقرب منزلة على الميت، كالابن فإنه يقدم على ابن الابن». أي: باعتبار ماذا؟ باعتبار الدرجة، الجهة واحدة وهي البنوة، فيقدمون باعتبار الدرجة، فيقدم الابن على ابن الابن. فإن كانوا في جهة واحدة واستوت منزلتهم من الميت، قدم الأقوى منهم، وهو الشقيق على من لأب من إخوة وأبنائهم أو أعمامهم وأبنائهم. فالترتيب في الحجب: الجهة، ثم القرب، ثم القوة. قالوا: «يحجبوا»، يعني: يقدم الأقوى منهم، وهو الشقيق على من لأب، بمعنى إذا لم يرث الميت إلا أخ شقيق وأخ لأب، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فلأولى رجل ذكر». من هم الأولى منهما؟ الشقيق. وهكذا الأخ الشقيق، يعني العم الشقيق والعم لأب وهكذا. قوله: «ويحجب الورثة بعضهم بعضاً حرماناً ونقصاناً». قال: «فالنقصان يدخل على جميعهم، والحرمان لا يدخل على الزوجين والأبوين والولدين لأنهم يدلون بلا واسطة». فالزوج كما ذكر إما أن يكون الربع أو النصف، والزوجة إما أن تكون الربع أو الثمن. وهكذا الأبوين إما أن يكون من أصحاب السدس إن وجد الفرع الوارث أو وجد الجمع من الأخوة، أو إذا لم يوجد شيء من ذلك في الأم الثلث والأب يكون هو العاصب. قالوا: «والأب يسقط الجد، والجد يسقط الجد الأعلى منهم». فها هنا الأقرب جهة يسقط الأبعد من حيث الجهة. قالوا: «والأم تسقط الجدة وكل جدة تسقط الجدة التي فوقها». أي: التي لا تتوصل إلا بها أو التي في جهتها ولكنها من جهة أخرى، ولكنها أقرب فتسقط البعد. قالوا: «ويسقطهم الإخوة الأشقاء بالابن وبالأب وبالجد على الصحيح». يعني على الصحيح في الجد، أما الأب والابن فهذا بإجماع. قالوا: «والإخوة لأب يسقطون بمن يسقط به الأشقاء وبالأخ الشقيق». أي: زيادة على ذلك بوجود الأخ الشقيق. قالوا: «وبنوا الإخوة يسقطون بالأب وبكل جد لأب وبالإخوة والأعمام». طيب، والأعمام يسقطون بالإخوة وأبنائهم، كما تقدم أن الأقرب من الجهة التي تكون أقوى وأقرب للميت تسقط من أبعد. فكما تقدم الذكر ذكر ذلك الجهات أولاً تنظر وهي: بنوة، ثم أبوة، ثم أخوة وبنوهم، ثم عمومة وبنوهم، ثم المعتق. فالجهة القريبة تسقط الجهة البعيدة، إذا اتفقوا في الجهة، الجهة يعني الجهة التي هي واحدة، فالقريب يسقط الأبعد إذا كانوا كذلك في القرب سواء. ينظر إلى الأقوى، فمن كان يدلي إلى الميت من جهتين أقوى ممن يدلي إلى الميت من جهة واحدة. قالوا: «وأولاد الأم يسقطون بالفرع وبالفروع مطلقاً وبالأصول من الذكور». أي: بالأصول من الذكور ليخرج ماذا الإناث. قالوا: «بنت الابن تسقط ببنت الصلب فأكثر». بمعنى أن البنتان إذا وجدتا أخذتا الثلثين، فلم يبق لبنت الابن شيء. بخلاف إذا كانت واحدة، فإنها يحصل حجب نقصان، فترث السدس استكملت الثلثين. قالوا: «كل بنت ابن نازل تسقط بثلثين فأكثر ممن فوقها». يعني بنت ابن الابن تسقط ببنتي ابن الابن. واضح. جماعة. عملاء القربة تسقط البعداء. قالوا: «ما لم يكن مع بنات الابن أو من نزل منهم من يعصبهن من ابن مساوي لهن أو أنزل منهن». بمعنى أنه إذا وجد الولد صاروا عصبة، فيرثون عصبة، فيرثون ما بقي عصبة لا فرضاً. قالوا: «وتسقط الأخوات لاب الشقيقتين فأكثر». هذا واضح. جماعة. طيب، وتسقط الأخوات لاب الشقيقتين فأكثر، ما لم يكن معهن من يعصبهن من إخوانهن. فإذا وجد كانوا عصبة، يعني كانوا عصبة، فأخذوا باعتبار العصبة لا باعتبار الفرض. لأن الشقيقتين تستغرق الثلثين، فتسقط من؟ الأخوات لاب. لكن إذا وجد الأخ لاب عصبهن، فأخذوا ما بقي يكون عصبة، والعصبة تأخذ ما تبقى من المواريث إن كان لها باقية. قال: «هذه خلاصة سقناها لبيان المواريث بمناسبة شرح هذا الحديث الجامع». وقد أطال العلماء الكلام على هذا الباب من أبواب الفقه، وأفردوه بالتصانيف الكثير. والله ولي التوفيق. قال: «عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ ثم قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». الغريب: «رباع» محلات الإقامة، والمراد هنا الدور. والرباع بكسر الراء، المعنى الإجمالي لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة سأله أسامة بن زيد: هل سينزل صبيحة دخوله فيها داره؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «وهل ترك لنا عقيل بن أبي طالب من رباع نسكنها؟» وذلك أن أبا طالب توفي على الشرك وخلف أربعة أبناء: طالباً وعقيلاً وجعفراً وعلياً. «جعفر وعلي أسلم قبل وفاته، فلم يرثاه، وطالب وعقيل بقي على دين قومهما، فورثاه». ففقد طالب في غزوة بدر، فرجعت الدور كلها لعقيل، فباعها. ثم بيّن صلى الله عليه وسلم حكماً عاماً بين المسلم والكافر، فقال: «لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم». قال: «لأن الإرث مبني على الصلة والقربة والنفع، وهي منقطعة ما دام الدين مختلفاً». لأن الصلة المتينة والعروة الوثقة. قال: «فإذا فقدت هذه الصلة، فقد فقد معها كل شيء حتى القرابة، وانقطعت علاقة التوارث بين الطرفين». لأن فصمها أقوى من وصل النسب والقرابة عندكم. طيب. قال: «جمع الله المسلمين على التقوى، وقوى صلاتهم وعلاقاتهم بالإيمان، إنه سميع الدعاء». قال: «ما يأخذ من الحديث: جواز بيع بيوت مكة، فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم العقد على حاله». وقد يقال: إنه لم يتعرض لعقود المشركين السابقة، فلا يكون في الحديث دلالة على هذه المسألة. الثاني: أن المسلم لا يرث الكافر ولا الكافر يرث المسلم. الثالث: أن الإسلام هو أقوى الروابط، وأن اختلاف الدين هو السبب في حل العلاقات والصلات. لكن كما ذكر: إلا صلة الأرحام نحوها، فإنها توصل. كما جاءت الأحاديث في ذلك كثيرة، يعني كما جاء النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «يا بني هاشم لا أملك لكم من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله لا أملك لكم من الله شيئاً». ثم قال في آخره: «إلا ما كان من صلة رحم، فسأبلها ببلالها» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وكذلك كما جاء في الصحيحين في حديث أسماء بنت أبي بكر، قالت: «صلي أمك». ولحديث في ذلك كثيرة. والله جل وعلا قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بعد أن ذكر كذلك في آيات أخرى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ فيحسن إلى الأبوين بالبر والصلة والتذكير والنصر ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. أما العلاقة بينهما باعتبار ما عنده من الدين، فلابد أن يكون له بغض باعتبار الجهة الدينية، وإن كان من جهة أخرى من جهة البر، بابها آخر. طيب. الرابع: قال النووي كلاماً مؤداه أن التوارث بين المسلمين والكفار غير جائز عند جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. إلا معاذ بن جبل وسعيد بن جبير، فقد أجازا توريث المسلمة من الكافر، واحتجاجا بحديث: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه». والحديث حسن. هذا الحديث حسن جاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضهم، جاء عن ابن عباس وابن عمر وعمر، وكذلك جاء عن غيرهم. والعلماء الألباني رحمه الله تعالى يحسنه بمجموع طرقه. وليس فيه دليل على ما أراد، لأنه في عموم فضل الإسلام. وحديث أسامة نص واضح في المسألة. ولعله لم يبلغ معاذاً وسعيداً أي: الحديث. وإلا كما ذكر: الحديث نص في المسألة، وفي هذا الباب ذكر العلماء رحمهم الله تعالى بعض التفريعات والاستثناءات، وهي من المسألة اجتهادية. مسألة اجتهادية، أي: إذا كان متى الكافر لا يرثه ما هناك له ورثة إلا مسلم، ليس له ورثة إلا مسلم، فيرجع المال إلى أيدي الكفار. كالهم ولد مثلاً مسلم. أيهما أحق؟ يقدم هذه الجهة أم يقدم بيت مال الكافرين؟ بعض أهل العلم رأى الأول، منهم الرأي الثاني. ولا تفاصيل، ليس محلها هاهنا. طيب. الحديث الخامس والتسعون بعد المائتين، قالوا: أو قال: «عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته». قال: «معنى الإجمالي: الولاء لحمة كلحمة النسب، من حيث إن كل منهما لا يكتسب ببيع ولا هبة ولا غيرهما». لهذا لا يجوز التصرف فيه ببيع ولا غيره. وإنما هو صلة ورابطة بين المعتق والعتيق، يحصل بها إرث الأول من الثاني بسبب نعمته عليه بالعتق الذي هو فك رقبته من أسر الرق إلى ظلال الحرية الفسيح. قال: «ما يستفاد من الحديث». قال ابن الدقيق العيد: «الولاء حق ثبت بوصف وهو الاعتاق، فلا يقبل النقل إلى غيره بوجه من الوجوه». لأن ما ثبت بوصف يدوم بدوامه، ولا يستحق إلا من قام به ذلك الوصف. يعني: هل يجوز أن يبيع إنسان لإنسان ولاءه؟ الجواب: لا يجوز. لماذا؟ لأنه وصف دائم حصل به ذلك أي: العتق. وصف حصل لمن؟ المعتق. حينما اعتق عبده، وهذا الوصف لا يزول ولا ينتقل. واضح. ولو اشتراه إنسان، ما ينتقل. لا يقال بأن هذا المشتري هو الذي اعتقه، وهو الذي اعتقه فلاناً. إنما اعتقه من؟ اعتقه سيده الأول. لذا كما ذكر: أنه وصف لا ينتقل بأي وجه من وجوه الانتقال. قال: «الثاني: النهي عن بيع الولاء وعن هبته وعن غيرهما من أنواع التمليكات». هبه، وقف، ويدخل في معناه ما كان في معناها، أي: الهبة مثلاً يدخل فيها الوصية، يدخل فيها الوقف. يقف للمسلمين، يقول: وما شابه ذلك، فهذا لا يجوز. وكذا البيع، وما كان في معناه من البدل. يعني: يقول: أعطيني سأعطيك ولاء زيد الذي هو معتقي الذي أعتقته، مقابل أن تعطيني دارك أو ما شابه ذلك. هذا كذلك لا يكون ولا يجوز ولا يصح. الثالث: أن العقد باطل، لأن النهي لا يقتضي الفساد، العقد محرم منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. لأن النهي عائد على وصف ملازم لا ينفك. واضح هذا الأمر. طيب. الرابع: أن هذه العلاقة الباقية التي لا تنفصم، أي: لا تنقطع كما لا تنفصم علاقة النسب، تسبب الإرث، فيرث المعتق عن عتيقه، وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم. لنعمة العتق عليه. بمئة الأبناء والأبناء وبنوهم، الآباء وإن علوا، وهكذا. يعني: إن مات المعتق، هل ينتهي العتق؟ الجواب: لا. يبقى بنوه، يعني يبقى أبناؤه وعصبته المتعصبون بأنفسهم. طيب. هذا خلاصة كما ذكر في الحديث. وهناك كذلك مسائل تذكر في مسائل العتق في باب ماذا؟ في باب العتق. لكن شاهدونا ومراد الشيخ رحمه الله تعالى من ذكره هذا في باب المواريث: أن العتق أحد أسباب الإرث. أن العتق أحد أسباب الإرث، لأن أسباب الإرث إما أن تكون بالنسب، وإما بالمصاهرة، وإما بالعتق. فهذا السبب والثالث من أسباب الميراث. قال الرحبي: «أسباب ميراث الورى ثلاثة ما بعدها للوارثين وراثة». قال: «هي عتق وولاء ونسب ما بعدهن للموارث سبب». ذكر أبياتاً، هذا معناها. طيب. قال: «الحديث سادس وتسعون بعد المائتين، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت في بريرة ثلاث سنن». خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة على النار، فدعا بطعام، فأتي بخبز وأدم من أدم البيت. فقال: «ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟» فقال: «بلى يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه». فقال: «هو عليها صدقة وهو لنا هدية». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيها الولاء لمن أعتق». قال: «الغريب: برمة». قال: «في القاموس: البرمة بضم الباء قدر من حجارة». جمعه: «برم» بضم الباء وبالفتح في الراء. قال: «المعنى الإجمال: تذكر عائشة رضي الله عنها من بركة مولاتها بريرة متيمنة بتلك الصفقة». أي: فرحة بتلك الصفقة، أي: أنها اعتقت بريرة رضي الله عنها وأرضاها التي قربتها منها. إذ أجر الله تعالى من أحكامه الرشيدة في أمرها ثلاث سنن، أجر الله تعالى من أحكامه الرشيدة في أمرها ثلاث سنن، بقيت تشريعاً عاماً على مر الدهور. وهذه من البركة الإلهية التي يجعلها الله جل وعلا في من شاء من خلقه. قال: «فالأولى: أنها عتقت تحت زوجها الرقيق مغيث، فخيرت بين الإقامة معه على نكاحهما الأول وبين مفارقته واختيارها نفسها». لأنه أصبح لا يكافئها في الدرجة، لأنها أصبحت حرة وهو ما زال رقيقاً. فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين أن تبقى معه وبين أن تفارقه، فاختارت أن تفارقه. هذه سنة، هذه سنة من السنة التي جاءت في بريرة رضي الله عنها وأرضاها. قال: «إذ هي حرة وهو رقيق، والكفاءة هنا معتبرة». فاخترت نفسها وفسخت نكاحها، فصارت سنة لغيرها، أي: للأماء إن عتقت، فهي مخيرة في بقاء عقدها مع زوجها أو الفسخ. لأنه ليس كفءاً لها حينها. قالوا: «والثاني: أنه تصدق عليها بلحم، وهي في بيت مولاتها عائشة». فدخل النبي صلى الله عليه وسلم واللحم يطبخ في البرمة، فدعى بطعام، فأتوه بخبز وأدم من أدم البيت الذي كانوا يستعملونه في عاداتهم الدائمة. ولم يأتوه بشيء من اللحم الذي تصدق به على بريرة، لعلمهم أنه لا يأكل الصدقة. فقال: «ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟» فقالوا: «بلى، ولكنه قد تصدق به على بريرة، وكرهنا إطعامك منه». أي: أن الصدقة لا تجوز للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يطعم النبي صلى الله عليه وسلم منها. لأنها صدقة. فجاء الحكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو عليها صدقة وهو لنا هدية». أي: إنسان إذا تصدق به بصدقة، يجوز أن يهديه لغيره، فيكون هدية من المتصدق عليه. واضح. الجماعة. فهو يأكله، أنه صدقة. وإذا أعطاه لغيره يكون منهم هدية. وهذه سنة ثانية لبريرة أو من حصل لبريرة أو بسبب بريرة رضي الله عنها. قال: «والثالثة: أن أهلها لما أرادوا بيعها من عائشة اشترطوا أن يكون ولاءها لهم». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الولاء لمن أعتق». بمعنى أن إنساناً لو أراد أن يكاتب عبداً على أن يعتقه فلان، ويقول: لا. يعني: أنا عندي عبد، أقول: ما سأعتقك، سأبيعك لفلان، بشرط أن يكون ولاؤك لي. هذا شرط باطل، كما مر معنا في حديث عائشة: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». ولو كان مئة شرط تقدمها في كتاب البيوع. طيب. قال: «ما يستفاد من الحديث: واحد، أن الأمة إذا عتقت تحت رقيق يكون لها الخيار بين البقاء معه وبين الفصل من عصمة نكاحها». وجواز ذلك بإجماع العلماء. أما إذا عتقت تحت حر، فلا خيار لها عند جمهور العلماء، ومنهم: مالك والشافعي وأحمد. الثاني: فيه بيان اعتبار كفاءة في النسب بين الزوجين، وأن من موانع التكافؤ بين الزوجين: الحرية والرق. أي: هذا مانع معتبر في التكافؤ. الثالث: أن الفقير إذا تصدق عليه، فأهدى من صدقته إلى من لا تحل له صدقة من غني وغيره، فإهداؤه جائز. لأنه قد ملك الصدقة، فيتصرف بها كيف شاء. الرابع: فيه دليل على سؤال صاحب البيت أهله عن شؤون منزله وأحواله. وفيه انحصار الولاء بالمعتق، لقوله: «إنما الولاء لمن أعتق». فلا يكون لغيره، ولا يخرج عن حقيقته بحال. الثالث: أن ما دام بهذه الصفة من اللصوق، إذ هو لحمة كلحمة النسب، يحصر به إرث المعتق وعصبته من عتيقه. وهذا هو المقصود من ذكر حديث هنا. والله تعالى أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.