كتاب البيوع 4

الدرس في كتاب البيوع 4، ألقاها

شرح حديث خيار البيع

يشرح الحديث النبوي حول خيار البيع بين المتعاقدين حتى يتفرقا، ويوضح معنى «صفقة خيار». يبين أن البيع يتم بناءً على شروط التعاقد.

حكم مفارقة أحد المتبايعين

يتناول تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشية فسخ البيع مستندًا إلى الحديث النبوي، ويناقش آراء الإمام أحمد وابن قدامة في هذا الشأن.

مسائل فقهية متعلقة بخيار البيع

تناول مسائل فقهية متعلقة بخيار البيع، منها أحكام خيار المجلس ومدته وجوازه، واختلاف الفقهاء في توريث خيار البيع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا فيما مضى من المسائل أن من فارق صاحبه فإن البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا فارق أحدهما صاحبه فقد تم البيع. ونذكر اليوم مسألة متعلقة بهذا الباب، وهذه المسألة مبناها على حديث رواه الإمام أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار». فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله. وإسناده حسن. معنى هذا الحديث في قوله: «إلا أن تكون صفقة خيار»، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وقوله «إلا أن تكون صفقة الخيار» يحتمل أنه أراد البيع المشروط فيه الخيار، أنه أراد البيع المشروط فيه الخيار، فإنه لا يلزم بتفرقهما، ولا يكون تفرقهما غاية للخيار فيه لكونه ثابتًا بعد تفرقهما. وهذا قول جماعة. يقول: «إلا أن تكون صفقة خيار»، أي ما معنى «صفقة خيار»؟ معنى «صفقة» أنها تتم بمجرد التعاقد، مجرد التعاقد ثم التفرق. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: معنى هذا الحديث أن تكون صفقة ولكنها فيها خيار، صفقة ولكنها فيها خيار، بمعنى يحصل التعاقد مع شرط أن يشتري منك هذا بشرط أن تمهلني مثلًا يوم وليلة أو يومين أو سبعة أيام، أو العكس يقول: أبيعك هذا ولك يوم وليلة أو ما شابه ذلك. فالحاصل أن هذه صفقة إذا ذكرت على هذا الوجه فإن البيع لا يتم حتى تنتهي مدة الخيار المشروطة. ووجه آخر في معنى الحديث، وهو أن المراد بقوله: «صفقة خيار» البيع الذي شرطا فيه ألا يكون بينهما فيه خيار، فيلزم بمجرد العقد من غير تفرق. أي شيء الفرق بين الصورة الأولى والثانية؟ الصورة الأولى أثبت مدة بعد العقد، الصورة الثانية منع مدة الخيار، يتفقان على أنه بمجرد العقد ينتهي، لا خيار بمجرد العقد، لا خيار بيني وبينك، فيتعاقدان على هذا، مجرد أن يدفع هذا المال ويأخذ هذه السلعة أو يتفقان على البيع يتم البيع. قال ابن قدامة: وظاهر الحديث تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشية من فسخ البيع. وهذه الصورة مذكورة إذا كان قبل عن ابن عمر أن ابن عمر كان يفعلها. فيقول: وظاهر الحديث تحريم مفارقة أحد المتبايعين لصاحبه خشية أو خشية من فسخ البيع. هذا يتبايع مع هذا مثلًا سيارة أعجبته، يعلم أن سعرها في السوق مثلًا من بين 21 إلى 22 إلى 23 ألفًا، ووجدها عند رجل أو في معرض أو ما شابه ذلك بعشرين ألفًا، تبايع الرجل يعلم أن سعرها جيد، فمجرد أن يدفع البيع يخرج ولو كانت سرعة موجودة يخرج حتى يفارق صاحبه ثم يرجع. قال: وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، أي أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ذهب إلى هذا الحديث. قال ابن قدامة: فإنه ذكر له فعل ابن عمر أن ابن عمر كان إذا ابتاع شيئًا كما مر معنا في صحيح البخاري يخرج شريكًا حتى يتم البيع ثم يرجع، يفارق صاحبه ثم يرجع حتى يتم البيع. فذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى فعل ابن عمر وحديث عمرو بن شعيب، أي ما رأيك في هذا؟ فقال الإمام أحمد رحمه الله: هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن قدامة: وهذا اختيار أبي بكر المروذي من الحنابلة. قال: وذكر القاضي -وهو أبو يعلى من الحنابلة أيضًا- أن ظاهر كلام أحمد جواز ذلك، لأن ابن عمر كان إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه. قال ابن قدامة: والأول أصح، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم يقدم على قول ابن عمر، والظاهر أن ابن عمر لم يبلغ هذا الحديث، ولو بلغه لما خالفه. ذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله: «لا يحل» أنه يكره هذا الفعل، وما ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى لأن الأصل في قوله صلى الله عليه وسلم: «أنه لا يحل» أنه يحرم، ولا دليل صارف على غير ذلك. وفعل ابن عمر رضي الله عنه مع جلالة ابن عمر وورعه وعلمه، فالظاهر كما قال ابن قدامة رحمه الله أن ابن عمر لم يبلغ هذا الحديث، ولو بلغه لما خالفه. مسألة أخرى: وهي متعلقة بهذه الأبواب، إن خلس أحدهما أحد المتبايعين، حصل له شيء ما استطاع الكلام، قالوا: قامت إشارته مقام لفظه. إن لم تفهم إشارته أو جن أو أغمي عليه، قام وليه أو وصيه أو الحاكم مقامه في مسألة الخيار، إن شاء تم البيع وإن شاء رده. قالوا: وهذا مذهب أحمد والشافعي. واختلفوا هل يورث خيار المبيع أم لا؟ ذهب مالك والشافعي إلى أنه يورث، وأنه إذا مات صاحب الخيار فلورثته من الخيار مثل ما كان له. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ينقطع بالوفاة. وبعض أهل العلم أتى بتفصيل، قالوا: إن حملوه من مجلس البيع فمات الرجل فحملوه فأخرجوه، يكون قد فارق البدن، فلا يكون هناك خيار. مسألة أخرى: هل يجوز الخيار في البيع؟ وصورته أن يقول المشتري للبائع: اشتريت منك كذا على أن تكون لي مدة الخيار كذا وكذا. ذهب الجمهور إلى جواز ذلك، أخذًا بحديث ابن عمر المتفق عليه: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار». واستدلوا بحديث منقذ بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا بايعت فقل: لا خلابة. ومعنى لا خلابة: لا خديعة. ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاثة أيام، فإن رضيت فأمسك وإن سخط فارددها على صاحبها». وذهب الثوري وابن أبي ليلى وطائفة من أهل الظاهر إلى المنع، أي أن هذا البيع لا يجوز، معللين ذلك بأنه بيع غرر. قالوا: الرجل يبيع وما يدري على أي شيء يتم العقد. والراجح قول الجمهور لظاهر حديث ابن عمر. مسألة أخرى: هل الخيار مدة معينة؟ ذهب مالك إلى أنه لا مدة له محدودة في نفسها، وأنه إنما يقدر بتقدر الحاجة إلى اختلاف المبيعات. وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن أجل الخيار ثلاثة أيام، قالوا: لا يجوز أكثر من ذلك. واستدلوا على ذلك بما جاء في حديث منقذ بن عمرو السابق. وذهب الإمام أحمد وأبو يوسف محمد بن الحسن إلى أنه يجوز الخيار لأي مدة اشترطت، وبه قال داود، وهو الراجح لعدم الدليل الدال على التقيد بمدة معينة. مسألة أخرى: هل يصح الخيار المطلق دون المقيد بمدة معلومة؟ فذهب الثوري والحسن بن حيي وجماعة إلى جواز اشتراط الخيار مطلقًا، قالوا: ويكون الخيار أبدًا. وقال مالك: يجوز الخيار المطلق، ولكن السلطان يضرب فيه أجلًا. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يجوز الخيار المطلق ويفسد البيع، وهذا هو الأظهر لأن هذه الصورة منافية لحقيقة البيع. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على