الدرس في كتاب الإيمان 23، باب الحث على إكرام الجار والضيف وقول الخير أو لزوم الصمت وكون ذلك كله من الإيمان . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل شرح حديثين نبويين متفق عليهما بين البخاري ومسلم، يتعلقان بإكرام الجار والضيف وعلاقته بالإيمان. يُظهر أهمية هذه الأخلاق في الإسلام وعلاقتها بالإيمان.
يشرح هذا الفصل أن الإيمان مجموعة من الخصال، منها الإيمان بالله واليوم الآخر وإكرام الجار والضيف، وهذه الخصال تزيد الإيمان أو تنقصه. يُبين أهمية إكرام الجار والضيف في الإيمان.
يناقش هذا الفصل كيفية إكرام الضيف وحدود الضيافة، ويوضح أن اليوم الأول للضيافة يكون بشيء زائد عن المعتاد، بينما الأيام الثلاثة التالية تكون بالمعتاد، وما زاد عن ذلك فهو صدقة.
يتناول هذا الفصل خطورة آفات اللسان ويذكر أن الله أعطى الإنسان لسانًا واحدًا وأذنين ليتفوق السماع على الكلام. يُظهر التحذيرات الكثيرة في الأحاديث والقرآن من آفات اللسان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحث على إكرام الجار والضيف، وقول الخير أو لزوم الصمت، وكون ذلك كله من الإيمان. قال حديث أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». قال: خرّجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره. قال حديث أبي شريح العدوي: قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته». قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «جائزته يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره. أورد المؤلف رحمه الله هذين الحديثين في باب الحث على إكرام الجار والضيف، وقول الخير أو لزوم الصمت، وكون ذلك كله من الإيمان. وهذا التبويب هو الذي بوّب له في صحيح مسلم لهذين الحديثين، وهما من الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها البخاري ومسلم. الحديث الأول، كما ذكر، أخرجه البخاري بكتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، أخرجه البخاري من طريق غندر بن سعيد، قال: أخبرنا أبو الأحوص عن أبي حسين عن أبي صالح عن أبي هريرة. كما أخرج الحديث الذي قبل حديث أنس، البخاري من حديث مسدد أن يحيى عن شعبة عن قتادة عن أنس. وأخرج الحديث الذي بعده، حديث أبي شريح، الإمام مسلم في نفس التبويب الذي بويب له لصحيح مسلم، باب الحث على إكرام الضيف وقول الخير أو لزوم الصمت وكون ذلك كله من الإيمان. وأخرج الإمام البخاري حديث أبي شريح في كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، أخرجه البخاري كما بويب له من طريق عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد المقبري عن أبي شريح العدوي ويقال الكعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذان الحديثان مما اتفق البخاري ومسلم على إخراجهما، وفيه هذا التبويب الذي بويب عليه من قبل الإمام البخاري وكذا الإمام مسلم. ومن أهم مسائل هذين الحديثين أولًا ما سبقت الإشارة إليه من أن الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فهذه الخصال المذكورة في هذين الحديثين من الإيمان، فليس الإيمان شيء واحد إذا وجد وجد كله وإذا ذهب ذهب كله، بل هو عبارة عن خصال كثيرة، وتقدم أنه شعب بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة. ومن شعبه ما تكون أقوالًا أو أفعالًا أو اعتقادات على ما سبقت الإشارة إليه، فهو قول باللسان أو اعتقاد بالجنان أو عمل بالجوارح والأركان. وفيه من المسائل كذلك تعيين هذه الخصال المذكورة في الحديثين أنها من خصال الإيمان، وعليه فمن أتى بها كمل إيمانه، ومن نقص فيها نقص إيمانه. وفيه من المسائل كذلك تعيين هذه الخصال على وجه الخصوص أنها من خصال الإيمان. أولها الإيمان بالله واليوم الآخر، أما الإيمان بالله فكما تقدم الإيمان بوجوده وبربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. وهكذا الإيمان باليوم الآخر، وسمي يومًا آخر لأنه آخر أيام الدنيا، وكل ما يكون من أمر الغيب بعد الموت فهو من اليوم الآخر، فيدخل فيه كل ما ذكر في هذا المعنى جملة وتفصيلًا من الغيب الذي أخبرنا الله عز وجل به في كتابه أو أخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، نؤمن به جملة وتفصيلًا وهو من الإيمان. وهكذا كذلك عدم أذية الجار والإحسان إلى الجار، وأن الإحسان إلى الجار من الإيمان، وأذية الجار خدش ونقص في الإيمان. فمن كمال الإيمان الإحسان إلى الجار، ومنه إكرامه إكرامًا حسيا ومعنويًا، إكرامًا قوليًا وفعليًا. كما أن كل أذية قولية أو فعلية أو هي تناهي الإيمان فهو ينقص هذا الإيمان. وأذية الجار أعظم من أذية المسلمين، يعني إذا كان من المسلمين، فإذا كان أذية المسلم معصية تشتد هذه المعصية إذا كانت في حق الجار. وللأحاديث الواردة في حق الجار كثيرة، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد له حق الجار والوصية به حتى ظن أنه سيورث من شدة ما أوصي من حقه. وهكذا كذلك أن من الإيمان بالله واليوم الآخر إكرام الضيف، فإكرام الضيف من الإيمان بالله واليوم الآخر، وأذية الضيف والتقصير في حقه نقص في الإيمان. وبه نعرف أن الإيمان فيه تخلية وتحلية، فهو يتحلى بخصال الخير والبر، ويذهب ويتخلى بنقصان هذه الخصال. وفي حديث أبي هريرة وحديث أبي شريح، وجاء في بعض الروايات كذلك في الصحيحين تقسيم الضيافة إلى ثلاثة أقسام، فللضيف جائزة وللضيف ضيافة وللضيف نافلة. فأما الجائزة فهو أول يوم يكرم فيه الضيف، وهو من الأيام الثلاثة التي يجب فيها إكرام الضيف، وسمي اليوم الأول جائزة تأكيدًا في إكرام الضيف. ومعنى الجائزة أي أنه يجاز بشيء زائد عن المعتاد، فيتوسع له بما يستطاع التوسع له به من إكرامه فوق المعتاد تأكيدًا من الشرع على إكرامه. وأما بقية الأيام الثلاثة التي يجب إكرام الضيف فيها فيكرم من المعتاد، فمثلًا إذا كان الإنسان طعامه المعتاد الرز والسمك، فيجب أن يكرم الضيف ثلاثة أيام من هذا المعتاد رز وسمك. وأما اليوم الأول فيجب عليه أن يجيزه بجائزة، يعني يخصه بشيء زائد عن المعتاد، يحاول أن يوسع على الضيف بقدر المستطاع بشيء زائد. فمثلًا إن كان يملك شاة يستطيع أن يذبحها بما لا يضر به ولا يضر بغيره، أكرمه بذبح هذه الشاة. أو كان عنده لبن يخص به نفسه أحيانًا ويستطيع أن يخص به الضيف دون أن يضر بنفسه وبغيره، فيسعى بهذا اللبن الزائد الذي هو زائد عن المعتاد. أو كذلك حسن الطعام بشيء من الفاكهة أو غير ذلك مما يستطيعه، فهو ينبغي أن يعطى به الضيف. وبه نعرف أنه ينبغي أن يعتنى بالضيف في أول الضيافة بما لا يكون في غيره من الأيام التالية. ولهذا خص النبي صلى الله عليه وسلم اليوم الأول بالجائزة، وهو ما يضاف ويزاد مما يمكن التوسع به مما هو زائد عن المعتاد. وأما بقية الأيام الثلاثة فهو مما يجب أن يكرم فيها الضيف، ولكن بالمعتاد. فإن زاد عن المعتاد فهو إحسان منه وفضل، فهو إحسان منه وفضل. وعلى هذا يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نهينا عن التكلف». ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التكلف، ما جاء في حديث سلمان وعمر رضي الله عنهما، معناه فيعلم أن التكلف المقصود هو الوسط بين هذين المفهومين، السنة يفسر بعضها بعضًا، لا إفراط ولا تفريط. وأما إكرام الضيف الذي هو نافلة فهو ما زاد عن الأيام الثلاثة أو ما زاد عن المعتاد في غير اليوم الأول، فما زاد عن ذلك فهو من النافل والفضل. فقد جاء في بعض روايات حديث أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعطاء الضيف جائزته، فقيل: ما جائزته يا رسول الله؟ كما جاء في لفظ الحديث الثاني، حديث أبي شريح، فقال: «جائزته يوم وليلة»، يعني يخص بشيء زائد عن المعتاد في يوم وليلة فقط. «والضيافة ثلاثة أيام»، يعني من هذا اليوم الذي فيه الجائزة، فيكون يومًا بعد يوم الجائزة. «فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه»، يعني ما وراء ذلك من جهة الزيادة على الثلاثة أيام، وما وراء ذلك فيما زاد عن المعتاد بعد يوم الجائزة، يعني الثاني والثالث. وفيه من المسائل كذلك أن من الإيمان بالله واليوم الآخر قول الخير والصمت عما سواه، ويلزم الصمت عما سواه الصمت عن ثلاثة أمور: عما حرمه الله، وعما كره الشرع الخوض فيه من كثرة القيل والقال ولو كان مباحًا، وهكذا كذلك عن كل ما لا ينفع، عن كل ما لا ينفع. ولهذا كان الصمت هو الأفضل إن لم يستطع أن يقول الخير، فصار مما ينافي الخير ثلاثة أمور: محرم، مكروه، وتوسع في مباح. فالصمت خير من التوسع في المباح، فضلًا عن المكروه والمحرم. وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى بابًا أورد فيه الحث على قول الخير ولزوم الصمت والحذر من آفة اللسان ونحوه. الإمام مسلم رحمه الله تعالى وأورد فيه هذا الحديث وما كان بمعناه من أحاديث. ولا يخفى أن اللسان من أعظم ما يورد الإنسان إلى المهالك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» وهذا يدل على خطر أمر اللسان. وكما قال بعض السلف: «يا ابن آدم، لسانك أسدك، إن أطلقته افترسك، وإن أمسكته حرسك». ومن حكمة الله عز وجل أن أعطى للإنسان لسانًا واحدًا وأذنين اثنين، كما قيل: لأجل أن يكون سماعه أكثر من كلامه، لأجل أن يكون سماعه أكثر من كلامه. ولكن الواقع أن أحوال الناس -إلا من رحم الله- العكس. والأحاديث الواردة في التحذير من آفات اللسان كثيرة، بل في كتاب الله عز وجل من هذا المعنى كثير. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.