الصحيح المسند من أسباب النزول  43

الصحيح المسند من أسباب النزول 43

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 43، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول الآية ودعاء أبي جهل الاستعجالي

يروي البخاري عن أنس بن مالك أن أبا جهل دعا الله بإنزال العذاب أو مطر الحجارة تكذيباً بالقرآن، فنزلت الآية ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ مبينة أن وجود النبي ﷺ مانع من العذاب الفوري. ويشير ابن كثير إلى أن دعاءهم يعكس جهلهم وعنادهم إذ كان الأجدر بهم طلب الهداية.

استعجال الكفار للعذاب ومانعية وجود النبي والصالحين

يستعرض المقطع استعجال المشركين للعذاب تكذيباً وعناداً مستدلين بآيات قرآنية، ويقرر أن وجود النبي ﷺ والصالحين بين القوم كان سبباً رئيسياً في تأخير العذاب ورفعه عنهم. ويؤكد أن وجود المصلحين في المجتمع يحول دون حلول العقوبة العامة.

أثر ترك الأمر بالمعروف في نزول العقوبة العامة

يبيّن المقطع أن السكوت عن المنكر وكثرة الخبث يؤديان إلى حلول العقوبة العامة حتى مع وجود الصالحين، مستشهداً بحديث زينب بنت جحش وحديث أبي بكر الصديق. ويؤكد أن وجود النبي ﷺ بينهم يمنع العذاب بفضل استغفارهم ووجوده المبارك.

تفسير الاستغفار في الآية: الوجه الأول للمشركين

يذكر المفسر أن للاستغفار المذكور في الآية وجهين، وأولهما أن المراد به استغفار المشركين لأنفسهم عند نزول العذاب أو استغفارهم العام. وسيُستدل على هذا الوجه بحديث ابن عباس أو نحوه من الآثار الواردة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه الصحيح المسند من أسباب النزول: سبب نزول قوله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد، قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، قال: حدثنا شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال أبو جهل: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم»، فنزلت ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ الآية. قال: الحديث أعاده، أي الإمام البخاري، من طريق شيخه محمد بن النظر، أخي شيخه أحمد في الحديث السابق، وأخرجه مسلم، وابن أبي حاتم، والواحدي في أسباب النزول. وهذا هو معنى قوله تعالى ﴿ وَإِذْ قَالُوا ﴾، يراد به أبو جهل، ﴿ إِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. قال الحافظ ابن كثير: هذا من كثرة جهلهم وعنادهم وعتوهم وشدة تكذيبهم، وهذا مما عيبوا به، وكان الأولى أن يقول، ماذا كان الأولى أن يقولوا: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا، فاهدنا ووفقنا لاتباعه»، هذا هو الصواب أن يقال هكذا. أما أن يقال: «إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة»، فهذا دليل على كثرة جهلهم وعنادهم وعتوهم وشدة تكذيبهم، فهم بهذا استعجلوا العذاب، استعجلوا العذاب، وهذا ما بينه ربنا عز وجل في كتابه عنهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ﴾، وقال في الآية الأخرى: «سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ»، نعم الآية: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴾، ثم قال: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا ﴾، وهكذا وهكذا. قال ربنا عز وجل عن قوم شعيب أنهم قالوا: ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾، فهذا قول من تغلغل الهوى في قلبه، وهذا قول من بلغ به التكذيب مبلغه، وإلا فكان الصواب أن يقول: «إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا ووفقنا لاتباعه». فلما قال أبو جهل ذلك نزلت الآية التي بعدها، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾، يعني: ما سينزل عليهم العذاب، وما ذاك إلا لمقام نبينا عليه الصلاة والسلام، إذ هو بين أظهرهم، إذ هو بين أظهرهم. وهنا فيه أن وجود الصالحين المصلحين سبب لرفع العقوبة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾، فوجود أهل الصلاح في المجتمع سبب لرفع العقوبة لأنهم يصلحون ما أفسد الناس، لا يكتفون بالصلاح في أنفسهم فحسب، لا يكتفون بهذا، وإلا لو اكتفوا بهذا لعمهم العذاب، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾، وكما جاء في حديث زينب بنت جحش، لما استيقظ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فزعاً وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا»، وحلق بين أصبعيه السبابة والتي تليها، فقالت زينب رضي الله عنها: «يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟» ماذا قال النبي عليه صلى الله عليه وسلم؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث». ما هو سبب كثرة الخبث؟ عدم القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن أهل الصلاح اكتفوا بصلاح أنفسهم ولم ينهوا قومهم ويقيموا قومهم بالنصيحة والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالعقوبة تقيمهم إذا سكت أهل الخير ولم ينكر المنكر. وجاء أيضاً في سنن أبي داود من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه صعد المنبر، منبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قال: «يا أيها الناس، إنكم تقرؤون آية أو تقرؤون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، يعني تفهمونها على غير فهمها الصحيح، وهي قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾»، ثم قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده، بعقاب من عنده»، والإسناد حسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فإذا وجود الصالحين سبب لرفع العقوبة، فكيف بوجود نبي الله عز وجل بين ظهرانيهم؟ فالله عز وجل يمنع عنهم العذاب: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾. فسر الاستغفار بأمرين اثنين: الأمر الأول: أن هذا الاستغفار من المشركين أنفسهم، كما سيأتي معنا في حديث ابن