تفسير سورة البروج من تفسير الجلالين 1

تفسير سورة البروج من تفسير الجلالين 1

الدرس في تفسير سورة البروج من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في تفسير سورة البروج

يبدأ المقطع الأول بتفسير سورة البروج، حيث يشرح معاني الآيات الأولى مثل "والسماء ذات البروج" و"اليوم الموعود". يوضح أن البروج تشير إلى الأبراج في السماء واليوم الموعود هو يوم القيامة.

تفسير الآيات المتعلقة بأصحاب الأخدود

يفسر المقطع الثاني الآيات الخاصة بأصحاب الأخدود، موضحًا أن الآيات تشمل كل من آذى المسلمين وعذبهم، ويستشهد بقصص تاريخية وقصة الغلام والساحر والراهب.

تفاصيل قصة الغلام والملك

يروي المقطع الثالث قصة غلام آمن بالله وشفى أعمى، مما أثار غضب الملك، فعذبه حتى دل على الراهب ثم قتله بعد أن أشار على الملك بطريقة قتله، فآمن الناس برب الغلام بعد وفاته.

ختام الحديث عن سورة البروج وتطبيقاتها

يختتم المقطع الأخير الحديث عن سورة البروج، مشيرًا إلى أن الحكم فيها يشمل كل كافر تسلط على المسلمين، ويعد بمواصلة الحديث في الغد.

  • 29 جمادى الأولى 1447هـ - 19/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة البروج مكية، وآياتها اثنتان وعشرون آية. فقوله رحمه الله تعالى: سورة البروج، هذا أوان الشروع في تفسير هذه السورة، يقال عنها سورة البروج، ويقال عنها أيضًا سورة السماء ذات البروج، كما ثبت ذلك من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العشاء بالسماء ذات البروج، هكذا أسماها بالسماء ذات البروج. وقوله رحمه الله تعالى: مكية، هذا بالإتفاق. قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم والسماء ذات البروج﴾، والسماء أسلوب قسم، والله عز وجل يقسم بالسماء ذات البروج، وربنا عز وجل يقسم بما شاء من خلقه. قال: والسماء ذات البروج للكواكب اثني عشر برجًا تقدمت في الفرقان. اختلف العلماء في معنى ﴿والسماء ذات البروج﴾، أي صاحبة البروج، ما المقصود بالبروج؟ الأصل في كلمة بروج أنها تطلق على معنى الظهور والبروز، يطلق على القصر الكبير وعلى القلعة الشامخة بأنها برج، ولا زالت الفنادق الضخمة يقال عنها أبراج، لماذا؟ لأن في هذا المعنى الظهور والبروز، ومنه كذلك يقال للمرأة إذا أسفرت عن شعرها قالوا: تبرجت، هذه امرأة متبرجة، ومنه التبرج، لماذا؟ لأن فيه ظهور لمحاسنها مما ينبغي أن يظهر. فالشاهد أن كلمة البروج في اللغة العربية تأتي بمعنى الظهور والبروز، وهنا ما معنى إذن البروج في هذه الآية؟ جاءت عدة تفاسير للعلماء، ويرجع في ذلك للمطولات، لكن حسبنا أن نذكر ما أشار إليه المؤلف، قال: البروج أي الكواكب اثني عشر، الكواكب اثنا عشر برجًا، المقصود بالبروج هنا هي المنازل العالية في السماء، وهي الأبراج الاثنا عشر، وهذا القول ذهب إليه كثير من العلماء، بل إمام ابن كثير رحمه الله تعالى نسبه إلى ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي. وقالوا أن معنى السماء ذات البروج أي السماء صاحبة النجوم، صاحبة النجوم ومنازلها، إذ أن للنجوم مسارات يعرفها أهل الشأن، أهل الهيئة والفلك، من ذلكم الثور والجوزاء والعقرب والقوس والدلو والحيتان والأسد إلى غير ذلكم، هذه مسارات، لكن للأسف الكثير من الناس من فعلها في قضية التنجيم في معرفة الوصول لعلم الغيب، وهذا باطل فاسد، النجوم ومواقع النجوم لم تجعل لهذا، وإنما جعلت لأن تكون مسارات لهذه الأفلاك، وبها يتأمل الإنسان إلى عظيم خلق الله جل في علاه. قال: ﴿والسماء ذات البروج﴾، للكواكب اثني عشر برجًا تقدمت في الفرقان. قال: ﴿واليوم الموعود﴾، هذا قسم ثاني، أقسم ربنا عز وجل باليوم الموعود، قال: يوم القيامة، المقصود باليوم الموعود يوم القيامة، وسمي بهذا بالموعود لأن الله وعد جل في علاه أنه سيجمع جميع الخلائق فيه، وهذا وعد غير مكذوب منه جل في علاه. وهذا المعنى وهذا التفسير بأن اليوم الموعود هو يوم القيامة، هذه كلمة تكاد تكون متفق عليها بين المفسرين، أشار إلى هذا الاتفاق الإمام القرطبي رحمه الله، وهكذا ابن كثير رحمه الله تعالى، قال: ولم أرهم يختلفون في ذلك، قال: ولم أرهم أي المفسرين يختلفون في ذلك عن أن المقصود باليوم الموعود هو يوم القيامة. قال: ﴿وشاهد ومشهود﴾، قال: وشاهد يوم الجمعة، ومشهود يوم عرفة، أقسم ربنا عز وجل بالشاهد والمشهود، ما المقصود بالشاهد؟ وما المقصود بالمشهود؟ وهذه الآية في الحقيقة وقع فيها الخلاف الكبير الطويل بين العلماء وبين المفسرين في معرفة ما المقصود بالشاهد وما المقصود بالمشهود، وما النظر إلى المطولات يعلم بحقيقة الخلاف الحاصل. والمؤلف رحمه الله اختصر لنا اختصارًا فقال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، قال: كذا فسرت الثلاثة في الحديث، فسرت الثلاثة في الحديث، وأي حديث يعنيه؟ الحديث الذي يعنيه ما جاء في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة»، نعم جاء حديث بهذا اللفظ، لكن فيه ضعف، إلا أن الألباني رحمه الله تعالى حسن هذا الحديث بمجموع طرقه، حسن هذا الأثر وهذا الحديث بمجموع طرقه، ولهذا الكثير من العلماء يعول على هذا الحديث، وبهذا يفسر الآيات التي سمعتموها، فيفسر الأول الموعود بأنه القيامة، والشاهد بأنه الجمعة، والمشهود بأنه يوم عرفة. ثم فسر رحمه الله تعالى، قال: فالأول موعود به، أي أن القيامة موعود بها، والثاني وهو يوم الجمعة شاهد بالعمل فيه، لماذا الجمعة تشهد؟ لأن الجمعة يوم معظم مشرف، حث ربنا عز وجل على كثرة الأعمال فيه، ففيه إقامة الصلاة، وفيه قراءة القرآن، وفيه ساعة استجابة، ولهذا كدست الأعمال الصالحة في هذا اليوم، فهذا اليوم يشهد لأصحابه، يوم الجمعة يشهد لأصحابه ممن قام بحقه. قال: والثالث وهو يوم عرفة، ووصف باليوم المشهود، قال: تشهده الناس والملائكة، أي في هذه المنزلة العالية، وفي ذاك اليوم المنيف، يوم عرفة يشهده الناس، وأيضًا تشهده الملائكة. قال: وجواب القسم محذوف، صدره تقديره لقد قتل، أي هذا الأقسام على ماذا؟ على ما سيأتي من هذه الآية، وهي قتل أصحاب الأخدود. قال: ﴿قتل﴾، لعن، هذا معنى قتل في اللغة، تأتي بمعنى اللعن وتأتي بمعنى الهلاك، قتل أصحاب الأخدود، قال: الشق في الأرض الأخدود، حقيقة في اللغة هو شق يكون في الأرض، شق، وجمعه أخاديد، وقصة الأخدود هذه أي أن الله عز وجل يذكر أن لعنته تنزلت على أصحاب الأخاديد، ومن هم؟ من أهل العلم من أشار إلى حوادث وقعت في أرض اليمن، ومنهم من أشار إلى حوادث وقعت في أرض الشام. والصحيح في هذه المسألة أن هذه الآية عامة في حق من تسلط على أهل الإسلام وعلى الموحدين، فسامهم سوء العذاب حتى وصل به الأمر والنكال بأهل الإسلام أن شق لهم الأخاديد، فأشعلها بالنيران، ثم بعد ذلك خيّرهم بين الكفر وبين الإسلام، فإن أصروا على الإسلام دفهم في النار، هؤلاء لعنوا، من شق الأخاديد ومن ابتلى أهل الإيمان في أي زمن كان، فإنه يدخل في هذا الحكم ملعون، قتل أصحاب الأخدود، أي كل من شق النار وأشعل النار وخد الأخاديد لأهل الإيمان. ولا زال نسأل السلامة والعافية، لا زال إشعال النيران في أهل الإيمان لا زال مستمرًا، لا زال الأخبار تأتي كما حصل قريبًا في بورما، وهكذا يحدث في بلاد قريبة من بلاد أفريقيا، كان يتتبعون المسلمين في بعض القرى، فإذا ضفروا بهم خيّروهم إما الرجوع والنكول عن الإسلام والدين، وإما يحرقون، فكانوا يحرقون أحيانًا أحياء، يربطون ثم تطع عليهم هذه المواد المشتعلة البترول، ثم يشعل بهم النار، وقد جاء ذلك في وسائل الإعلام من باب التنكيل بأهل الإسلام والمسلمين، هؤلاء يدخلون في الآية، فلا تظن أن هذا الحكم خاص بزمن، بل هو مستمر، لعن قتل أصحاب الأخدود، لعن أصحاب الأخدود، فكل من تفنن في قتل الإسلام بقتل المسلمين بإشعال النيران وحفر الأخاديد، فإن الآية تدخله ويدخل في زمرتها. ومن هؤلاء أيضًا ما جاء في صحيح مسلم في القصة الطويلة، حديث صهيب رضي الله تعالى عنه، حين أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم عن قصة فيها عبر وفيها عظة، لكن المقام لا يسع بذكرها، لكن حسب الاختصار في بيان موضع الشاهد منها أن ملكًا كافرًا كان عنده ساحر يستعين به، فالساحر كبر سنه، فطلب من الملك أن يأتي له بغلام يعلمه فنون السحر حتى يخلف من بعده. فأتي بغلام يتعلم عند الساحر، إلا أن هذا الغلام كان إذا مر على الساحر كان يمر على كاهن تعرف عليه، وفرق بين الكاهن من أهل الإيمان وبين الساحر من أعوان الشيطان، فكان هذا الغلام يمر على الراهب أولًا فيتعلم منه، وأعجب بكلامه وأعجب بما يدعو إليه، ثم يذهب إلى الساحر. وأخذ فترة على الزمن، وصالت وقائع إلى أن جاء فترة من الفترات دابة عظيمة، دابة عظيمة اعترضت على الناس طريقهم، ما استطاعوا الناس أن يمروا ويتجاوزوا الدابة، فقام هذا الغلام بعدما تعلم من الراهب وتعلم من الساحر، ولا أحد يدري الساحر من يدري بأن هذا الغلام يتعلم، فكان بالسر ولا أحد تأهله ما كان يدرون أنه يتعلم عند الراهب. في هذا اليوم قام الغلام، قال: اليوم سأعلم أي ما أحق وأفضل عند الله، الساحر أم الراهب؟ أخذ صخرة وحصى، فقال: اللهم إن كان الراهب على الحق فاقتل هذه الدابة، فرماها بصخرة، فماتت الدابة، فعلم هذا الغلام على أن الراهب على الحق المبين، فتمسك به وترك الساحر، ولم يأتِه، بل أخبر الغلام الراهب بما وقع له من هذه الحادثة. فحينها تنبأ الراهب بأنك قد بلغت مبلغًا عظيمًا، وبأنك أصبحت أفضل مني، هذا أمر أراده الله عز وجل، قال: ستبتلى، لكن إذا ابتليت فاصبر، ولا تدل علي، انتبه لا تدل الناس علي، فالأمر كما قال الراهب، ارتفع شأن الغلام، أصبح يبرئ الأكمة والأبرص، ويداوي المرضى. هنا في مجلس الملك كان هناك رجلًا أعمى جليس الملك، أعمى سمع بهذا الغلام الذي يشفي الأمراض والأوبئة، فذهب بعدما جمع الأموال الضخمة، وجليس الملك أتى بهدايا، فدخلها على الغلام، فقال: الراهب ما هذا؟ قال: هذا لك إن شفيتني، لأن الجليس الملك أنا أعمى ما يرى، قال: هذه لك إن شفيتني، قال: الشافي هو الله، الشافي هو الله، فإن شئت آمنت بالله ودعوت الله لك فشفاك، فأسلم وآمن، فدعا الله، فرد الله عليه بصره، فرجع هذا الجليس إلى الملك، فاستغرب الملك تبصر، قال: نعم، قال: من الذي رد بصرك؟ قال: ربي، قال: ألك رب سواي؟ قال: ربي وربك الله. فحينها قام الملك بتعذيب هذا الجليس حتى اعترف بالغلام، فعذب الغلام حتى اعترف، فدل على الراهب، فأتى بالثلاثة في قصة طويلة، فقتل الجليس وقتل الراهب، فأبقى الغلام، فأمر بالغلام أنه يقذف من رأس جبل، ما استطاعوا، أمر بأن الغلام يرمى في البحر، ما استطاعوا، كما قلنا قصة طويلة، أحاول أن أختصر. فكان يأتي الغلام بنفسه إلى الملك، يسأله أين أصحابي؟ قالوا: قد كفاني الله قد كفاني الله شرهم وأهلكهم، فيأتي بعد كل موقف يأتي هذا الغلام بنفسه، يأتي إلى الملك يتحدى، ثم قال لهم يأسًا: إنك لن تقدر على قتلي، لا تفكر بأي طريقة، لا جبل ولا بحر، لن تستطيع أن تقتلني إلا إذا فعلت ما آمرك به، فريد قتلي، أنا سأعطيك الطريقة، فقال: وما هي؟ قال: تصلبني على جذع نخلة على شجرة، ثم تأخذ سهمًا من كنانتي، ثم ترميني به بعد أن تقول: بسم الله رب الغلام، واجمع واجمع الناس حتى يشهدوا على قتلي. فقام هذا الملك المتهور المتغطرس، ففرح بهذه الطريقة لكي يتخلص من هذا، وجمع القرية كلها، البلدة، ثم صلب الغلام، وأخذ سهمًا من كنانته، ودى أدخل السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه، فأصابه في قلبه، فقتله، هل انتهى الأمر؟ لا، ما قام به الملك من حيث لا يشعر، في الحقيقة أنه دعا إلى الله، شعر بهذا أو لم يشعر، فالقرية كلها صاحت عن بكرة أبيها: آمنا برب الغلام، لأنه قد اعترف بلسانه، ما أراد هذا، لكن من غير الشعور، لما تبع الخطوات، وكان هذا الغلام ذكي، صحيح يعني قدم روحه تضحية لله، لكن في المقابل أنه أحيا الله به البلاد والعباد. فلما فعل هذه الفعلة وقتل، وضجت البلدة لما سمعوا باسم رب الغلام، هناك رب للغلام وأنه الله، آمن به، فحينها جن جنون الملك، فأمر بحفر الأخاديد، بحفر الأخاديد، وأن تشعل بالنيران، كما قلنا هذه من السنن الخبيثة، وقد مضى معنا التذكير في قصة إبراهيم عليه السلام، عندما أرادوا أن ينتقموا منه، قالوا: فألقوه في الجحيم، أشعلوا نارًا، هذه النار لماذا النار؟ لأن النار عند صاحب الانتقام إذا أراد إنسانًا ينتقم من إنسان، لن يجد مثل النار، لأن النار تعذب كل شعرة من شعرات جسد هذا الذي ستنتقم منه، بخلاف السيف ستريحه، أو رصاصة ستتخلص منه، لكن الناس ستشتعل في كل شيء، بدءًا بجلده ثم بلحمه، من رأسه إلى أخمص قدميه. ولهذا الكفار من أعظم ما يتفننون به في تعذيب أهل الإسلام إشعال النيران، فقام هذا الملك الجائر بحفر الأخاديد، ثم أمر القرية أن توضع جميعًا على شفاء الأخدود، من رجع ترك، وإلا أقحم في النار، لكن الناس استمروا على الإيمان، فكان يخذفون تباعًا، وكلهم قد ماتوا على إله واحد، جاء في رواية مسلم أن امرأة تلكأت، امرأة ترجع، لأن معها صبي كانت تحمله، فإذا بالصبي أنطقه الله، قال: «يا أماه يا أماه، لا تخافي، إنك على الحق، إنك على الحق»، فألقت نفسها مع صبيها. فشاهد إخواني هذه القصة، نعم تدخل في هذا الحكم، قتل أصحاب الأخدود، فالشاهد أن هذه الآية تتحدث عن كل كافر تسلط على أهل الإسلام والإيمان، نكتفي إلى بهذا الحديث، وإن شاء الله في يوم غد نواصل الحديث عن سورة البروج، فأسأل المولى جل وعلاه أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.