الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 266، ألقاها
يتناول هذا الفصل مكانة عفان بن مسلم في علم الحديث وتثبته في رواية الأحاديث. أثنى عليه العلماء مثل الإمام أحمد ويحيى بن سعيد القطان لدقته في الرواية.
يتناول هذا الفصل حديث أبي ذر وتصرف الصحابة بالمال، حيث كانوا يتصدقون بعطائهم من الديوان. كما يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحذر من ادخار المال الفاضل.
يشرح هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول جواز الاحتفاظ بالمال والتصدق بالفاضل منه، ويبين اختلاف فهم الصحابة للحديث بين التحذير من كنز المال والاحتفاظ به لمواجهة الحاجات.
تم في هذا الفصل ذكر ما يتعلق بالحديث والاكتفاء به، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم بالصواب.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عفان، وهو ابن مسلم، عفان بن مسلم الباهلي، أبو عثمان البصري، وهو من الثقاة المتثبتين، كان من أشد الناس تثبتا. قال الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت، فأثنى عليه العلماء كثيرا، حتى إن أخي ابن سعيد القطان -وهو ذلك الجبل في الحديث- كان رحمه الله لا يرجع عن روايته لرواية أحد إلا لرواية عفان، فكان يترك قوله لقول عفان، وهذا شهادة عظيمة، وأيضا تعديل عظيم من الإمام أبي ابن سعيد القطان لعفان. كان يتركه إذا خالفه عفان رجع إلى قول عفان، مثل ما كان يفعل حماد بن زيد، يرجع إلى قول شعبة. فكذلك أبو ابن سعيد يرجع إلى قول عفان. وهؤلاء أهل البصرة هم من أكثر الناس ثبتا؛ لأن كانوا يكتبون، فكانوا يثبتون حديثهم. كان عفان إذا شك في حرف في الحديث ترك الحديث كله، لا يحدث به لأجل كلمة واحدة، وحرف في الحديث. فلهذا أطمع الناس فيهم، وإلى تثبتهم، حتى يقول يحيى بن سعيد: إن عفان لم يخطئ في حديث، قال: إن عفان لم يخطئ في شيء من الحديث إلا في حديث واحد، وكنت أعرف سبب خطأه. وقال الإمام أحمد رحمه الله: كان يسمي عفان وحبان وبهز، كان يسميهم أهل الشكل والنقط. أول ثلاثة من أهل البصرة: عفان بن مسلم، وحبان بن هلال، وأيضا الثالث بهز بن أسد رحمه الله، كانوا أول ثلاثة يسميهم الإمام أحمد أهل التثبت والنقط، أو أهل الشكل والنقط. وكان لا يرجح بينهم الإمام أحمد، كان لا يرجح بينهم. وكذلك أيضا أبو زكريا يحيى بن معين كان لا يرجح بين هؤلاء الثلاث. وكان يحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني يرجحون عفان عليهم، يرجحون عفان عليهم. قال يحيى بن سعيد: اختبرتهم -أي ثلاثتهم- فأدخلت على حبان، وأيضا كذلك بهز. وأما عفان فلم استطع أن أدخل عليه، أنا يدخل عليه بعض الحديث يأتي به بغير إسنادي الصحيح. فلهذا يحيى بن سعيد فضل عفان على حبان وبهز بن أسد. ولهذا لما اختلطت على جرير بن حازم أحاديث عاصم عن زر، أو عاصم وزر -أقصد أحاديث عاصم عن أبي وايل وعاصم عن زر بن حبيش- اختلطت على جرير بن حازم، حتى جاءه بهز فميزها له، حتى جاءه بهز بن أسد ميزها له. قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا همام، وهمام بن يحيى العودي من حفاظ أهل البصرة كذلك. وكان عفان من أمثل الناس به، كان عفان من أمثل الناس به. وكان يحدث من حفظه رحمه الله في بداية أمره، ثم إنه مرة قال له عفان: لعل هذا خطأ -يعني يقول لشيخه- لعل هذا الحديث، لعل هذا الحديث أخطأت فيه. فقال: لا لم أخطأ. فقال: لعله تعذبا، لم يواجهه بأنه أخطأ مباشرة أو جزم بالخطأ. فرجع همام إلى كتبه، ثم خرج لكتبه بعد أن راجع كتبه، فقال: يا عفان، قد كنا نخطئ كثيرا، وأستغفر الله. ومن ثم بعد ذلك لا يحدث إلا من كتبه. ولهذا يقال: إن همام حديثه الأخير أفضل من حديثه الأول. همام حديثه الأخير أفضل من حديثه الأول. وبعضهم يقول: اختلط بأوله، وهذا ليس بصحيح. همام لم يختلط، وإنما كان يحدث من حفظه، فغلطا، ثم لزم كتابه. قال: حدثنا قتادة، وابن دعامة أبو خطاب السدوسي الحافظ الكبير، أولد أكمه، لكن أعطاه الله عز وجل الحفظ. كان إذا لم يحفظ أخذه العوين، أن إذا حفظ أراد أن يحفظ شيئا ولم يحفظه أخذه العوين، معناه يصوت حتى يحفظ هذا الشيء. قال عن سعيد بن أبي الحسن، وهو سعيد بن أبي الحسن البصري، مولى زيد بن ثابت، وهو أخو الحسن أخو الحسن بن أبي الحسن البصري، أبو سعيد. وهذا أخوه وهو ثقة. وأبو حاتم يقول: إنه يكتب حديثه ولا يحتج به، لكن الصحيح الذي عليه أئمة العلم أنه ثقة بالزرقي، وثقه أيضا بمدينة وغيرهم. ولهذا قال الحافظ: إنه ثقة، ولم يذكر شيئا آخر. قال عن عبد الله بن الصامت، عبد الله بن الصامت هو أخو أبي ذر بن أخي أبي ذر الغفاري، عبد الله بن الصامت الغفاري، وهو ثقة كذلك. أخرج له مسلم، ولم يخرج له البخاري. البخاري لم يخرج حديثه عن أبي ذر، إنما أخرج حديثه لإمام مسلم رحمه الله. قال: إنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه -ومعه جارية له- فجعل تقضي حوائجه. قال: فضل معها سبع -معنى تقضي حوائجه يوصيها- خرج عطاه، معنى من الديوان أعطوه نصيبة، فأمر الجارية أن تعطي فلانا وتعطي فلانا، معنى أنها تقسمه. وهكذا كان دائما الصحابة. ولهذا جاء عند ابن أبي شيبة وأحمد أن عمر رضي الله عنه قال لرجل عنده: اذهب إلى معاذ وأعطيه هذا المال، وقل له: هذا أعطاه، وانظر ماذا يفعل. ثم أيضا أرسل إلى أبي موسى أيضا كذلك مثله. قال: فجئت إلى معاذ فأعطيته المال، فقال: يا جارية، أعطي فلانا واذهبي وأعطي فلانا. قال: حتى كاد أن ينفذ المال، فقالت له زوجته: ونحن ماذا تعطينا؟ نحن ما عندنا شيء. وحالهم ما عندهم شيء. فقال: بقي هذا فهو لكم. وكذلك فعل أبو موسى. ورجع هذا الرسول الذي أرسله عمر رضي الله عنه يخبر عمر بذلك. قال: هم إخوة كلهم سواء، معنى أنهم -عمر رضي الله عنه- يعرف أن هؤلاء كانوا على ذلك الأمر، كانوا أهل خير، لا يمسكون شيئا من هذه الأموال، وإنما يتصدقون بها. فهم يعطون عطاءهم من الديوان ويتصدقون به. وكان أبو ذر أيضا يفعل ذلك، لكن هناك أمر إن شاء الله سنذكره: أن أبا ذر كان يوجب هذا الأمر أن يجعله واجبا، بخلاف الصحابة، بخلاف الصحابة الآخرين. قال: فجعل تقضي حوائجه، قال: فضل معها سبع، فأمر أن تشتري به فلوسا -أي حتى هذه الدنانير تكون فلوسا يحتاجها إلى التفرقة وللصدقة-. قال: قلت له: لو ادخرته؟ يقول له عبد الله بن الصامت: لو ادخرته للحاجة تنهبك أو للضيف ينزل بك. وكان أبو ذر في الربذة، والربذة هذه منطقة بين تبوك والمدينة، بين تبوك والمدينة، فكان ينزل فيها أبو ذر، بل كانت حياته أكثرها فيها من عهد عثمان. عثمان أشير إليه بذلك، أراد أنه يخرج لما حصل بينه وبين بعض الصحابة رضي الله عنه. فالمهم اختار له أن يخرج، فخرج رضي الله عنه إلى الربذة. فقال له عبد الله بن الصامت ابن أخيه: لو ادخرته للحاجة تنهبك أو للضيف ينزل بك. فقال رضي الله عنه: إن خليلي عهد إليه -وهذه الكلمة دائما يكررها أبو ذر رضي الله عنه- كان دائما يقول: أوصاني خليلي، وقال لي خليلي، ويريد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. قال: إن خليلي عهد إليه: أن أيما ذهب أو أيما فضة أوكي عليه فهو جمر على صاحبه -أي أوكي عليه يحفظه-. قال: حتى يفرغه في سبيل الله عز وجل. قال: هذا حديث صحيح. وقال الإمام محمد: حدثنا يزيد -وهو ابن هارون أبو خالد الواسطي- قال: أكبرنا همام بن يحيى به. فهذا الحديث صحيح، ولم يخرجه أحد من الأمهات الست. وفي المسند حديث كثيرة من هذا القبيل أنفرد بها أحمد رحمه الله. وهذا يدل على فضل المسند وأنه كتاب لا يحتاج الناس إليه ولا يستغني عنه طالب علم، بل الأمة لا تستغني عن هذا الكتاب. ففيه حديث ليست موجودة في الأمهات الست، ومنها هذا الحديث، وهو بإسناد صحيح على شرط الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله. فهذا الحديث الآن يقول أبو ذر رضي الله عنه: بعدما وزع ما كان معه، يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيما ذهب أو فضة أوكي عليه -أو ضلق عليه، معنى حفظ- فهو جمر على صاحبه، حتى يخرجه في سبيل الله عز وجل. معنى هذا: أن من كان عنده مال لا يجوز له أن يحفظه، لا يجوز له أن يحفظه إذا كان فضلا، وإنما يخرجه في سبيل الله. والظاهر أن هذا كان قبل، أن هذا كان قبل في بداية الأمر، لما كان الناس أو أهل الناس يتوافدون إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن الفضل. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن في بعض الأحاديث: أنه لا بأس للإنسان أن يدخر مالا، بل في نفس الحديث الذي جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: فقال: لو أن رجلا له مال مثل جبل يحد، فلا يصبح عليه الصباح إلا وهو ينفقه، وإلا كانت جمرا على صاحبها، إلا دينارا أو دينارين أو ثلاثة يرصدهما لدين -يرصدهما لدين-. فهنا في هذا الحديث إرصاد هذا الدين، أو لدين، معناه الظاهر أن الرصد هذا ليس لدين معروف. ولو كان لدين معروف لأمر أو لقال النبي صلى الله عليه وسلم: يرصد مالا للدين، لكن جعل دينارا أو دينارين، وهذا مما يدل على أن الإنسان ممكن أن يحفظ بعض ماله في هذا الحديث. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للناس أن يحفظوا أموالهم، وأنهم يتصدقوا فقط من أموالهم، يتصدقوا من أموالهم ويزكوا بها، لما فتح الله عز وجل على الناس بعد خيبر، وكذلك بعد الفتوحات. فوسع النبي صلى الله عليه وسلم على الناس، وقال: «من ترك مالا فلورثته»، كما جاء في صحيح البخاري، في عهد هريرة: «من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا فهو عليه، من ترك دينا فهو عليه». فدل هذا الحديث أن الإنسان قد يترك المال، قد يترك المال، وهذا ماله يجعله لورثته. فلهذا كان الصحابة يخالفون أبا ذر في هذا في هذه المسألة. ولهذا جاء في الصحيحين عن الأحنف بن قيس قال: كنت جئت المدينة، فجلست عند ملأ من قريش، فجلست عند ملأ من قريش. قال: فوقف رجل شديد غليظ -معنى غليظ اليدين والرجلين، معنى لأنه جاء من البادية- هو أبو ذر رضي الله عنه. فوقف عليهم وقال: سمعت خليلي يقول: «بشر الكنازين بالنار يوم القيامة». وكما قال رضي الله عنه. ثم إنه ذهب إلى مكان وجلس في ظل واستضل. قال: فقال له الحنف: فجئته وقلت له: لأن القوم حدثتهم بهذا فكره حديثا. وهؤلاء القوم كانوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الروايات. قال: فكره حديثا، وثم قال: قلت له: فمن خليلك هذا؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: يا أبا ذر، ثم ذكر الحديث الذي ذكرناه قبل. فهذه الحادثة تدل على أن كثيرا من الصحابة ما كانوا يوافقون أبا ذر على رأيه وعلى قوله. وكذلك أيضا عثمان رضي الله عنه، أكثر المسألة التي أخرجها من أجله، ونصحه أنه يخرج هذه المسألة، وبعض المسائل الأخرى أيضا. فالمهم أن أبا ذر رضي الله عنه سمع ذلك من رسول الله، فأخذه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن بيّن له بعض الصحابة أن هذا كان قبل، أو بل جاز النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يحتفظ بماله. ولهذا كان أبو ذر ينسي بعض الصحابة إلى الدنيا. قال: هؤلاء أهل دنيا، لما قال له الحنف: فإنهم كرهوا ما قلت. قال: لأنهم أصحاب دنيا، يعني يكنزون المال. لأجل أنهم أصحاب دنيا. فلهذا كما قلنا: إن الإنسان له أن يتصدق بفضل ماله، وهو أفضل له وأنجع له. وقد تحمل هذه الأحاديث ليس من باب النسخ، وإنما تحمل كما قال بعض العلماء كالحافظ وغيره: أنها تحمل على أن إبقاء المال يعرضك للفتن. إبقاء المال يعرضك للفتن. لماذا؟ لأن المال هذا إذا بقي أنفقته أحيانا في قد يكون في المعصية، وقد يكون أيضا في ما لا فائدة فيه، فيرجع عليك بالإثم، يرجع عليك بالإثم. ولهذا من الأسئلة التي يسأل عنها العبد يوم القيامة عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ فلهذا يسأل الإنسان عن ماله. فنفقته هذا المال ممكن أن الإنسان ينفقها في غير أو ما يعود عليه بالإثم، ما يعود عليه بالإثم. فلهذا فبقاؤها كان جمرا على صاحبه، كأنه جمر على صاحبه، حتى ينفق هذه الأموال، ينفقها في الحلال أو ينفقها في سبيل الله جل وعلا. وإلا كانت غالبا أنها تنفق مثلا أو إذا أنفقت في غير مرضات الله، بل في المعصية أو فيما لا ينفع، كانت تعود على صاحبها بالوزر. وحملت الحديث هذه عن أبي ذر على هذا. وإلا فالصحيح الذي عليه عامة الأمة: أن الإنسان له أن يمسك من ماله، ولا حرج في ذلك، ويحتفظ بماله. لكن الأفضل أنه يتصدق بما فضل من ماله. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: «أنت صدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر». قال: «تخشى الفقر وتأمل الغنى». فهذا الحديث يدل على أن الإنسان يخرج هذه الصدقة وهو محتاج لها، أفضل الصدقة أن تخرجها وأنت محتاج لها، محتاج بهذا المال. فإنك تخشى أن تأتي أيام لا تجد هذا المال، تخشى الفقر وتأمل الغنى. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث، ونكتفي به. والله تعالى أعلم.