كتاب المساجد ومواضع الصلاة 64

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 64

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 64، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تأخير صلاة العشاء وتخفيفها في السنة النبوية

كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر صلاة العشاء ويخففها مراعاة للمصلين، ويقرأ بقصار سور المفصل. هذا يدل على مراعاة النبي لضعفاء المصلين وكبار السن وذوي الحاجات.

تسمية صلاة العشاء وتوجيهات حولها

يستحب تسمية صلاة العشاء بهذا الاسم لأنها تسميتها في القرآن، وكان النبي يقرأ فيها بسور المفصل. نهى النبي عن تسميتها بالعتمة مع جوازها في حالات معينة.

حكم تسمية صلاة العشاء بالعتمة وتوضيح سببها

النهي عن تسمية صلاة العشاء بالعتمة هو للتنزيه، ويعود سبب هذه التسمية إلى عادة الأعراب في حلب الإبل ليلاً. يجوز التسمية بها في حالات خشية اللبس أو لتحقيق مصلحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا أبو الأحوص، وهو سلام بن سليم، ثقة متقن، قال: عن سماك، وهو ابن حرب، وهو صدوق إلا في روايته عن عكرمة، فإن فيها اضطرابًا، قال: عن جابر بن سمرة، وابن جنادة، صحابي ابن صحابي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر صلاة العشاء الآخرة. وحدثنا قتيبة بن سعيد، وأبو كامل الجحدري، قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح، عن عبد الله اليشكري، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصل الصلوات نحوًا من صلاتكم، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئًا، وكان يخفف الصلاة. وفي رواية أبي كامل: يخفف. هذا حديث جابر بن سمرة، فيه ما تقدم من أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤخر صلاة العشاء شيئًا ما، قال: كان يصل الصلوات نحوًا من صلاتكم، يعني في الأوقات، في هذه الأوقات التي تصلون فيها الصلاة، ويؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئًا، يعني بمعنى أنه كان يؤخرها شيئًا يسيرًا عما كان عليه الناس في ذلك الوقت وفي ذلك الزمن من تعجيلها في أول الوقت. قال: وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئًا، وكان يخفف الصلاة، أو يخف الصلاة، بمعنى أنه لا يطيل في صلاة العشاء، بل كان يخفف، فيقرأ بقصار أوصاف المفصل، كما أمر معاذًا رضي الله عنه لما اشتكى ذلك الفتى منه لما أطال، وقرأ بسورة البقرة في صلاة العشاء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فاتل أنت يا معاذ، إذا صليت بالناس، فاقرأ بالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الضعيف والكبير، ذو الحاجة». فهذه السور أوصاف المفصل، كـ«الشمس وضحاها»، و«الليل إذا يغشى»، و«سبح اسم ربك الأعلى»، ونحوها من السور، هي التي تقرأ، يعني يستحب قراءتها في صلاة العشاء، فتكون القراءة في صلاة العشاء خفيفة، هذا معنى «وكان يخف الصلاة»، أي لا يطولها في صلاة العشاء. وحدثني زهير بن حرب، وابن أبي عمر، وهو عبد الله، قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي، عن ابن أبي لبيد، وهو عبد الله أبو المغيرة المدني، عن أبي سلمة، ومن عبد الرحمن، عن عبد الله، ومن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل». وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان، هكذا عندكم وكيع، حدثنا وكيع، أو سفيان وكيع بعد أبي بكر بن شيبة وكيع، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، سفيان بن سعيد، عن ابن عبد الله، عن مسعر الثوري، عن عبد الله بن أبي لبيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنهم يعتمون بحلاب الإبل». هذا الحديث فيه أنه عن تسمية العشاء بالعتمة، «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم»، يعني صلاة العشاء، على أنها العشاء، يعني صلاة العشاء تسمى بصلاة العشاء، كما أخبر الله عز وجل في القرآن، في قوله: «من بعد صلاة العشاء». وهم يعتمون في الإبل، أي الأعراب، يعني من عادتهم أنهم يعتمون، أي يؤخرون حلب الإبل، حتى يشتد الظلام، وإنهم يعتمون بحلاب الإبل. وهذا النهي كما ذكر الإمام النووي رحمه الله في الشرح، أنه للتنزيه، وليس للتحريم، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أطلق لفظ العتمة على صلاة العشاء، أطلق لفظ العتمة على صلاة العشاء، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح، لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا». يعني المنافقون يعلمون ما فيهما من الفضل، لما تخلفوا عن هاتين الصلاتين. وهذا يدل على أنه يجوز تسمية صلاة العشاء بالعتمة، وأجاب أهل العلم عن ذلك أن هذا من باب الجواز، أنه يجوز أن تسمى صلاة العشاء العتمة، وإن كان الأفضل أن تسمى صلاة العشاء، كما سماه الله عز وجل في القرآن، هذا الأفضل. لكن من حيث الجواز، يجوز أن يقال: صلاة العشاء العتمة. والأمر الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أو سمى صلاة العشاء العتمة، «لو يعلمون ما في الصبح والعتمة»، قال أهل العلم: أن النبي عليه الصلاة والسلام خاطب العرب بما يعني يستعملونه من لفظ العتمة على صلاة العشاء، خشية أن يحصل اللبس، وذلك أن العرب ربما سموا الصلاة المغرب بصلاة العشاء، كانوا يسمون المغرب العشاء. فلو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في الصبح والعشاء»، لظن أن المراد به صلاة المغرب، فلما قال: «العتمة»، تبين من ذلك أن المراد صلاة العشاء، فيزال بهذا اللبس الذي قد يحصل، ما لو أطلق في هذا الموضع لفظ العشاء، فلهذا ذكر هنا بلفظ العتمة. وإن كان الأفضل، كما سمعنا، الأفضل والأكمل أن تسمى صلاة العشاء، لكن من حيث الجواز، يعني يجوز أن يقال لصلاة العشاء: العتمة. وهذا النهي يحمل على التنزيه، على الكراهة، يعني يكره أن تسمى صلاة العشاء بالعتمة، إلا إذا كان هناك معنى من المعاني أو مصلحة لتسميتها بالعتمة، كما في هذا الحديث، خشية اللبس أو نحو ذلك، فلا بأس. وإلا الأفضل والأكمل أن تسمى صلاة العشاء. هذا معنى هذا الحديث: «لا تغلبنكم الأعراب عن اسم صلاتكم العشاء»، يعني تسمونها العتمة، وهي صلاة العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنهم يعتمون بحلاب الإبل، يعني لما كانوا يعتمون ويؤخرون حلب الإبل حتى يشتد الظلام، سموا صلاة العشاء بالعتمة لأجل ذلك. فالخلاصة كما سمعنا: أن الأفضل أن تسمى صلاة العشاء، صلاة العشاء، ويجوز أن تسمى بالعتمة مع الكراهة. وما ورد بهذا النهي، فهو محمول على كراهة التنزيه، لا كراهة التحريم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.