الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 81، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح الحديث النبوي فضل الصلاة في الجماعة ومضاعفة الأجر فيها مقارنة بالصلاة المنفردة. يشير إلى صحة صلاة المنفرد مع الإثم إذا لم يكن هناك عذر.
يشرح فضل انتظار الصلاة في المسجد حيث يكتب للمؤمن أجر المصلي، كما يبين دعاء الملائكة للمصلي بالرحمة والمغفرة ما دام في مجلسه.
يشرح معنى الإحداث في المجلس وتأثيره على دعاء الملائكة للمصلي، حيث يشمل الإحداث البدع والمخالفات الشرعية وانتقاض الوضوء.
يذكر سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويتضمن أسماءهم وعلاقاتهم الروائية وتعدد طرق رواية الحديث.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام أئمة الحفاظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال، وأبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، قالا جميعا عن أبي معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، قال أبو كريب: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، وهو السليمان بن مهران أبو محمد الكوفي، عن أبي صالح، وهو ذكوان السمان، ويقال له الزيات لأنه كان يبيع السمن والزيت، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه». قالوا: حدثنا سعيد بن عمر الأشعثي، وهو أبو عثمان البغدادي، وهو ثقة، قال: أخبرنا عبثر، وهو من القاسم الزبيدي أبو زيد، وحدثني محمد بن بكار، وهو كذلك بغدادي، محمد بن بكار بن الريان، قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا، وهو الأسدي، قالوا: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة، كلهم عن الأعمش بهذا الإسناد، بمثل معناه. هذا الحديث فيه بيان فضيلة الصلاة في الجماعة، «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة»، يعني إذا صلى منفردا، فصلاة الجماعة تضاعف على صلاة المنفرد ببضع وعشرين درجة، والبضع من ثلاثة إلى تسعة أو إلى عشرة، ففيه أن صلاة الجماعة مضاعفة. وقوله هنا «بضعا وعشرين» جاء في بعض الروايات «خمسا وعشرين» أو «خمسة وعشرين»، وفي بعضها «سبعة وعشرين». ومر معنا الجمع بين هذه الروايات: كيف يجمع بينها؟ رواية الخمس والعشرين والسبعة والعشرين، نعم، أن الزيادة والنقصان بحسب أحوال المصلين من حيث الخشوع وحضور القلب والتدبر، فتكون هذه صلاته ببضع وعشرين، يعني سبعة وعشرين، وهذا صلاته بخمس وعشرين، نعم. أو أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر المضاعف بخمس وعشرين، ثم أخبر بعد ذلك بزيادة، وأنها تضاعف بسبعة وعشرين، فأخبر بهذا أولا وأخبر بهذا ثانيا، أو كذلك في الجمع بين هاتين الروايتين. هذا ذكرنا، ذكرنا هذا أن يقال: إن ذكر السبع والعشرين لا تنافي ذكر الخمس والعشرين؛ لأن الخمس والعشرين داخلة في السبع والعشرين. قال: وذلك يذكر النبي عليه الصلاة والسلام سبب هذا التفاضل وهذه المضاعفة. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «تضاعف على صلاة في بيته وسوقه بضعا وعشرين درجة»، دليل على أن صلاة المنفرد صحيحة، أن صلاة المنفرد صحيحة، وإن كان آثما إذا صلاها منفردا من غير عذر، لكن صلاته صحيحة كما هو قول جمهور أهل العلم. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب المضاعفة: أن هذا المصلي الذي يصلي في جماعة أنه يتوضأ فيحسن الوضوء بإعطاء كل عضو حقه من الغسل، ثم يذهب إلى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، يعني ما أخرجه من بيته، ولا من سوقه، ما قفل دكانه ومحله إلا لأجل الصلاة، يريد أن يصلي، أن يذهب إلى بيت الله لأداء الصلاة، «لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة»، كل درجة، كل خطوة يمشيها له بها درجة، وتحط عنه بها خطيئة وسيئة. كم درجات؟ كم خطوات سيمشيها؟ رغم أن بيته بعيد عن المسجد يحتاج إلى ألف خطوة، سيتحصل على ألف درجة، وتحط عنه ألف خطيئة، فضيلة عظيمة لا ينالها الذي يصلي في البيت بلا عذر، فتكتب له هذه الدرجات، وتحط عنه هذه الخطيئات، حتى يدخل المسجد. فإذا دخل، هل ينتهي الأجر؟ الجواب: لا، «إذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه»، يعني ما دام أنه جالس في المسجد يريد الصلاة، ما منعهم من الخروج من المسجد إلا إرادة الصلاة، فله أجر المصلي، له أجر المصلي، يعني لو جاء مثلا قبل الأذان أو بعد الأذان، دخل المسجد وجلس، ركع وجلس ينتظر الصلاة، هو في هذا الوقت كأنه يصلي، يكتب له أجر المصلي. قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه»، هي المانعة لهم من الخروج، حتى لو صلى وهو ينتظر الصلاة التي بعدها، كمن صلى المغرب وهو ينتظر صلاة العشاء، يقول: بدل أن أخرج وأشغل، والوقت قصير بين المغرب والعشاء، أنتظر وأستغل الوقت بالقراءة والذكر حتى أصلي العشاء ثم أخرج، في هذا الوقت ما بين المغرب والعشاء هو في صلاة، هو في صلاة، يكتب له أجر المصلي. أما إذا جلس لقصد آخر، يريد فلانا من الناس لأمر من الأمور الدنيوية أو نحو ذلك، هذا ما يكتب له الأجر. قال: «ما كانت الصلاة هي تحبسه»، معناه: إذا كان يحبسه غير الصلاة ما يكتب له هذا الأجر. قال: «والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه»، هذه فضيلة أخرى، أن المصلي في جماعة إذا صلى الفريضة في جماعة وبقي في محله أو في مجلسه يذكر الله، كأن يأتي بأذكار الصلاة، يسبح ويكبر ويهلل ويحمد إلى آخر ذلك، الملائكة تدعو له، تقول: «اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه»، ما شاء الله، هذه عظيمة من ملائكة الرحمن سبحانه وتعالى المقربين عند الله تدعو لك بالرحمة والمغفرة والتوبة. «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه»، نعم، تدعو لك بالرحمة أن يرحمك الله، وأن تنالك رحمة الله، ومن نالته رحمة الله فلا شك أنه بإذن الله جل وعلا يكون من أهل الجنة وينجو من النار، الله عز وجل يرحم عباده المؤمنين الطائعين المنيبين المتقين. وهكذا أيضا الدعاء لك بالمغفرة «اللهم اغفر له» و«تب عليه» والدعاء بالتوبة، وإذا اجتمعت المغفرة والتوبة فالمغفرة تكون بمعنى الستر، «اللهم اغفر له» أي استر عليه مما حصل منه من ذنوب وخطايا، لا تفضحه، ولا يعني تبدي سريرته، بل استر عليه، وإذا ستر الله عز وجل على العبد غفر له، إذا ستر الله جل وعلا على العبد غفر له. وتذكر النبي عليه الصلاة والسلام حيث من عمر أن العبد إذا وضع الله عز وجل عليه كنفه يوم القيامة، فيقرره بذنوبه: عملت كذا في يوم كذا، وكذا عملت كذا في يوم كذا، وهو يقول: بلى يا رب، لا يستطيع أن ينكر، لا يستطيع أن ينكر، حتى إذا ظن أنه هلك، يقول الله عز وجل: «سترتها عليك في الدنيا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمِ»، سترتها عليك في الدنيا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمِ، فالمغفرة هنا بمعنى الستر، والتوبة بمعنى حط الذنوب والخطايا، حط الذنوب والخطايا ومحوها وعدم المؤاخذة بها. وإذا انفرد ذكر المغفرة دخل فيه معنى التوبة، إذا قلت: «اللهم اغفر لي»، هذا يشمل معنى الستر ومعنى التوبة، وهو حط الذنوب والخطايا ومحوها. وهكذا إذا انفرد ذكر التوبة دخل فيه معنى المغفرة. قال: «ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه»، أي الملائكة تدعو لهذا المصلي بهذه الدعوات بهذا القيد وبهذا الشرط، «ما لم يؤذ فيه»، «ما لم يؤذ فيه» يؤذي أحدا من المسلمين بلسانه أو بيده، وهكذا أيضا «ما لم يحدث فيه»، المراد بالحدث، والأظهر في ذلك والله أعلم المراد به البدع، البدع والمحدثات التي تخالف دين الله جل وعلا. فإذا كان في مجلسه على بدعة ومخالفات شرعية كحال بعض المبتدعة، هذا ما ينال هذا الأجر، ما ينال هذا الأجر ودعوات الملائكة له بالمغفرة والرحمة والتوبة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما لم يحدث فيه»، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في حديث أبي هريرة أو في حديث عائشة-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أي مردود عليه، غير مقبول منه، فهو إذا كان في هذا المجلس على محدثة وعلى بدعة، هذا يحرم من هذه الدعوات المباركة. أو يراد بالحدث أيضا الإحداث بمعنى الذنب من الذنوب، كسفك الدم مثلا أو انتهاك المحارم أو أخذ المال أو نحو ذلك من كبائر الذنوب. فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لينال المسلم هذه الفضيلة العظيمة وكذلك نيل هذه الأجور الكبيرة أنه لا يؤذي في مجلسه أحدا، ولا يحدث فيه حدثا وبدعة. فإذا فعل ذلك حرم هذا الأجر العظيم. وقد يقال: المراد بالإحداث الحدث بمعنى انتقاض الوضوء، هذا قد يراد، وإن كان هذا غير ظاهر؛ لأنه قرن هنا بذكر الأذية «ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه»، فالأظهر المراد بالحدث هنا ما يتعلق بالدين، الإحداث في دين الله جل وعلا، والله أعلم. قال: وحدثنا محمد بن يحيى العدني، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي، قال عن أيوب بن أبي تميم السختياني عن ابن سيرين، ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه ما دام في مجلسه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث»، أو قال: «ما لم يحدث وأحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه». قال: حدثني محمد بن حاتم، وهو الميمون البغدادي، قال: حدثنا بهز بن أسد العمي، أبو الأسود البصري، قال: حدثنا حماد بن سلمة، أبو سلمة البصري، حماد بن سلمة بن دينار، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يحدث». قلت: ما يحدث؟ قال: «لا يفسو أو يضرط»، أو يضرط، هنا أبو هريرة فسر الحدث بانتقاض الوضوء، فسره بانتقاض الوضوء بفساء أو ضراط، إذن هذا المعنى محتمل أيضا أن يراد به ما لم يحدث، أي ينتقض وضوءه، لكن وإن كان المعنى الأول والله أعلم أظهر. قال: حدثنا يحيى بن يحيى والتميمي، قال: قرأت على مالك، وهو أنس إمام دار الهجرة، عن أبي الزناد، وهو عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، قال فيه الحافظ: ثقة ثبت عالم، قال عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة». قال: وحدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، وحدثني محمد بن سلمة المرادي، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، وهو المصري، عن يونس، وهو ابن يزيد، عن ابن شهاب، وهو الزهري، عن ابن هرمز، ابن هرمز هذا ما اسمه؟ ها، مسلم، نعم، هو الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، قال عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحدكم ما قعد ينتظر الصلاة في صلاة ما لم يحدث، تدعو له الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». والنبي صلى الله عليه وسلم أطلق هنا الحدث «ما لم يحدث»، فيشمل ما ذكره أبو هريرة رضي الله عنه من انتقاض الوضوء بفساء أو ضراط، ويشمل أيضا الحدث في الدين بالبدع والمحدثات. قال: وحدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو همام الصنعاني، قال: حدثنا معمر بن راشد، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على أبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.