الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 63، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي الحديث عن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء حتى ثلث الليل، وأمره بتأخيرها ما لم يشق على الأمة. يبين عطاء بن أبي رباح تفاصيل هذا التأخير وتوجيهات النبي.
يشرح الحديث جواز تأخير صلاة العشاء حتى ثلث الليل الأول، مع الإشارة إلى أن النبي كان يصليها غالبًا في أول الوقت. يُبين أن التأخير كان لبيان الجواز وليس للتحريم.
يتناول المقطع كيفية تطبيق تأخير صلاة العشاء دون مشقة على الناس، ويشير إلى جواز إعلام الناس باختلاف أوقات الصلاة في المساجد، معتبرًا ذلك أمرًا جائزًا ومستحبًا.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق وابن همام الصنعاني، قال: أخبرنا ابن جريج، وهو عبد الملك، قال: قلت لعطاء، وهو ابن أبي رباح أبو محمد القرشي، وهو مولى من الموالي، وكان رحمه الله أسود أفطس الأنف، قصير الرقبة، كذلك كان على هذه الخلقة، ومع ذلك كان عالمًا من العلماء، كان عالمًا فقيهًا محدثًا، وكان المفتي للناس في المناسك في زمنه، مفتي الناس في المناسك. نعم، كان سليمان بن عبد الملك يقول: لا يفتي في المناسك إلا عطاء، لا يفتي في المناسك إلا عطاء. هذه رفعة العلم، رفعة العلم، فرفعه الله عز وجل بالعلم. قال: قلت لعطاء: أي حين أحب إليك أن أصلي العشاء التي يقولها الناس العتمة إمامًا وخلوًا؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: أعتم نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة العشاء، قال: حتى رقد ناس واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا. فقام عمر بن الخطاب، فقال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم، كأني أنظر إليه الآن، يقطر رأسه ماء، واضعًا يده على شق رأسه، قال: لولا أن يشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك. قال: فاستثبت عطاء كيف وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسه كما أخبره ابن عباس، فبدد لي عطاء بين أصابعه، يعني فرقها شيئًا من تبديد، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس، ثم صبها يمرها كذلك على الرأس، حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه، ثم على الصدغ وناحية اللحية، لا يقصر ولا يبطش، يعني لا يبطئ ولا يستعجل بشيء إلا كذلك. قلت لعطاء: كم أخرها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إذ؟ قال: لا أدري. قال عطاء: أحب إلي أن أصليها إمامًا وخلوًا، خلوًا يعني منفردًا، مؤخرة كما صلىها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إذ. فإن شق عليك ذلك خلوًا أو على الناس في الجماعة وأنت إمامهم، فصلها وساطًا، لا معجلة ولا مؤخرة. نعم، هذا الحديث حديث ابن عباس، وفيه أن ابن جريج، ابن جريج عبد الملك، سأل عطاء عن الوقت الذي يحب أن يصلي فيه صلاة العشاء، فقال له: أي حين أحب إليك أن أصلي العشاء؟ يعني ما الذي تختار لي من الوقت الأفضل والذي تراه أحسن وأحب إليك أن أصلي فيه صلاة العشاء التي يقولها الناس العتمة، يعني التي يسمونها العتمة. قال إمامًا وخلوًا، يعني إمامًا ومنفردًا، يعني ما هو الوقت الذي ترى أفضل وأحسن وأحب إليك أن تصلي فيه صلاة العشاء، سواء كنت في جماعة إمامًا أو كنت منفردًا. فحدثه عطاء عن ابن عباس أنه سمع ابن عباس يقول: أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بالعشاء، أعتم يعني أخر صلاة العشاء حتى أظلم الليل. وقوله: أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة العشاء، معنى أنه لم يكن ذلك هو أكثر فعله عليه الصلاة والسلام، وإنما كان الأغلب أنه كان يصليها في أول الوقت، ولهذا قال: ذات ليلة. ولو كان هذا الذي يفعله النبي صلى الله عليه وسلم هو الأكثر، لم يقل ذلك. وإنما فعل هذا النبي صلى الله عليه وسلم لبيان وقت الفضيلة، الوقت الأفضل لصلاة العشاء، حتى يعلم الناس ذلك. فأخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء حتى رقد ناس واستيقظوا، يعني من كثرة التأخير أتاهم النوم، فكانوا ينامون ويستيقظون، وينامون ويستيقظون، وينامون ويستيقظون. وهذا مر معنى على أنه يحمل على بدايات النوم، النوم غير المستغرق كالنعاس، النوم الذي يشعر الإنسان فيه بنفسه وبما يدور حوله، فهذا لا ينتقض به الوضوء على الصحيح، بخلاف النوم المستغرق الذي لا يشعر الإنسان فيه بنفسه، فهذا ناقض للوضوء لحديث صفوان بن عسال عند الترمذي وغيره. فعمر رضي الله عنه خرج، يعني فنادى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بنوم الناس وتأخره عن الخروج، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام ورأسه يقطر ماء، فجعل يصف يعني ابن عباس كيفية خروج النبي عليه الصلاة والسلام وهو واضع يده على رأسه، ثم قال: لولا أن يشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك، يعني في هذا الوقت. لولا المشقة، فلما كان في ذلك مشقة لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن تصلى العشاء في هذا الوقت، لأن هذه الشريعة جاءت بالتخفيف والتيسير. ثم استثبت عطاء من ابن جريج، يقول: استثبت عطاء كيف وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسه، هذا من حرص السلف رحمهم الله على معرفة أحوال النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك تفاصيل أخباره. فسأله استثبته من هذا، يعني كيف وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسه كما أخبره ابن عباس. قال: فبدد له عطاء أصابعه شيئًا، يعني فرق بين أصابعه شيئًا من تفريق، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس، ثم صبها يمرها كذلك على الرأس، حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه، على الصدغ وناحية اللحية. قال عطاء: أحب إلي أن أصليها إمامًا وخلوًا مؤخرة، كما صلىها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إذ، يعني بذلك عطاء لابن جريج أن الأفضل أنك تؤخر صلاة العشاء، سواء كنت إمامًا أو كنت منفردًا، خلوًا يعني منفردًا، مؤخرة يعني تؤخرها مثل ما أخرها النبي عليه الصلاة والسلام. جاء بعض الروايات الأخرى كما مر معنا أنه أخرها إلى ثلث الليل، في بعضها إلى نصف الليل أو قريب من نصف الليل. قال: فإن شق عليك ذلك خلوًا، يعني منفردًا، أو على الناس إذا كنت في جماعة وأنت إمامهم، فصلها وسطًا، لا معجلة ولا مؤخرة. صلها وسطًا، يعني لا تعجل بها في أول الوقت، أخرها شيئًا ما، هذا أقرب للسنة، يعني كونك تؤخر صلاة العشاء بعد الأذان بساعة أو نحو ذلك، هذا أقرب للسنة، لأن السنة فيها التأخير ما لم يشق على الناس. إذا تعرف الناس مثلًا أن بعض المساجد تصلي في أول الوقت، وبعضها تصلي متأخرة، فلا بأس، هذا أقرب إلى السنة. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.