الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 61، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
حديث عن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء وفضل انتظار الصلاة. استحباب تأخير صلاة العشاء إذا لم يشق على الناس.
تحريم لبس الذهب على الرجال وجواز لبس الفضة. النبي صلى الله عليه وسلم لبس خاتمًا من فضة.
أفعال النبي صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى أقسام ويبين كيفية اقتداء الأمة بها. الأفعال التعبدية تقتدي بها الأمة إذا لم يدل دليل على اختصاصها بالنبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: وحدثني أبو بكر بن نافع العبدي، وهو أبو الأسود العبدي، قال: حدثنا بهز بن أسد، العمي، نعم بهز بن أسد، هو أبو الأسود العمي. نعم، أبو بكر هو أبو بكر بن نافع العبدي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، وهو أبو سلمة البصري، ثقة عابد، كان من أثبت الناس في ثابت، قال: عن ثابت، وهو ابن أسلم البناني، أبو محمد، قال: إنهم سألوا أنسا، أي ابن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن خاتمي -عندنا هنا- عن خاتمي، بكسر التاء، ويجوز فتحها، خاتم وخاتم، ويقال أيضا خاتم وخيتام، كما ذكر النووي رحمه الله، قال: عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطر الليل، ثم جاء، فقال: «إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظروا الصلاة». قال أنس: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة، ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر. نعم، هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أخر صلاة العشاء إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطر الليل، والمعنى أنه بالغ في تأخيرها حتى يعني كاد أن يذهب نصف الليل، لكن ما أخرها إلى نصف الليل؛ لأن وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، كما أخبر عليه الصلاة والسلام. فمعنى قوله: إلى شطر الليل، يعني إلى قرب شطر الليل، إلى قرب شطر الليل. ولهذا قال: أو كاد يذهب شطر الليل، يعني مشدة التأخير، كاد أن يذهب شطر الليل. والمعنى أنه بالغ في تأخيرها، بالغ في تأخير صلاة العشاء. ومر معنى أن المستحب في صلاة العشاء هو التأخير إذا لم يشق ذلك على الناس. وأما إذا كان يشق عليهم، فتصلى في أول الوقت، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في أغلب أحواله. نعم، ولهذا من شدة هذا التأخير نام الناس، «إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظروا الصلاة». فالمنتظر للصلاة يكتب له أجر الصلاة، «إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظروا الصلاة». فالمنتظر للصلاة يكتب له أجر الصلاة. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى، في حديث أبي هريرة، في الصحيحين: «أن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه». نعم، ولا جزاء في صلاة من ينتظر الصلاة. وفي حديث أبي هريرة، في مسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». إذا انتظار المسلم للصلاة مما يكتب له أجر الصلاة. ولعل هذا السبب في استحباب النبي عليه الصلاة والسلام لتأخير صلاة العشاء؛ حتى يعظم الأجر للمسلم في انتظاره للصلاة، وتكون صلاة العشاء هي خاتمة عمله في ذلك اليوم، خاتمة عمله في ذلك اليوم، فيختم له بهذا الأجر وهذا الخير. ثم ذكر أنس أنه لما سئل عن خاتم النبي عليه الصلاة والسلام، قال: كأني أنظر إلى وبيص خاتمه، وبيص يعني لمعانه، لمعان خاتم النبي عليه الصلاة والسلام. قال: إلى وبيص خاتمه من فضة. معنى أن خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كان من فضة. وهذا فيه جواز لبس الخاتم من الفضة، لبس الخاتم من الفضة. أما الذهب فمحرم على ذكور هذه الأمة، لا يجوز للمسلم أن يلبس خاتما من ذهب. ولهذا نُهي أن نبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا وفي يديه خاتم من ذهب، أنكر عليه، وقال: «ما لأرى عليك حلية أهل النار». فألقاه رضي الله تعالى عنه. فقيل له: خذ خاتمك، قال: «لا أخذه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك». أما الخاتم من الفضة فيجوز، وقد فعله النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على أن تحريم الفضة أخف من تحريم الذهب، أخف من تحريم الذهب. ولهذا جاز إصلاح الكأس والإناء بشيء من الفضة، كما أصلح النبي صلى الله عليه وسلم قدحه بزَرّة من فضة. ولم يجز مثل ذلك من الذهب. وهكذا أيضا لبس النبي صلى الله عليه وسلم الخاتم من الفضة، ولم يجز لبس الخاتم من الذهب. فلا يجوز استعمال الذهب -يعني- إلا للضرورة، إلا للضرورة. حتى السيف لا يجوز تحلية السيف والسلاح بالذهب. وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في قبضة سيفه شيء من ذهب لا يصح، لا يصح، ولا يثبت شيء من ذلك. قد بيّن ذلك الإمام الزيلعي رحمه الله في «نصب الراية». وإنما الذي ثبت عن بعض الصحابة هو تحلية السيف بالفضة، تحلية قبضة السيف بشيء من الفضة. أما الذهب فلا. وقوله: «وبيص خاتمه من فضة»، هل لبس الخاتم يعتبر من الأمور المستحبة التي يقتدى بها بالنبي صلى الله عليه وسلم تعبدا، أو أنها من الأمور الجائزة والمباحة؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. والصحيح أن لبس الخاتم ليس من العبادات، وإنما هو من أمور المباحات، هو من أمور المباحات. وهذا قول جمهور أهل العلم. وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يكتب الرسائل والكتب إلى الملوك، أخبر بأنه لا يقبل -أو لا يقبل الملوك كتابا إلا مختوما- ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذ الخاتم قبل ذلك. فلما أخبر بهذا اتخذ الخاتم؛ حتى يختم به الرسائل. فدل هذا على أنه اتخذه ولبسه لأجل ختم الرسائل التي يرسلها إلى الملوك. فجعل اتخاذ الخاتم عادة، هي من عادة الملوك والرؤساء أنهم يتخذون الخاتم لختم الرسائل والكتب. إذن لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم تعبدا، وإنما فعله عادة. وعلى هذا فمن أراد أن يلبس الخاتم فإنه لا يلبسه على جهة التعبد، وإنما يلبسه على جهة الأمور المباحة، أنه يباح له أن يلبس الخاتم. وهذا هو الصحيح. فكل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على جهة العادات لا يجوز التعبد لله سبحانه وتعالى بفعله؛ إلا ما كان -يعني- شيء تعلق بكيفية -يعني- فعلها عليه الصلاة والسلام في تلك العادة، أو الأمر الجبلي وحث عليه ورغب فيه. فهنا يستحب -يعني- من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ما هي أفعال جبلية فعلها النبي عليه الصلاة والسلام على سبيل الجبلة والطبيعة، أن الإنسان جبلة عليها، كالأكل والشرب والنوم، والمشي والذهاب والخروج والركوب إلى آخره، هذه أشياء جبلية في أصلها. لا يقتدى -لا يقتدى- فيها بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكن في كيفياتها وصفاتها. نعم، فكون النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأكل والشرب باليمين، مع أن الأكل والشرب هو أمر جبلي، لكن في كيفية هذا الأكل والشرب الاقتداء به مستحب، بل واجب على الصحيح، أن يأكل ويشرب بيمينه، وأن لا يأكل ويشرب بشماله. كذلك في النوم، النوم أمر جبلي أن الإنسان ينام، لكن كونه ينام على -يعني- جانبه الأيمن، وعلى وضوء، هذا أمر مستحب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به ورغب فيه. وهكذا من الأفعال ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم على جهة العادة، كأمر اللباس. فالنبي صلى الله عليه وسلم لبس ما يلبسه العرب من الإزار والرداء والعمامة، فتكون هذه الأمور من أمور العادة، من أمور العادات. فالأصل أنه لا يقتدى فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا ما جاء الحث والترغيب على الاقتداء به في صفة من صفاته، ككون اللباس أبيضا، هذا حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم: «إلبسوا من ثيابكم البياض». كذلك كون اللباس يكون فوق الكعبين، هذا على جهة الجواز، والمستحب أن يكون إلى أنصاف الساقين، هذا مستحب. فهذا يتعبّد فيه لله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا لبس القمص ونحو ذلك، فهذا يتعبّد فيه لله. أما أصل اللباس فهو من أمور العادات. وأما ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على جهة التعبّد، فهذا نقتدي به عليه الصلاة والسلام، لقوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. فما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تعبّدا، فنحن نفعله كذلك تعبّدا وتقربا إلى الله جل وعلا؛ ما لم يدل دليل على الخصوصية. فإن دل دليل على الخصوصية، فحينئذ لا نقتدي به عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا يكون من خصائصه، مثل زواجه النبي عليه الصلاة والسلام بأكثر من أربع، هذا من خصائصه. كذلك الوصال في الصيام، وكذلك صلاة ركعتين بعد العصر على جهة الاستمرار، هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. كذلك نكاحه المرأة بلا ولي ولا مهر، هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. إذن تكون أفعال النبي عليه الصلاة والسلام على أربعة أقسام: القسم الأول: ما فعله عليه الصلاة والسلام على جهة التعبد، ولم يدل دليل على الاختصاص به، فإننا نقتدي به. وهذا هو الأصل، هذا هو الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام التي فعلها على جهة التعبد؛ أننا نقتدي به فيها. القسم الثاني: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تعبدًا، ودل الدليل على الاختصاص به، وهنا لا يقتدى به عليه الصلاة والسلام في هذا الفعل. والقسم الثالث: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على جهة العادة. أو كذلك القسم الرابع: وما فعله على جهة الجبلة والطبيعة، فهذا لا يقتدى به بأصله؛ إلا إن حث أو رغب على شيء من صفاته أو كيفياته. ومن ذلك لبس الخاتم، فهو من أمور العادات التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر»، يعني رفع أنس رضي الله عنه، أو أنه يحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إصبعه اليسرى بالخنصر. الخنصر هو أصغر الأصابع، هذا الخنصر. وهذا البنصر، وهذه الوسطى، وهذه السباحة، ويقال لها السبابة، السباحة يسبح بها. والسبابة السبابة؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يسب أحدا أو يعاتبه فيشير بهذه الأصبع. وهذه الإبهام. نعم، قال: «ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر»، يعني كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في إصبعه الخنصر. قال: وحدثني حجاج بن الشاعر، قال: حدثنا أبو زيد، سعيد بن الربيع، قال: حدثنا قرة بن خالد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: نظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة حتى كاد قريب من نصف الليل. انظروا هذه الرواية مفسرة التي قبلها. فقوله في الرواية التي قبلها: «إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطر الليل»، يعني المبالغة في التأخير إلى قرب نصف الليل، كما هو مصرح بهذه الرواية، قال: «حتى كان قريب من نصف الليل، ثم جاء فصلى، ثم أقبل علينا بوجهه، فكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه في يده من فضة». قال: وحدثني عبد الله بن الصباح العطار، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قال: حدثنا قرة بهذا الإسناد، ولم يذكر: «ثم أقبل علينا بوجهه». صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.