الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 65، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يروي المقطع الأول حديثا عن عائشة رضي الله عنها أن نساء المؤمنات كن يصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم الفجر. يشير إلى أهمية سلسلة الرواة الثقات في نقل الحديث النبوي.
يستدل بالحديث النبوي على استحباب التبكير بصلاة الصبح في أول وقتها، حيث كن نساء الصحابة يصلين مع النبي ثم يرجعن متلفعات بمروطهن دون أن يعرفهن أحد بسبب الظلمة.
اختلف العلماء في وقت صلاة الصبح بين التعجيل والإسفار، واستدل كل فريق بأدلة، وجوّزوا للنساء الخروج لصلاة الجماعة بشروط، مع تفضيل صلاتهن في البيوت.
يفضل أن تصلي المرأة في مكان مستور داخل البيت، ويجوز لها الصلاة في المسجد إذا توفرت شروط معينة مثل إذن الولي وعدم التزين وتأمين الفتنة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، هو إبراهيم، له أخوان، وثمانية من أبي شيبة، وهو ثقة. قال، وعمر الناقد، وهو ابن محمد بن بكير، ثقة حافظ. قال، وزهير بن حرب، وهو أبو خيثمة النسائي. قال كلهم عن سفيان بن عيينة. قال الإمام الشافعي رحمه الله: لولا مالك وسفيان بن عيينة لذهب علم الحجاز. قال عمر: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، قال: عن عروة، وهو ابن الزبير بن العوام، عن عروة، عن عائشة. قال سفيان بن عيينة: أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعمرة بنت عبد الرحمن. قال: عن عروة، عن عائشة، وهو ابن ابن بكر الصديق، أعلم نساء الأمة، رضي الله تعالى عنها، قالت: إن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن، لا يعرفهن أحد. قال: وحدثني حرملة بن يحيى، وهو أبو حوص التجيبي، وهو ثقة، أو صدوق، كما قال الإمام الذهبي رحمه الله، وأكد أيضا الحافظ ابن حجر. قال الإمام الذهبي: فهو من أوعية العلم، وكان من أعلم الناس بابن وهب. قال: أخبرنا ابن وهب، عبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرنا يونس، وهو ابن يزيد، قال: إن ابن شهاب أخبره، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لقد كان نساء من المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن، وما يعرفهن من تغليس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة. قال: وحدثنا نصر بن علي الجهضمي، وهو أبو عمر البصري، ثقة ثبت. قال، وإسحاق بن موسى الأنصاري، وهو أبو موسى الأنصاري الخطمي. قال الذهبي رحمه الله في السير: الحافظ الفقيه، حجة، كان من أئمة السنة. قال: حدثنا معن، وهو ابن عيسى، نعم، معن بن عيسى، أبو بكر القزاز، ثقة ثبت، وهو من أثبتي أصحاب الإمام مالك، قال: عن مالك، وهو ابن أنس الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة، قال: عن يحيى بن سعيد، وهو الأنصاري، وهو ثقة، عن عمرة، وهي بنت عبد الرحمن، عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفهن من الغلس. وقال الأنصاري في روايته: متلفقات. هذا الحديث تخبر عائشة رضي الله عنها أن نساء من المؤمنات في عهد النبي عليه الصلاة والسلام كن يصلين الصبح مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يرجعن متلفعات بمروطهن. ومعنى متلفعات يعني متلففات أو متجللات، قد لفت الثياب على بدنها حتى تتستر بذلك. والمروط جمع مرط، وهو الكساء الذي يلبس فوق الثياب كالعباءة ونحوها. قالت: لا يعرفهن أحد. في رواية أخرى: ما يعرفهن من تغليس رسول الله بالصلاة، يعني من صلاة النبي عليه الصلاة والسلام الصبح بأول وقتها، حتى ترجع، وما زال ظلام الليل موجودا مختلطا بظلمة النهار قبل انتشار الفجر. فترجع، وما يعرفه أحد. المراد: ما يعرف أعيانهن، هل هن نساء أم رجال؟ بسبب وجود الظلمة. وقيل: ما يعرفهن أحد، يعني ما يعرف عين هذه المرة، هل هي فلانة أو فلانة. وهذا الحديث فيه استحباب التبكير بصلاة الصبح في أول وقتها، وهو وقت الغلس، وهو وقت وجود ظلمة الليل مع ظلمة النهار قبل انتشار الفجر. فتصلى الفجر في أول وقتها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر بغلس، يعني بعد دخول الوقت بعشر دقائق أو نحو ذلك. فربما انتهى من الصلاة، وما زالت الظلمة موجودة، إذا لم يطل القراءة، حتى ينتشر ضوء الصبح. فقد تنتهي الصلاة، وما زال الظلام موجودا. وهذا هو المراد في هذا الحديث، أنهن يرجعن، وما يعرفهن أحد من الغلس، ما دامت الظلمة موجودة. وهذا لا يكون إلا إذا بكّر بصلاة الصبح في أول وقتها. فهذه السنة في صلاة الصبح هو التبكير، أن تصلى في أول وقتها، في وقت الغلس، عند وجود الظلمة قبل انتشار ضوء الصبح. وفيه أيضا القول باستحباب صلاة الفجر في الغلس، قول جمهور أهل العلم، ومنهم مالك والشافعي وأحمد. وخالف أبو حنيفة، قال: يستحب الإسفار في صلاة الصبح، يعني أن تصلى بعد أن ينتشر أو يظهر ضوء النهار، بعد أن يظهر ضوء الفجر. فتصلى الفجر حينئذ. واستدل بحديث: «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم لأجوركم». والحديث صحيح. لكن أجاب جمهور أهل العلم عن هذا الحديث بأجوبة، منها أن المراد بالإسفار بالصبح هو التيقن والتأكد من دخول الفجر، يعني لا تستعجلوا بصلاة الصبح حتى تتأكدوا أن الصبح قد دخل، وأن الفجر قد ظهر. وجواب آخر أجيب عن هذا الحديث أن المراد «أسفروا بالصبح» هو الإطالة في القراءة في صلاة الفجر، حتى ينتهي تنتهي الصلاة مع وقت الإسفار، تنتهي صلاة الصبح، وقد ظهر ضوء الصباح أو ضوء الفجر، وبدأ ينتشر. فيحمل الحديث على هذا، لأن الأحاديث التي فيها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بغلس هي ظاهرة في استحباب التعجيل بصلاة الصبح. فكان لابد من توجيه هذا الحديث بمعنى يناسب الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته الصبح بغلس. وفيه أيضا جواز خروج النساء لصلاة الجماعة، ولو كان ذلك في وقت الظلام، كصلاة الفجر وصلاة العشاء. وهذا كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ألا تمنع النساء من ذلك. «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، لكن ليخرجن تفلات»، يعني غير متبرجات. فيؤذن لها، أو يجوز للمرأة أن تصلي صلاة الصبح في المسجد أو العشاء، بشرط أو بشرطين: الشرط الأول أن يأذن لها وليها، سواء كان زوجها أو أبوها. فإن لم يأذن لها، لم يجوز لها أن تخرج لصلاة الجماعة في المسجد. والشرط الثاني أن تخرج غير متبرجة، ولا متزينة، ولا متعطرة. وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «وليخرجن تفلات»، أي غير متزينات، ولا متطيبات. والشرط الثالث: أمن الفتنة بها أو عليها، أن تكون الفتنة مأمونة، أن يعني تعرض للفتنة فتصاب بشيء من الشر أو السوء، أو يفتتن غيرها بها. فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة، جاز لها أن تصلي هذه الصلوات في المسجد. وإلا لم يجوز لها ذلك. مع أن الأفضل والأكمل في حقها أن تصلي في بيتها. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وبيوتهن خير لهن». وقال عليه الصلاة والسلام: «صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في مسجدها، وصلاتها في مقدعها خير لها من صلاتها في بيتها». المقدع هو المكان، يعني الغرفة التي تكون في داخل البيت، لأن هذا أستر لها. فكلما كان الموضع أستر وأحفظ لها، فهو أفضل في حقها. فهذا هو الأفضل. لكن كما قلنا: يجوز بهذه الشروط أن تصلي في المسجد إذا توفرت هذه الشروط الثلاثة: إذن الولي، وأن تخرج غير متعطرة ومتزينة، وأن تؤمن الفتنة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.