الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 66، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
قدم الحجاج المدينة وكان يؤخر الصلوات، فسأل محمد بن عمر جابر بن عبد الله عن وقت الصلاة. أخبر جابر بن عبد الله عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف الأوقات.
شرح أوقات الصلاة خصوصا المغرب والعشاء والصبح، وتوضيح أن وقت صلاة العشاء يمكن تقديمه وتأخيره حسب حضور المصلين. السنة أن يصلي الإمام أحيانا في أول الوقت وأحيانا في آخره حسب المصلحة.
يستحب أداء صلاة الظهر عند زوال الشمس والإبراد بها عند اشتداد الحر. يفضل تقديم بعض الصلوات مثل الفجر والعصر والمغرب وتأخير البعض الآخر مثل العشاء إذا تطلب الأمر ذلك.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم، قال: حدثنا غندر، واسمه محمد، عن جعفر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف، أبو إسحاق - وقيل أبو إبراهيم - قال: سمعت محمد بن عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله القرشي الهاشمي، وكان ثقة، وثقه الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة والنسائي، قال: لما قدم الحجاج المدينة، فسألنا جابر بن عبد الله، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، والعصر والشمس نقية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل، كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطأوا أخر، والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس. قال: وحدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، قال: وحدثنا ابن بشار، ومحمد بن المثنى - يعني مندر - قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، أنه سمع محمد بن عمر بن الحسن بن علي، قال: كان الحجاج يؤخر الصلوات، فسألنا جابر بن عبد الله، بمثل حديث غندر. هذا الحديث يقول: محمد بن عمر بن الحسن بن علي، لما قدم الحجاج المدينة - أي الحجاج بن يوسف الثقفي، المعروف والمشهور بسفك الدماء، وكان ذلك بعد سنة ثلاث وسبعين، حين قتل ابن الزبير، رضي الله تعالى عنهما، حين حاصره في مكة - وذلك أنه بعد مقتل مروان وتولي عبد الملك بن مروان الأمر بعده، استتب الأمر لعبد الله بن الزبير في مكة والمدينة والعراق والحجاز، ثم طالب عبد الملك بن مروان بالخلافة، وأمر بقتل من لم ينقاد له، فقتل مصعب بن الزبير، وكان واليا لعبد الله بن الزبير في العراق، ثم وجه الحجاج إلى مكة وحاصر عبد الله بن الزبير حتى قتله، ثم بعد ذلك توجه إلى المدينة والحجاز. كان الحجاج معروفا بحبه لسفك الدماء، مع أنه نشأ - كما ذكر أهل التاريخ، مثل ابن كثير في البداية والنهاية، والذهبي في السير - نشأ على الفصاحة والبلاغة، وكان حافظا للقرآن، بل ذكر في ترجمته أنه كان كثير القراءة للقرآن، إلا أنه كان مسرفا في الدماء، يعني يستحل القتل بأدنى شبهة، ويغضب غضب الملوك، فمن غضب عليه ظفر به فقتله، إلا من رحم الله. ولهذا كان شجاعا مقداما، إلا أنه كان عنده إسراف في القتل. من حسناته أنه فتحت الفتوح الكثيرة في بلاده في زمنه، حين تولى الإمارة نائبا عن عبد الملك بن مروان في الكوفة والعراق، ووصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند، وهكذا أيضا قريب من بلاد الصين. إلا أنه من سيئاته ما حصل منه من قتل جماعة من الصالحين، منهم عبد الله بن الزبير، ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا قتله لسعيد بن جبير، الفقيه العالم، تلميذ عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، وغيرهم من أهل الفضل. ولهذا، كما قال الذهبي، رحمه الله، في ترجمة له: حسناته مغمورة في بحر سيئاته، ومع ذلك فختم له بخاتمة حسنة، وأمره إلى الله جل وعلا. فالمهم أنه الحجاج لما قدم المدينة - وهذا كما سمعتم بعد مقتل عبد الله بن الزبير في سنة ثلاث وسبعين من الهجرة - وذلك أنه لما استتب له عبد الملك بن مروان الأمر بعد مقتل ابن الزبير، جعل وليه نائبا عنه في مكة والمدينة الحجاج، فكان الحجاج يصلي بالناس. كان يؤخر الصلاة، في الرواية الأخرى: كان الحجاج يؤخر الصلوات، يؤخرها عن وقتها المختار أو المستحب، فسألنا جابر بن عبد الله عن هذا الفعل الذي فعله من تأخير الصلاة، فقال جابر، رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة، يعني يصلي صلاة الظهر في وقت اشتداد الحر، يعني يصلي الظهر في أول وقتها عند زوال الشمس، والعصر والشمس نقية، أي ويصلي العصر والشمس نقية، ومعنى والشمس نقية: أي ما زالت الشمس بيضاء فيها حرارتها، وذلك يكون في أول وقت العصر. قال: والمغرب إذا وجبت، والمغرب إذا وجبت، يعني ويصلي المغرب إذا وجبت، أي الشمس - ولم يذكر الشمس للعلم بها - حذفها لأنها معلومة، ومعنى وجبت: أي سقطت، لأن الوجوب في اللغة بمعنى السقوط، ومنه قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ يعني إذا سقطت لازمة محلها، وفي حديث ابن عمر: لما كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس، قال: فسمعنا وجبة، يعني سقطة. قال: والمغرب إذا وجبت، يعني إذا غربت، إذا سقطت الشمس، سقط قرص الشمس في الأفق وغاب، هنا دخل وقت المغرب، فيصلي النبي صلى الله عليه وسلم المغرب في أول وقتها. قال: والعشاء أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل، أحيانا يعجل بصلاة العشاء، وأحيانا يؤخر صلاة العشاء، ما هو سبب هذا التقديم والتأخير؟ قال: كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم قد أبطأوا أخر، يعني ينظر إلى حال الناس، إذا اجتمعوا للصلاة وأتوا إليها وبكروا، صلى العشاء وقدمها، وإذا رآهم أخروا، تأخر، تأخر حتى يجتمع الناس. وقد مر معنى أن المستحب في صلاة العشاء هو التأخير، ما لم يشق على الناس، فإذا شق عليهم صليت في أول الوقت، وإن أمكن تأخيرها شيئا ما مما لا مشقة فيه على الناس، فهذا أفضل. وقوله كذلك: إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر، قال أهل العلم: هذا دليل على أنه الأصل ألا يكون هناك وقت محدد للصلاة، يعني لا يجوز أو لا يمكن تأخيرها أو تقديمها عليه، بل السنة أن يقدم أحيانا ويؤخر أحيانا. الناس الآن اعتادوا على أن يجعلوا وقتا محددا، لا بأس، من أجل أن تنضبط أمور الناس ويستعدوا للصلاة ونحو ذلك، لكن ليس معنى هذا أنه لا يؤخر ولا دقيقة، أو يقدم دقيقة أو دقائق، يعني يكون ملازما للوقت المحدد من غير تقديم أو تأخير، لا، السنة أن يقدم أحيانا ويؤخر أحيانا، أحيانا يتأخر خمس دقائق، أحيانا يقدم، يعني يقدم الصلاة قبل الوقت بدقائق، هذا هو الموافق للسنة أن يقدم أحيانا أو يؤخر أحيانا، على حسب مجيء الإمام، تقدمه أو تأخره، أو إذا وجدت مصلحة للتأخير أو للتقديم، فلا بأس. قال: والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس، يعني يصليها عند ظلمة الليل، فيبكر بصلاة الصبح، كما مر معنا في الأحاديث التي مضت في الباب الذي قبل هذا. فهذا الحديث دل على أن الظهر يستحب أن تصلى في أول الوقت، عند زوال الشمس، ويستحب الإبراد بها عند اشتداد الحر، كما مر معنا، لكن الأصل أن تصلى في أول الوقت، والعصر كذلك تصلى في أول الوقت، والمغرب كذلك في أول وقتها إذا غربت الشمس، والعشاء أحيانا وأحيانا تؤخر، أحيانا تقدم، أحيانا إلا إذا شق على الناس، فتصلى في أول الوقت، والصبح كذلك المستحب أن تصلى في أول الوقت. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.