الدرس في كتاب الصيام 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
استعرض الشيخ حديث «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» مفصلاً أسانيده ورواته كخالد الحذاء وأبي المليح ونبيشة الهذلي، مبيناً ثقة إسماعيل بن علية وأبيه، وناقلاً تحذير أبي قلابة من مجالسة أهل الأهواء.
بين المقطع النهي عن صيام أيام التشريق لكونها أيام أكل وشرب وذكر، وقرّر جمهور العلماء تحريم صيامها، مستثنياً المتمتع بالحج والعمرة الذي لم يجد هدياً فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة عند الرجوع، مستدلاً بحديث ابن عمر وعائشة وآية البقرة، ومؤكداً وجوب الإفطار على غير المتمتع حتى لو نذر.
قرر الشيخ معتقد أهل السنة والجماعة في أن مرتكب الكبائر من المؤمنين لا يخلد في النار، بل يعذب فيها ما شاء الله ثم يخرج ويدخل الجنة، مفارقاً بذلك حال الكفار الذين يخلدون في النار أبداً.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام المسلمين، أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري، رحمه الله، في صحيحه: حدثنا سريج بن يونس، وهو البغدادي أبو الحارث، قال فيه الإمام الذهبي، رحمه الله، في السير: كان من الأئمة العابدين، وكان له أحوال، وكان رأسًا في السنة، وهو ثقة، كما قال الحافظ، رحمه الله: ثقة عابد. قال: حدثنا شيبان، وهو ابن بشير، هشيم بن بشير، ثقة، إلا أنه كثير التدليس، كان كثير التدليس. قال: أخبرنا خالد، وهو ابن مهران الحذاء، أبو المنذر، عن أبي المليح، وهو ابن أسامة الهذلي، ووثقه، عن نبيشة الهذلي، الصحابي الجليل، كان يلقب بنبيشة الخير. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب». قالوا: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: حدثنا إسماعيل، يعني ابن علية. ما اسمه؟ ما اسم أبيه؟ إسماعيل بن علية، ما اسم أبيه؟ علية اسم أمه، فما اسم أبيه؟ إبراهيم بن مقسم، فهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، وينسب إلى أمه فيقال: ابن علية. له أبناء، من يذكرهم؟ أحد أبنائه من رؤوس الجهمية، وهو إبراهيم بن إسماعيل بن علية، كان يقول بخلق القرآن. نرى له، أظن، ولدين آخرين من المحدثين. قال: عن خالد الحذاء، قال: حدثني أبو قلابة، وهو عبد الله بن زيد الجرمي، كان كذلك شديدًا في السنة، وشديدًا على أهل الأهواء، كان يحذر من مجالسة أهل الأهواء، ويقول: لا تجالسوا أهل الأهواء، فإني لا آمن أن يضلوكم، أو يلبسوا عليكم كثيرًا مما تعلمون. وكان يقول: إن مجالسة القرد والخنزير أحب إلي من أن أجالس أهل الأهواء. قال: عن أبي المليح، عن نبيشة، قال خالد: فلقيت أبا المليح فسألته، فحدثني به، فذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث هشيم، وزاد فيه: «وذكر لله»، يعني: أيام أكل وشرب. أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن سابق، محمد بن سابق، وهو تميمي، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان، أو أبو سعيد الخرساني، ثقة، عن أبي الزبير، وهو محمد بن تدرس، ثقة، إلا أنه مدلس، وهنا رواها بالعنعنة، إلا أن هذا الحديث في الشواهد. عن أبي الزبير، عن ابن كعب بن مالك، قيل: إنه عبد الرحمن، وقيل: عبد الله، لأن كعب بن مالك له من الأبناء: محمد، وعبد الله، وعبد الرحمن، ومعبد. جاء في بعض الروايات: عبد الرحمن بن كعب، وفي بعضها: عبد الرحمن أو عبد الله. قال: عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، هو كعب بن مالك، الصحابي الجليل، أحد الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجرهم، ثم نزل القرآن بتوبتهم، وحديثه في الصحيحين: حين تخلف هو وصاحباه، وما حصل له، رضي الله تعالى عنه. قال: أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فناديا: «أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب». قال: وحدثنا عبد بن حميد، قال: حدثنا أبو عامر، عبد الملك بن عامر، قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد، غير أنه قال: فناديا، يعني بالتثنية. فهذا الحديث، أو الحديثان، حديث نبيشة، وحديث كعب بن مالك، بل وأوس بن الحدثان، إلى ثلاثة أحاديث في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن صيام أيام التشريق. وفي حديث كعب بن مالك: «أيام منى»، وأيام منى المراد بها هي أيام التشريق، وأيام التشريق هي أيام منى، وهي الأيام التي يمكث فيها الحاج في منى، في اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، إذا لم يتعجل، ويبيت في منى، ويرمي الجمرات الثلاث بعد الزوال في هذه الأيام. فأيام التشريق نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن صيامها، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صيامها، وقال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب»، يعني: يأكل فيها المسلم ويشرب، لأنها أيام عيد، وأيام العيد لا يجوز صومها. أيام أكل وشرب وذكر لله، أكل وشرب بما أباح الله سبحانه وتعالى، وذكر لله بالتكبير، لأنه يشرع في أيام العيد، من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، التكبير المطلق والمقيد. فأيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله، بما منّ الله سبحانه وتعالى على أهل الإسلام بهذه الشعيرة العظيمة التي وفقهم الله جل وعلا لأدائها، فلذلك فالمسلم فيها في ضيافة الله سبحانه وتعالى، فلا يجوز له أن يصوم. إذن، أيام التشريق هي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، وسميت بأيام التشريق، قالوا: لأنهم كانوا يشرقون اللحم ثم يعلقونه في الشمس، وما يسمى بالقديد، في تلك الأزمان ما كان عندهم ثلاجات ولا كهرباء حتى يخزنون اللحم ويجمدونه، فلو تركوه لانتابه الفساد، فيقومون بتشريقه ثم يعلقونه حتى ييبس، وحتى يأكلوا منه أيامًا، فسميت هذه الأيام، لكونها تنحر فيها الأضاحي والهدي، سميت بأيام التشريق لأجل ذلك. فهذه الأحاديث دلت على النهي عن صيام أيام التشريق، وهذا هو الصحيح: أنه لا يجوز صيام هذه الأيام. بعض أهل العلم قال: يجوز أن تصام تطوعًا، من أراد أن يتطوع بصومها فلا بأس، ومنهم من منع صومها مطلقًا، حتى لمن كان متمتعًا، فإنه لا يجوز له أن يصوم. ومنهم من توسط، فقال: لا يجوز صيام أيام التشريق لهذه الأحاديث، ويجوز أن يصومها من كان متمتعًا في الحج وليس عنده هدي، فلا بأس أن يصوم أيام التشريق. وهذا القول هو الصحيح، لما جاء في البخاري من حديث ابن عمر وعائشة، رضي الله عنهم، أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، المتمتع الذي أتى بحج وعمرة في سفرة واحدة، فإنه يجب عليه الهدي. قال الله جل وعلا: ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [البقرة: 196]. فإذا لم يجد ما عنده ثمن الهدي، أو لم يجد هديًا يشتريه مثلًا، فإنه يصوم، يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعوا، هذه ثلاثة أيام يجوز أن يصومها أيام التشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، لحديث ابن عمر وعائشة: رخص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وأما غير المتمتع، فإنه لا يجوز له أن يصوم، لا يجوز له أن يصوم. ف لو نذر مسلم أن يصوم، يعني هذه الأيام، لم يجز له أن يصومها، أو نذر أن يصوم يومًا أو ثلاثة أيام، فصادفت أيام التشريق، فكذلك لا يجوز له أن يصومها، بل يجب عليه أن يفطر فيها. فلا يجب صيام هذه الأيام إلا لمن لم يجد الهدي، وأما غير المتمتع فليس له أن يصوم، بل يجب عليه أن يفطر هذه الأيام، لأنها أيام عيد، وكذلك أكل وشرب وذكر لله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضًا يستحب فيها الإكثار من ذكر الله، قال: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله»، فلا يغفل المسلم عن الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى في مثل هذه الأيام، فيميل إلى الأكل والشرب، وينسى ذكر الله، بل ينبغي أن يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى. وفي حديث كعب بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهما أن ينادي، هو وأوس، من الحجاج: «أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن»، فالجنة لا يدخلها إلا أهل الإيمان، وأما الكافر فإن الجنة محرمة عليه. قال الله جل وعلا: ﴿ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]. فالجنة هي دار المؤمنين، ودار المتقين. ومن سلب عنه الإيمان بالكلية، من سلب عنه الإيمان بالكلية، أي مطلق الإيمان أو أصل الإيمان، فهذا لا يدخل الجنة، بل مأوى النار. وأما من سلب عنه الإيمان المطلق، أي الإيمان الكامل، بأن كان عنده شيء من الذنوب والخطايا والسيئات والكبائر، فهذا تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، ثم يكون مآله إلى الجنة، ثم يكون مآله إلى الجنة، ما دام أنه مسلم وأنه مؤمن، فلا بد أن يكون مصيره إلى الجنة، لا يخلد في النار إلا الكفار. أما عصاة الموحدين، وإن دخلوا النار، فإنهم يعذبون ما شاء الله سبحانه وتعالى فيها، ثم يخرجون، ويكون مآلهم إلى الجنة، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة. طيب، إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.