الدرس في شرح نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن الإمام النسائي لا يرد حديث راوٍ إلا بإجماع النقاد على تركه، مشيراً إلى اتفاق أئمة الجرح والتعديل كابن مهدي وأحمد بن حنبل. كما يحذر من التساهل في الجرح والتعديل مستشهداً بحديث من قال في مسلم ما ليس فيه، مؤكداً أن الجرح المقدم يجب أن يصدر عن عارف بأسبابه.
يستعرض المقطع أسباب القدح في الرواة كالهوى والغرض الفاسد والمخالفة العقائدية، مبيناً أن الجرح مقدم على التعديل لكونه زيادة علم. ويشترط أن يكون الجرح مفسراً وصادراً من عارف بأسبابه، مستشهداً برد ابن معين على جرح عفان بن مسلم لوكيع بن الجراح.
يشترط المقطع لقبول الجرح صدوره من عارف بأسبابه وبيان العلة عند وجود تعديل سابق، فالجرح المفسر مقدم بشرط بيان سببه. ويؤكد أن من اشتهرت عدالتهم كأحمد بن صالح والشافعي لا يؤثر فيهم جرح غير مفسر لفيض عدالتهم عند الأمة.
يناقش المقطع موقف ابن صلاح من التوقف في قبول الجرح دون تعديل، ويرجح الشيخ العمل بجرح الجارح في حال عدم وجود معدل معارض. ويختتم بالإشارة إلى ترجمة نانسي قنقر للكتاب كمعلومة ختامية.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «ولهذا كان مذهب النسائي لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه». وهذا الكلام الذي ذكره الإمام النسائي، الذي قاله النسائي، قال الحافظ في النكتة: «إذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع، ليس كذلك، فكم رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه». يريد أنه يقول: إن هذا المذهب المتسع كما ذكر العراقي أن هذا مذهب متسع، لكن لعل الإمام النسائي أراد شيئاً خاصاً، أراد شيئاً خاصاً في اجتماع الناس، أو لا يترك الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه. والمراد كما ذكر بعض العلماء: أنه أراد إما مخصوصين، ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي في طبقة، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني في طبقة، فهؤلاء الذين عناهم. ولهذا تجد، ومما يؤكد هذا أن النسائي أقل ضعفاً في حديثه وفي كتابه من سنن أبي داود والترمذي، في شأنه قصده بهذا المذهب المتسع. متسع معناه أنه واسع جداً، معناه سيدخل أشياء كثيرة ضعيفة. مظاهر المناسب بهذا الكلام يعني: أين التناقض؟ صح، لأ، طيب. قالوا: «ليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل، فإنه إن عدل أحداً بغير تثبت كان لك المثبت حكماً ليس بثابت، فيخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثاً وهو يظن أنه كذب». فهذا باب عظيم، باب التوثيق والتضعيف، أو التعديل والتجريح، باب عظيم لا يدخله إلا من عرفه، ومن عرف الأسباب التي تؤدي إلى الضعف، والأسباب التي لا تؤدي إلى الضعف، والأسباب التي يقال فيها: هذا الرجل ثقة، وكذلك مثلاً يقال: إنه ليس بثقة. هذا شيء لا بد منه. قال: «وإن جرح بغير تحرز فإنه أقدم على الطعن في مسلم بريء من ذلك، ووسمه بميسم سوء يبقى عليه عاره أبداً». أن هذا الذي تجرأ فطعن في مسلم لا يستحق الطعن، فإنه كأنه تجرأ على شيء، وأيضاً وسم مسلماً بما ليس فيه. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من قال في مسلم ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال». فقال في مسلم ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال، وليس بخارج. قال: «والجرح مقدم على التعديل إن صدر مبيناً من عارف بأسبابه». طيب، قبل هذا قال: «والعاهة تدخل في هذا تارة من الهوى والغرض الفاسد، وكلام المتقدمين سالم من هذا غالباً». أنا من الأسباب التي تجعل بعض الناس يقدح في آخرين بدون ترتيب وبدون كذلك تثبت. أولا: قال تارة من الهوى والغرض الفاسد، إما هوى في نفسه ويريد أن يسقط الآخرين، وإما غرض فاسد من أغراض الدنيا. قال: «وطارة من المخالفة في العقائد، وهو موجود كثيراً قديماً وحديثاً، ولا ينبغي إطلاق الجرح بذلك إذا كان في الحديث، أما إذا كان مبتدعاً فيجوز». قال: «فقد قدمنا تحقيق الحال في العمل برواية المبتدعة». قال: «فهنا الآن يتكلم على علم الحديث، أنه لا ينبغي إطلاق الجرح بذلك، أي مثلاً إذا كان الرجل فيه بدعة لا يقال إنه مثلاً كذاب، أو أنه كذا، يتجنى عليه بما ليس فيه، وإنما إذا جرح يجرح ببدعته، لكن إن كان له لسان صادق وعرف منه السلامة بالحديث فأكثر العلم على قبوله، وخاصة إذا كان هذا الحديث الذي ذكره لا يؤيد مذهبه». قال: «والجرح مقدم على التعديل، وأطلق ذلك جماعة، ولكن محله إن صدر مبيناً من عارف بأسبابه، لأنه إن كان غير مفسر لم يقدح في من ثبتت عدالته». طيب، الجرح مقدم على التعديل، هذا الأصل. الأصل أن الجرح مقدم على التعديل، لماذا؟ لأن الجرح زيادة علم، لأن الجرح زيادة علم، والتعديل هو الأصل أصلاً في المسلم، التعديل، لكن الجرح شيء زائد، فلذا كان هو الأصل، معناه أنه يقدم على التعديل. لكن هذا ليس على إطلاقه، ليس على إطلاقه، وإن كان الجرح مقدم على التعديل لكن ليس على إطلاقه، بل لا بد أن ينضبط بالضوابط التي ضبطه بها العلم. فمن تلك الضوابط أولاً: أن صدر مبيناً من عارف بأسبابه. إذا كان هذا الجرح من رجل يعرف أسباب الجرح ويجرح بأسباب شرعية، أما الرجل يجرح على هواه، ما عنده ميزان في الجرح، ما عنده ضبط في الجرح، فهذا لا يقبل جرحه. فلذا رد جرح كثير من العلماء، وهم علماء وحفاظ، رد جرحهم بسبب أنهم يجرحون بما ليس بجرح. فمن أولئك عفان بن مسلم وغيرهم، كانوا يجرحون، حتى عفان بن مسلم ألف أو كتب صحيفة جرح فيها رجال، كان يقول: فلان كذا، فلان كذا، فلان كذا. فرآها ابن معين، حتى رأى فيها وكيعاً، رأى فيها وكيعاً، فلما وصل إلى وكيع قال: «وكيع خير منك». يعني أعطاه الصراحة، قال: «وكيع خير منك». قال: «كيف تكتب وكيعاً في هذه القائمة، قائمة المبتدعة والضعفاء؟» فلذا لم يقبل العلماء كلامهم، لهذا ما تجد في كتب العلل أو كتب الرجال أقوالهم، فما تُدَوَّن بهم عنهم. كانوا حفاظاً للحديث، لكن ما كانوا يعرفون الأسباب التي يجرح بها الرجل، فلذا لم يقبل العلماء تعديلهم أو جرحهم. وكذلك أيضاً بعض المجروحين تجد أن أكثر العلم لا يقبلون جرحهم، مثلاً كابن عقدة وابن خراش، وكذلك غيرهم من هؤلاء المجروحين. طيب، قال: «فالضابط الأول أنه لا بد أن يكون يصدر من مبين عارف بأسباب، لأنه إن كان غير مفسر لم يقدح في من ثبتت عدالته». قال: «وإن صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضاً». قال: «فإن خلى المجروح عن التعديل قبل الجرح فيه مجملاً». معنى: لو كان ما في تعديل، ما في أحد من الله ما عدله، فهنا إذا جرح الجارح فإنه يقبل مطلقاً، أو مجملاً، أنه إذا قيل فيه ضعيف، قال مجروح: إنه رجل ضعيف، يقبل منه هذا. لكن يكون هذا الذي يجرح عارفاً بالأسباب. وعند الاختلاف لا بد من تبيين الأسباب، أنه إذا اختلف في الرجل لا بد أن الجارح يبين سببه حتى يؤخذ. فالجرح مقدم على التعديل، لكن إذا حصل الخلاف فلا بد أن الجارح يقدم أو يذكر أسبابه لماذا جرحه. قال: «وهذا هنا لا ينطبق عليه قاعدة أخذ الجرح، والجرح مقدم على التعديل، هذا إذا خلا من التعديل، أما إذا وجد التعديل فهنا لا بد أن يبين الأسباب، لا بد أن يبين الأسباب». وهذه تجد أنهم أخطأ فيها بعض المعاصرين الآن، ظنوا أن قاعدة الجرح مقدم على التعديل مطلقة، ولو كان حصل الخلاف، هذا خطأ، هذا خطأ. صحيح أن الجارح عنده زيادة علم، لكن أين هذه الزيادة؟ أين هذا السبب الذي جعله يضعف؟ فلا بد أن يذكر السبب إذا حصل الخلاف. قال: «لي أنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حيز المجهول، وعمل القول المجرح أو لا من إهماله». وكذلك أيضاً من الضوابط التي تذكر: أنه لا يكون هذا الشخص قد اشتهرت عدالته، لا يكون ممن اشتهرت عدالته. إذا كان ممن اشتهرت عدالته فلا يؤثر فيه الجرح، لا يؤثر فيه الجرح. مثل ذلك مثلاً مثل جرح النسائي لأحمد بن صالح، وكذلك مثل جرح ابن معين للشافعي، وغيرها من هذه الأشياء، فالعلماء ما قبلوا مثل هذه الجروح، لماذا؟ لأن أولئك قد فاضت عدالتهم عند الناس وعرفوا ثقتهم. طيب، قال: «ومال ابن صلاح مثل هذا إلى التوقف فيه، أنا مال إلى التوقف إذا جرح الجارح ولم يكن هناك تعديل، والصحيح أنه يعمل بجرح الجارح إذا لم يكن هناك معدل». طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.