التعليق على كتاب اعتقاد أهل السنة في الصحابة 3

التعليق على كتاب اعتقاد أهل السنة في الصحابة 3

الدرس في التعليق على كتاب اعتقاد أهل السنة في الصحابة 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحكام سب الصحابة وتفصيل أقوال العلماء

يفصل المؤلف أحكام سب الصحابة إلى مراتب: سبهم بالكفر والردة وهو كفر، وسب الكبار كفر عند المؤلف، وسب غير المتواتر فضلهم تعزير إلا إذا طعن في صحبتهم فيكفر، وسبهم في أمور دنيوية يستحق التعزير فقط. ويستعرض أمثلة من طعنات سيد قطب في عثمان ومعاوية وعمر بن العاص وأبي ذر مبيناً أنها طعن في الدين والعدالة.

منهج أهل السنة في تاريخ الصحابة وحكم قذف عائشة

يؤكد النص على منهج أهل السنة في الإمساك عما شجر بين الصحابة وعدم الطعن فيهم، محذراً من تطبيق المنهج الغربي الموضوعي. ويقرر إجماع العلماء على كفر من قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه، مستدلاً بآيات سورة النور وأقوال الأئمة مالك وابن تيمية وابن حزم وغيرهم.

تطبيق أحكام سب الصحابة على الطوائف المعاصرة ولزوم القدح في الدين

يلحق الحكم بكفر قذف عائشة بقية أمهات المؤمنين لكون الأذى واقعاً على النبي صلى الله عليه وسلم، ويطبق ذلك على الطوائف المعاصرة كالحوثية والروافض مفصلاً بين من وقع في مكفر صريح ومن لم يبلغ ذلك. ويقرر السلف أن الطعن في الصحابة طعن في النبي والدين، وأن من انتقص صحابياً واحداً اتهم في دينه ووصف بالزندقة، مع لوازم خطيرة كتكفير معظم الصحابة والقدح في القرآن.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فما زلنا في ذكر المؤلف رحمه الله تعالى لأقسام حكم من سبّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم جميعاً. وقد ذكر حالتين: الحالة الأولى: من سبّ الصحابة بالكفر والرد والفسق، جميعهم أو معظمهم، فهذا لا شك في كفره كما تقدم معنا من كلام الأئمة عليهم رحمة الله. والقسم الثاني: من سبّ بعضهم، أو من سبّ بعضهم سبّاً يطعن في دينهم، يعني سبّ نفراً قليلاً من الصحابة، كأن يتهمهم بالكفر أو الفسق. ففصل المؤلف في هذه المسألة بين من تواترت النصوص بفضله كالخلفاء، وبين من لم تتواتر النصوص بفضله كسائر الصحابة الذين صاحبوا النبي عليه الصلاة والسلام وقتاً يسيراً. فهذه المسألة فصل فيها المؤلف. فالنوع الأول: خلاف بين أهل العلم، ورجح المؤلف كفر من سبّ كبار الصحابة كالخلفاء أو العشرة أو نحوهم. وأما النوع الثاني: وهو من دون الكبار، فالمسألة كذلك خلافية، ورجح المؤلف التعزير، وكذلك ألا يُعفى عنهم ذلك التعزير، ولا يصل أمرهم إلى حد الكفر. قال: ثالثاً: أما سبّ صحابي لم يتواتر النقل بفضله سبّاً يطعن في الدين، فقد بيّن فيما سبق رجحان تكفير من سبّ صحابياً تواترت النصوص بفضله من جهة دينه. أما من لم تتواتر النصوص بفضله، فقول جمهور العلماء بعدم كفر من سبّه، وذلك لعدم إنكاره معلوماً من الدين بالضرورة، إلا أن يسبّه من حيث الصحبة، يعني يطعن في صحبته أو يطعن في صحبة النبي عليه الصلاة والسلام. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في رده على الرافضة: «وإن كان ممن لم يتواتر النقل في فضله وكماله، فالظاهر أن سابّه فاسق، إلا أن يسبّه من حيث صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يكفر». وهذا قد تقدَّم الإشارة إليه. ومعنى قوله: «من لم تتواتر النصوص بفضله»، يعني لم يأتِ بخصوصه أدلة تُبين فضله، بل هو من عامة الصحابة غير المشهورين. قال: رابعاً: أما سبّهم بعضهم سبّاً لا يطعن في دينهم وعدالتهم، فلا شك أن فاعل ذلك يستحق التعزير والتأذيب. ولكن من مطالعة لأقوال العلماء في المراجع المذكورة، لم أرى أحداً منهم يكفّر فاعل ذلك، ولا فرق عندهم بين كبار الصحابة وصغارهم. وسيُبين المؤلَّف إيش المراد بالطعن في غير الدين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما إن سبّهم سبّاً لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهو الذي يستحق التأذيب والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك». وعلى هذا يُحمل كلام من لم يكفّرهم من العلماء. فذكر شيخ الإسلام بعض الأمثلة على القدح في الصحابة في غير عدالتهم وفي غير دينهم، مثل ماذا؟ أن يصف صحابياً بصفة البخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد. فهذه أمور دنيوية. وذكر أبو يعلى من الأمثلة على ذلك، يعني في أمور الدنيا: اتهامهم بقلة المعرفة بالسياسة، يقول: «ما عندهم معرفة بالسياسة». قال: «ومما يشبه ذلك اتهامهم بضعف الرأي وضعف الشخصية والغفلة وحب الدنيا ونحو ذلك». هذا أيضاً جعله أهل العلم من الأمور الدنيوية، فهذا فيه التعزير والتأذيب، ولا يصل إلى حد الكفر. قال: وهذا النوع من الطعن تطفح به كتب التاريخ، وكذلك الدراسات المعاصرة لبعض المنسوبين لأهل السنة، وهو ليس من أهل السنة وإنما نُسب إليهم، بل بعضهم يُقال له من المنظرين لبعض الجماعات أو الأب الروحي لبعض الجماعات التي تزعم أنها إسلامية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك جماعة السرورية ومن على نحوهم من هؤلاء الذين خالفوا مذهب أو منهج أهل السنة في أبواب كثيرة، ومنها في باب الصحابة. فمثلاً على سبيل المثال: سيد قطب، هذا الذي يزعم الإخوان السرورية أنه من كبار منظريهم وأنه الأب الروحي لجماعتهم، فإن له طعونات شنيعة في صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، موثق عليه في كتبه. فقد طعن في الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وطعن كذلك في عمر بن العاص، وفي معاوية بن أبي سفيان، وفي أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. ومن باب المثال، وكذلك أرفع التهم عن أهل السنة أنهم يفترون على أمثال هؤلاء، ننقل لكم شيئاً يسيراً من طعناته في كتبه. فمن ذلك ما طعن به في الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حيث قال في كتابه «العدالة الاجتماعية» صفحة 172، 173: قال سيد قطب في هذا الكتاب: «ونحن نميل إلى اعتبار خلافة علي رضي الله عنه امتداداً طبيعياً لخلافة الشيخين قبله، يعني أبا بكر وعمر، وأن عهد عثمان الذي تحكم فيه مروان كان فجوة بينهما». يعني يعتقد أن خلافة عثمان فجوة، يعني وجودها كعدمها، وأن خلافته لا شيء، وأن الخلافة الراشدة إنما هي في خلافة أبي بكر وعمر وعلي رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. فوصف خلافة عثمان بأنها فجوة بين هذه الخلافات الثلاث. وهكذا طعن في معاوية بن أبي سفيان وعمر بن العاص رضي الله تعالى عنهما، ورماهما بالكذب والغش والخداع والنفاق. وهذا في الحقيقة ربما يدخل في القسم الذي قبل هذا، وهو الطعن في الدين، وليس في الدنيا، لأن هذا مما يؤثر على عدالة هؤلاء الصحابة، إذ رماهم بالكذب والنفاق والخداع. فقد قال في كتابه «كتب وشخصيات» صفحة 242: «إن معاوية وزميله عمرا لم يغلبا علياً لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس وأخبر منه بالتصرف النافع في الظرف المناسب، ولكن لأنهما طليقان في استخدام كل سلاح، وهو يعني علياً، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع. وحين يركن معاوية وزميله إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة والرشوة وشراء الذمم وشراء الذمم، لا يملك علياً أن يتدلى إلى هذا الدرك الأسفل، فلا عجب، فلا عجب ينجحان ويفشل، وإنه لفشل أشرف من كل نجاح». انظر إلى هذا الطعن الصريح في هذين الصحابيين الجليلين، فقد أرماهما بالكذب والغش والخداع والنفاق والرشوة وشراء الذمم. فماذا بعد هذه الطعونات؟ وهل هناك طعن فيه تنقص بصحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ وهكذا طعن في أبي ذر الغفاري الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كما في كتابه «العدالة الاجتماعية»، حيث قال في أكثر من موضع: «إنه كان، أي أبو ذر، من بين من خرج على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه». وهذا كذب، فلم يكن أبو ذر من أولئك. قال: «عندها ثار الروح الإسلامي في نفوس بعض المسلمين يمثلهم أشدهم حرارة وثورة أبو ذر، أبو ذر». فانظر إلى رمي هذا الصحابي بأنه من الثوار، وأنه من أشد الناس حرارة، ونحو ذلك من تلك العبارات الثورية الخارجية. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا هذا النفس، وهو الطعن في الصحابة، فيه بعض ممن ينتسب للدعوة وللإصلاح وللسنة، وهو بعيد منها، وهو بعيد منها. قال: وهذا النوع من الطعن تطفح به كتب التاريخ، وكذلك الدراسات المعاصرة لبعض المنسوبين لأهل السنة، باسم الموضوعية والمنهج العلمي. فهم يقولون: لا بد في التاريخ من أن تذكر الحوادث بعجرها وبجرها، دون التقيد بمنهج أهل السنة والجماعة في حفظ أعراض الصحابة رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. قال: وللمستشرقين أثر في غالب الدراسات التي من هذا النوع. والمستشرقون هم الذين يدرسون التاريخ ويدرسون الإسلام بقصد تشويه الإسلام، بقصد تشويه الإسلام، وهم ليسوا من أهل الإسلام، فيدخلون تلك الأكاذيب في تاريخ الأمة وفي تاريخ الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باسم الموضوعية والمنهج العلمي. لذلك قال المؤلف ها هنا: وقفة مع المنهج الموضوعي، وهو ما يسمونه بالمنهج العلمي، أو باسم الموضوعية، أو ذكر التاريخ كما ورد. فيعاملون تاريخ الصحابة بتاريخ غيرهم من البشر. وهذا لا شك ضلال وانحراف عن عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا». فهؤلاء لا يمسكون ألسنتهم، بل يذكرونهم بالثلب والسب والطعن، بحجة ذكر التاريخ والحوادث التي وردت في سيرتهم. فهنا المؤلف حفظه الله سينبه على خطأ هذا المنهج في حق تاريخ الصحابة، وذكر ما حدث ووقع بينهم. قالوا: لعل من المناسب هنا أن نقف وقفة قصيرة جداً نبين فيها فساد هذا المنهج وخطورة تطبيقه على تاريخ الصحابة. قال: والمنهج الموضوعي عند الغربيين، يعني ما هو المنهج الموضوعي عند هؤلاء؟ قال: والمنهج الموضوعي عند الغربيين يعني أن يبحث الموضوع بحثاً عقلياً مجرداً بعيداً عن التصورات الدينية. فللكاتب أن يحلل، وللكاتب أن ينتقد، وللكاتب أن يخطئ. هذا هو زعم أولئك الغربيين في منهجهم هذا، وهذا يتنافى مع اعتقاد أهل السنة والجماعة فيما وقع بين الصحابة، كما سيأتي معنا. قال: فنقول رداً على ذلك: أولاً: المسلم لا يمكن أن يتجرد عن عقيدته بأي حال من الأحوال، إلا أن يكون كافراً بها. فمن عقيدة أهل السنة والجماعة أن يعطى الصحابة حقهم، وأن يكف المسلم لسانه فيما وقع بينهم، وأن لا يطعن في أحد منهم، ولو أخطأ في حق غيره من الصحابة. وهذا كله منهج وعقيدة ثابتة راسخة عند أهل السنة والجماعة. ثانياً: كذلك بالنسبة للتاريخ الإسلامي، إذا ثبتت الحوادث، وهذا أمر مهم جداً. وأما هؤلاء فإنهم لا يتحرون، ولا كذلك يتثبتون فيما ينقل في كتب التاريخ، فيعتمدون على كل ما نقل، سواء أكان صحيحاً أو ضعيفاً أو موضوعاً أو لا أصل له أو نحو ذلك. فيقول هنا: إذا ثبتت الحوادث في ميزان نقد الرواية، فبأي منهج نفهمها ونفسرها؟ كيف نفسر هذه الحوادث إذا لم نفسرها بالمنهج الإسلامي؟ لا بد أن تفسر التاريخ والحوادث التي وردت عن الصحابة بالمنهج الإسلامي، منهج أهل السنة، ليس منهج الخوارج، كما سمعت في كلام سيد قطب، فإنه يفسر التاريخ وما وقع بين الصحابة بما يمليه عليه هواه ورأيه، ليس على وفق منهج أهل السنة والجماعة. قال: فلا بد أن نختار منهجاً آخر، فنقع في الانحراف من حيث لا نعلم. إذا لم نأخذ بمنهج أهل السنة والجماعة في الصحابة، فإنك ستأخذ بمنهج آخر شئت أم أبيت، ولا شك أن المنهج الآخر سيكون منهجاً منحرفاً، إما منهج الخوارج، وإما منهج كذلك الروافض، أو نحو ذلك. قال: وبناء على ذلك يجب أن نحذر من تطبيق هذا المنهج على تاريخ الصحابة، ويجب أن نعلم أيضاً أن ما يسمى بالنقد العلمي أو الموضوعية لتاريخ الصحابة هو السب الوارد في كتب أهل البدع. أهل البدع ما وقعوا فيما وقعوا فيه إلا بهذه الحجة. وفي كتب الأخبار، وتسميته بمنهج العلمي لا يخرجه عن حقيقته، لأن العبرة بالحقائق لا بالمسميات، فلا نغتر بهذه التسمية: المنهج الموضوعي، وحقيقتها فتح الباب للطعن والنيل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالتسمية لا يغتر بها المسلم. فكم من تسميات ظاهرها الخير ولكن باطنها الشر، فالعبرة بالحقائق. أليس من المسلمين من يسمي الخمر بالمشروب الروحي، ويسمي الربا بالفوائد والأرباح، ويسمي كذلك العلاقات المحرمة بالحرية؟ فانظروا إلى هذه العبارات البراقة، لكن تحتها الفساد العريض كما هو معلوم. قال: وتسميته بالمنهج العلمي لا يخرجه عن حقيقته التي عرف بها عند أهل السنة، وأيضاً تسميته بذلك لا تعلي من قيمته، كما لا يعلي من قيمتها أن يردده كتاب مشهورون مثل سيد قطب ومن على نحوه، وفيهم من فضل وصلاح. وإنما كل ما فعله المحدثون أنهم أحيوا هذا السب الذي أماته أهل السنة عندما كانت الدولة دولتهم. قال: والذي أوصي به نفسي وإخواني الباحثين في تاريخ الصحابة: ألا يتخلوا عن عقيدتهم، يكتبون التاريخ وفق عقيدة أهل السنة. فإذا وصل الكاتب إلى ما وقع وفيما شجر بين الصحابة، أمسك، أمسك، ولا يسب، ولا يميل، ولا كذلك يطعن. فهذا هو منهج عقيدة أهل السنة والجماعة، كما سيأتي معنا زيادة بيان. قال: ومنها: الاعتقاد بعدالة الصحابة وتحريم سبهم عند البحث في تاريخهم، لأنك إذا ملت لربما حملت في قلبك الغلة والحقد، حملت في قلبك الغلة والحقد على بعضهم، فتقع في المحظور، تقع في المحظور. قال: فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلهم. وليعلم أن لأهل السنة منهجاً واضحاً في النظر إلى تلكم الأخبار، كما سيأتي في آخر البحث. هذا استطراد من المؤلف رحمه الله وحفظه الله تعالى فيما أحدثه العصريون من هذا المنهج الذي ظاهره الخير ولكن يحمل في طياته النيل والطعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: خامساً: حكم سب عائشة. قال: أما من سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه، فقد أجمع أهل العلم أنه يكفر. يعني من رمى عائشة بالزنا والعياذ بالله، فقد وقع في الكفر شاء أم أبى. قال القاضي أبو يعلى: «من قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا خلاف». هكذا يقول القاضي أبو يعلى، وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة لهذا الحكم. فروي عن مالك أنه قال: «من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة قتل». قيل له: لِمَ؟ قال: «من رماها فقد خالف القرآن، لأن القرآن برأها: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، وهذا معاند ومصر على أنها وقعت فيما برأها الله عز وجل من فوق سبع سماوات». وقد تقدم معنا أن قول مالك: «من سب أبا بكر جلد»، فيحمل هذا على أن السب فيما دون الكفر والفسق، أو الطعن في الدين، وإنما هو في الدنيا. وأما إذا كان السب في الدين والطعن في العدالة، فقد تقدم معنا رواية أخرى عن الإمام مالك أنه قال: «من سب أبا بكر قتل». فيفرق بين الروايتين بالتفصيل المتقدم كما مر معنا. وقال ابن شعبان في روايته عن مالك: «لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فمن عاد لمثله فقد كفر، لأنه قال: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، إذن من عاد لمثل هذا القول فليس بمؤمن، إذن ماذا؟ كافر». فهكذا استدل الإمام مالك رحمه الله تعالى بهذه الآية، وهو موضع إجماع كما تقدم. قال: والأدلة على كفر من رمى أم المؤمنين صريحة وظاهرة الدلالة. منها أولاً: ما استدل به الإمام مالك، أن في هذا تكذيباً للقرآن الذي شهد ببراءتها، وتكذيب ما جاء به القرآن كفر. نعم، فالله عز وجل يقول: هي بريئة، وأنت تقول: لا، ليست بريئة، فلا شك أن هذا تكذيب للقرآن. قال الإمام ابن كثير، وهذا في تفسيره عند قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ من سورة النور: «قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن، لأنه معاند للقرآن». وقال ابن حزم تعليقاً على قول الإمام مالك السابق: «قول مالك هاهنا صحيح، وهي ردة تامة، وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها». هذا أولاً. ثانياً: مما يدل على كفر من رمى عائشة بما برأها الله منه، أن فيه إيذاءً وتنقيصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه دل عليها القرآن الكريم. يعني أن رمي زوجه عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه، هذا فيه أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. سيبين المؤلف وجه هذه الأذية. قال: فمن ذلك: أن ابن عباس رضي الله عنهما فرق بين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وبين قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. فقال عند تفسير الآية الثانية، يعني وهي قول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخر الآية: «هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي مبهمة، ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة»، إلى آخر كلامه. يعني: قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. إذن فهنا جعل لهم توبة. وهذه الآية في غير زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه قال هنا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، هذا في حق جميع نساء الأمة، في حق جميع نساء الأمة غير نساء النبي عليه الصلاة والسلام. فلما ذكر الآية الأخرى بعد ذكر براءة عائشة رضي الله تعالى عنها، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخر الآية، هل قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾؟ لا، لم يذكر توبة. وهذا من دقة تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو حبر القرآن، وهو حبر القرآن. فقال ابن عباس: فعند تفسير الآية الثانية: «هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي مبهمة، ليس فيها توبة، ما ذكر بعدها ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾، ما ذكر التوبة، قال: ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة»، إلى آخر كلامه. قال: فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر، يقبل رأس ابن عباس من حسن تفسيره لهذه الآية وتفريقه بين الآيتين. قال: فقد بيّن ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت في من قذف عائشة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه. فإن قذف المرأة أذن لزوجها. تصور لو أحد قال لك: زوجتك زانية، هل سيهنى لك عيش؟ هل ستستطيع أن تعاشرها وأن تجتمع بها أبداً؟ فهو أذن لك، فهو أذن لك. فهنا قال: «فإن قذف المرأة، فإن قذف المرأة أذن لزوجها، كما هو أذن لابنه». كذلك لو قيل لك: أمك زانية، فعوذوا بالله، كيف سيكون حالك؟ لا شك أن هذا طعن، طعن فيك، وربما تشك في نسبك، لأنه نسبة له إلى الدياثة، وإظهار فساد فراش، وإظهار فساد فراش. قال: «وإن زناء امرأته يؤذيه أذى عظيماً، ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله، أعظم مما يلحقه، ولو كان هو المقذوف. لو قيل لك: أنت زانٍ، لربما يكون أهون عليك من أن يقال لك: إن امرأتك زانية، إن امرأتك زانية». هذا معنى قول المؤلف حفظه الله. قال: وكذلك فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كفر بالإجماع، إيذاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كفر بالإجماع. قال القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَيَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾، يعني في عائشة: «يعظكم أن تعودوا وتقولوا هذا مرة ثانية، قال: لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في المقول عنه بعينه، أو في من كان في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم». ولذلك استدل العلماء بهذه الآية على أنه كذلك من رمى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم غير عائشة بما رُميت به عائشة، فهو كافر أيضاً، فهو كافر أيضاً. لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في المقول عنه بعينه، وهو من رُميت به بعينها وهي عائشة، أو في من كان في مرتبته، ومن هو في مرتبة عائشة، بقية أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «أو في من كان في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لما في ذلك من إيذائه، أو من أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله، وذلك كفر من فاعله». انتهى من كلام القرطبي رحمه الله تعالى. قال: ومما يدل على أن قذفهن أذن للنبي صلى الله عليه وسلم، ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما في حديث الإفك عن عائشة، قالت: «فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر عن عبد الله بن أبي، أو من عبد الله بن أبي سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذى في أهل بيتي». كما في الصحيحين. انظري لقولي: «قد بلغني أذى»، إيش فعل ابن سلول حتى آذى النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل ضرب النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل أخذ مال النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا، وإنما كان هو رأس هذه الفتنة، وهو رمي عائشة بما برأها الله عز وجل منه، فعد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أذى، عد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك أذى. قال: فقوله: «من يعذرني»، أي: من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه، إذا رفعت أمري إليه، من الذي ينصفني؟ قال: أي: من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه، لما بلغني من أذاه في أهل بيتي، والله أعلم. فتبت أنه صلى الله عليه وسلم قد تأذى بذلك تأذياً استعذر منه. وقال المؤمنون الذين لم تأخذهم حمية مرنا: «نضرب أعناقهم، فإنا نعذرك إذا أمرتنا بضرب أعناقهم». ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على سعد استئماره في ضرب أعناقهم، فهذا دل على أن هذا من أذى النبي عليه الصلاة والسلام. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: «ومن يقذف الطيبة الطاهرة أم المؤمنين، زوجة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدنيا والآخرة، لما صح ذلك عنه، فهو من ضرب عبد الله بن أبي سلول، رأس المنافقين، ولسان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا معشر المسلمين، من يعذرني في من آذاني في أهلي؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾، فأين أنصار دينه ليقولوا له: نحن نعذرك يا رسول الله؟». قال: كما أن الطعن بها رضي الله عنه فيه تنقيص برسول الله صلى الله عليه وسلم من جانب آخر، حيث قال الله عز وجل: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾. قال ابن كثير: «أي: ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة، لأن الطيبين للطيبات، وأطيب الخلق هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكيف يختار الله له زوجة غير طيبة؟ قال: لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعاً ولا قدراً، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان». فهذه كلها أوجه تدل على أن من رمى عائشة رضي الله تعالى عنها بما برأها الله منه فهو كافر، وذلك بإجماع العلماء. قال: سادساً: حكم سب بقية أمهات المؤمنين. اختلف العلماء في قذف بقية أمهات المؤمنين، يعني غير عائشة، كأم سلمة، أم حبيبة، ونحو هؤلاء الأزواج. قال: والراجح الذي عليه الأكثرون: كفر فاعل ذلك، لأن المقذوفة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى إنما غضب لها لأنها زوجته صلى الله عليه وسلم، فهي وغيرها منه النسوة. فلو أن المنافقين رموا زوجة أخرى غير عائشة رضي الله تعالى عنها، لغضب لها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان فعله عندما رُميت عائشة سيكون كفعله عندما تُرمى أحد أزواجه الأخريات. قال: وكذلك فإن فيه تنقيصاً وأذى لرسول الله بقذف حليلته، والعلل المذكورة سابقاً في عائشة يقال كذلك في بقية أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقد بينا ذلك عند كلامنا عن حكم من قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. أما إن سب أمهات المؤمنين سباً غير ذلك، فحكمهن حكم سائر الصحابة على التفصيل السابق. وإذا تبين لنا هذه الأحكام، ستنجلي لنا كثير من الإشكالات في الحكم على الأفراد والطوائف في هذا الزمان. فكثير من الناس مثلاً يسأل: ما حكم الرافضة والشيعة مثلاً، والزيدية في هذا الزمان؟ هل هم كفار أو ليسوا بكفار؟ فيقال في هذه الطوائف بالتفصيل: فإن وقعت هذه الطوائف في شيء كفري، فيحكم عليها بالكفر. فمثلاً: الرافضة أو الحوثية، هل يرمون عائشة بما هي بريئة منه؟ الجواب: نعم. وقد سمع ذلك كثير من المقاتلين من أهل السنة في بعض الجبهات، ينادون أهل السنة بقولهم: «يا أبناء الزانية»، يعنون من؟ يعنون عائشة. فهم يرمونها بما برأها الله منه. فإن كان هؤلاء، أو من ينتسب إليهم، يقول بهذا القول، فهو كافر بإجماع العلماء كما تقدم. ومن يكفر أبا بكر وعمر وعثمان وبقية الصحابة، كما هو حال غلات الرافضة الاثنى عشرية والإمامية ومن كان معهم، فهؤلاء لا شك أنهم كفار. وأما من لم يصل إلى هذه الدرجة، وإنما هو متحوث، ولا يقول بهذه الأقوال، فإننا لا نستطيع أن نحكم عليه بالكفر. وهذا التفصيل قد قال به جماعة من علمائنا المعاصرين، ومنهم شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى. فمثلاً: الزيدية وبعض الشيعة يفضلون علياً على عثمان، أو يقدمون علياً على عثمان، ولا يكفرون الصحابة، وقد يطعنون في بعضهم ممن هم من غير المشاهير ونحو ذلك. فهؤلاء لا شك أنهم لا يكفرون، لا يكفرون. فالمسألة فيها تفصيل. أما الحوثية فهم من الاثنى عشرية، وعندهم بعض الكفريات الأخرى كاستغاثتهم بالحسين، وهذا ثابت عنهم في مقاطع كثيرة، ومسطر عليهم في كتبهم، وفي محاضراتهم ومحاضراتهم. فلذلك المتعمق معهم والمتمذهب بمذهبهم، مذهب الرافضة الاثنى عشرية أو الإمامية، فإنه يكفر، لأنه يقع في هذه الأمور التي حكم العلماء على كفر صاحبها، على كفر صاحبها. فضبطك لهذه الأحكام الستة تستطيع أن تحكم على الأفراد، وأن تحكم كذلك على الجماعات. ولذلك أهل السنة كثير منهم لم يحكموا بكفر سيد قطب، مع أنه قد نال من الصحابة، قالوا: لأنه لم يكفر معظمهم، وكذلك لم يكفر أحداً من الصحابة، وإنما طعن في عدالتهم، أو في بعض عدالة بعض الصحابة. وقد تقدم معنا أن من طعن في بعضهم، فهذا خلاف بين أهل العلم، وكثير من أهل العلم ذهبوا إلى عدم كفره. فالمهم: هذا التفصيل مهم جداً للعالم في مسألة الحكم على من صدر منه سب لصحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال المؤلف حفظه الله: لوازم السب، يعني: ماذا يلزم ممن يسب الصحابة؟ هناك لوازم خطيرة، لو عقلها هؤلاء لما وقعوا في هذا. قال: لوازم السب: تيقظ السلف الصالح رضوان الله عليهم لخطورة الطعن في الصحابة وسبهم، وحذروا من الطاعنين ومقاصدهم، وذلك لعلمهم بما قد يؤدي إليه ذلك السب من لوازم باطلة، والعمل باللازم أمر معلوم عند أهل السنة، فهو إحدى الدلالات. قال: قد يؤدي إليه ذلك، وذلك لعلمهم بما قد يؤدي إليه ذلك السب من لوازم باطلة تناقض أصول الدين. فقال بعضهم كلمات قليلة لكنها جامعة، يعني في لوازم السب، أذكرها في مقدمة هذا المبحث، ثم أوضح بعض الشيء ما يترتب على السب غالباً، وسأركز في الرب على السب من القسم الأول والثاني، من نسبة الكفر أو الفسق لمجموع الصحابة أو أكثرهم، أو الطعن في عدالة من تواترت النصوص بفضلهم ك الخلفاء رضي الله عنهم. قال الإمام مالك رحمه الله عن هؤلاء الذين يسبون الصحابة: «إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه». القدح في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد حان فيه. هذه قاعدة معلومة: أنت لو تصاحب شخصاً، فطعن في هذا الشخص، ماذا سيقول الناس؟ «عاد فلان يمشي معه، عاد فلان صاحبه، إذن هو مثله». وهذا دليل على سوء خلق أو سوء طريقة هذا المصاحب. وهكذا: فهؤلاء لم يستطيعوا أن ينالوا من النبي عليه الصلاة والسلام، لم يمكنهم ذلك، فلجأوا إلى هذه الطريقة الخبيثة، وهو الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال إمام مالك: «إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه، حتى يقال: رجل سوء، لماذا؟ لأنه يصحب أهل السوء، يصحب أهل السوء، وعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، إن القرين بالمقارن يقتدي». فسيقال: حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين. فالقدح في الصحابة قدح في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقال الإمام أحمد رحمه الله: «إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء، فاتهمه على الإسلام». يعني: ربما يكون ليس من أهل الإسلام. وهذا هو حال الروافض: ليس من أهل الإسلام، الذين ينتقصون أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ويكفرون أغلبهم، ولا يثبتون الإسلام إلا لأفراد منهم. فهؤلاء متهمون في الإسلام. وقال أبو زرعة الرازي رحمه الله: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أنه زنديق». وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح أولى بهم، وهم زنادقة. هذه قاعدة عظيمة: الطعن في الحُملة طعن في المحمول. الطعن في الحُملة: إذا طعن في أبي هريرة، وهو ديوان الإسلام، وأكثر الصحابة تحديثاً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكم سنسقط من أحاديث؟ ذهب الدين. طعن في المحمول، طعن في الدين. وهكذا إذا طعن في عائشة رضي الله عنها، في أنس، في أبي سعيد الخدري، في غيرهم من المكثرين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. هؤلاء شهودنا، وهؤلاء نقلة ديننا. فإذا طعن فيهم، طعن في الدين. فانظر كيف تفطن أهل العلم للوازم هذا السب والطعن من أهل البدع والضلال والزنادقة. وقال الإمام أبو نعيم رحمه الله: «فلا يتتبع عورات أصحاب رسول الله سلم، وزلاتهم، ويحفظ عليهم ما يكون منهم في حال الغضب والموجدة، إلا مفتون القلب في دينه». هذا الذي يتتبع، وهذا الذي يجمع ما شجر بين الصحابة ويبثها بين الناس، ويشكك الناس في حملة هذا الدين. وقال أيضاً، أي أبو نعيم: «لا يبسط لسانه فيهم إلا من سوء طويته في النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والإسلام والمسلمين». لا يبسط لسانه فيهم إلا من سوء طويته، يعني عنده طوية سيئة في النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والإسلام والمسلمين. فما فعل ذلك إلا وقلبه مليء بالسوء والغيظ على نبي الأمة، وعلى أصحابه، وعلى الإسلام والمسلمين. قال: وتحذير العلماء هنا عام يشمل جميع الصحابة. وتأمل قول إمام أهل السنة: «يذكر أحداً من الصحابة بسوء»، وقول أبي زرعة: «ينتقص أحداً». فحذروا مما ينتقص، أو مما ينتقص، مجرد انتقاص أو ذكر بسوء، وذلك دون الشتم أو التكفير، ثم في واحد منهم، وليس جميعهم. فماذا يقال في من سب أغلبهم؟ فانظر إلى هذا التعميم من السلف في التحذير ممن ينتقص أحداً، والانتقاص قد يكون دون الشتم أو التكفير، وإنما بقدح، ولو كان في الدنيا، في أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فكيف بما هو أشد من هذا الانتقاص، كرميهم بكفر أو فسق؟ أو إذا كان هذا السب لأكثرهم وأغلبهم، فلا شك أن كلام أهل العلم يكون أشد. قال: وإليك أخي القارئ إيضاح لبعض لوازم السب: أولاً: يترتب على ذلك القول بكفر وارتداد معظم الصحابة، أو فسقهم، فسقهم إلا نفراً يسيراً. ثانياً: الشك في القرآن الكريم