شرح أعلام السنة المنشورة  173

شرح أعلام السنة المنشورة 173

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 173، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الحدود الشرعية وكفارتها للذنوب

المحور يتناول مسألة الحدود الشرعية وكفارتها للذنوب، حيث يرى جمهور العلماء أن إقامة الحد على العاصي تكفر ذنبه. يُستدل على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين أن العقوبة الشرعية كفارة للذنب.

أهمية ستر الذنوب وعدم إفشائها

إذا ستر الله على العبد ذنوبه فالأولى له أن يستتر على نفسه ولا يفضحها، إلا إذا كانت المعصية متعلقة بحقوق العباد. هذا الفصل يبين أهمية الحفاظ على ستر الله للعبد وعدم جواز إفشاء سره.

الفرق بين التوبة وإقامة الحد وأنواع الحساب يوم القيامة

هذا الفصل يوضح الفرق بين التوبة وإقامة الحد، ويبين أنواع الحساب يوم القيامة، حيث هناك حساب العرض والحساب المناقش. كما يشير إلى أن إقامة الحد تكون حتى وإن تابت الشخص إذا بلغ الذنب إلى السلطات.

مشيئة الله لأصحاب الكبائر ومصيرهم

أهل السنة والجماعة يعتقدون أن أصحاب الكبائر تحت مشيئة الله، إما يعذبهم أو يغفر لهم. هذا الفصل يعكس نظرتهم إلى قدرة الله وعدله في التعامل مع مرتكبي الكبائر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف -رحمه الله تعالى- هل الحدود كفارات لأهلها؟ الحدود هي العقوبات الشرعية التي جعلها الله سبحانه وتعالى على من أتى كبائر الذنوب، من سرقة، من زنى، ونحو ذلك، فلأن عاصيا أقيم عليه الحد، فهل هذه العقوبة مكفرة لذنبه، مذهبة لعيبه، لا يحاسب عليها يوم القيامة؟ هذا هو السؤال: هل الحدود كفارات لأهلها؟ قال -رحمه الله تعالى- قال النبي صلى الله عليه وسلم، وحوله عصابة من أصحابه -عصابة بمعنى جماعة- قال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم، فأجره على الله، فإن الله لا يضيع عمل المحسنين». قال: «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به، فهو كفارة له». فمن لم يلتزم، فوقع في هذه الكبائر بشيء منها، من زنا ونحوه ذلك، فعوقب -العقوبة شرعية- كي يكون قطع اليد، والرجم، أو حد قتل النفس -وهو إزهاق النفس والروح- أقيم عليه الحد، فما عاقبه؟ قال نبينا: «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا، فهو كفارة له». ما معنى كفارة له؟ بأن الله جل وعلا غفر له ذنبه، وكفر عما وقع فيه، فمعنى كفارة له، أي أن الله لا يحاسبه، ولا يعاقبه، بل لا يجد هذا الذنب مسجلا عليه، يمحى من ذنوبه إن أقيم عليه الحد، وهذا من كمال رحمة الله بالعباد، أن الله لا يجمع للعبد عقوبتين، عقوبة الدنيا والآخرة، لا يفعل الله ذلك، أن يعاقب في الدنيا بأن يقام عليه حد، وأن يعاقب في الآخرة بأن يعذب، لا. وقد جاءت بذلك آثار يحسنها جماعة من العلماء، أن الله قد عفى عن عبده أن يعاقبه بعقوبتين، فإن عوقب في الدنيا، هذه كفارة -كفارة بمعنى أنها كأنها لم تكن-. فمن زنى -والعياذ بالله- فأقيم عليه الحد، فهذه الحدود التي أقيمت عليه مذهبة لهذا الإثم، قد غفر الله له، فلا يخاف تبعات هذا الذنب، وإن لم يتب -انتبه- وإن لم يتب على القول الصحيح، وإن لم يتب على القول الصحيح. وهذه مسألة تنازع فيها العلماء، وهي مسألة: هل الحدود كفارة لأهلها أم لا؟ جمهور العلماء على هذا، من وقعت عليه عقوبة الدنيا من حد شرعي، فهي كفارة له، تاب أو لم يتب، كفارة. وذهب جماعة من العلماء، وهذا قول بعض التابعين، كسعيد بن المسيب، وقول ابن حزم، يقول: لا، يقول: الكفارة هذه العقوبة، هذه ليست بكفارة، فيرى عندهم قاعدة أن العقوبات زواجر وليست جوابر -زواجر وليست جوابر- أي أنها بها ينزجر العبد إنزجارا فقط، أما أنها تجبر الخلل الذي وقع فيه فلا. ولهذا يرون أن الذي أقيم عليه الحد يفتقر إلى توبة، أي إقامة حد مع توبة، لا أبدا، التوبة تكون موجودة معك. لكن ما ذهب جماهير العلماء يقول: لا، فإذا أخذ أحد بذنبه، ثم عوقب، العقوبة هذه تذهب عنك. فيرون أن الكبائر إما أن تذهب بتوبة، وإما أن تذهب بعقوبة، إما هذا وإما هذا. وهذا ظاهر النص، والذي عليه أكثر العلماء. ومن أهل العلم من توقف، بعض العلماء إن سئل: هل الحدود كفارة لأصحابها؟ يقول: الله أعلم. وهؤلاء يستدلون بحديث أبي هريرة الذي فيه يقول رسول الله: «لا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا». لكن هذا الحديث أعله البخاري وجماعة من المحققين بأنه ضعيف. ولهذا القول الصحيح مذهب جماهير العلماء، أن من أقيم عليه الحد فهو كفارة له، لا يعاقبه الله به بذلك يوم القيامة، هذه عقوبة الدنيا تكفي. وهذه من رحمة الله جل في علا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله، إن شاء عفى عنه، وإن شاء عاقبه» -يعني غير الشرك، أي هذه الذنوب في غير الشرك، أما الشرك لا يغفره الله أبدا-. قال: «عباد، فبايعناه على ذلك». وهذا الحديث في الصحيحين. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله»، بعض الناس قد لا يعرف أمرهم، يقع -نعم- في الكبائر، لا أحد يدري بفعلته. طيب إذا علم الشخص بعد هذا من الله عليه بالهداية، وعلم جريرة وجريمة فعله، وأنه اقترف كبيرة من كبائر الذنوب، فما الذي عليه؟ هل عليه أن يقدم نفسه للمحاكم الشرعية لكي يقيم عليه شرع الله؟ أم أنه يتستر بستر الله؟ مثاله رجل هداه الله، فلما اهتدى علم ما كان عليه من ضلالة، فجور، وسرقة، وزنا، وفواحش، ولا زالت النفس تؤنبه، وعلم من خلال الأدلة الشرعية أن الحدود كفارة، ولا أحد يدري بأمر إلا الله سبحانه وتعالى، هل له أن يذهب -مثاله الآن- إلى المحاكم الشرعية والقضاء الذي يحكم بشرع الله، يقول: يا أيها الكرام، أنا قد فعلت، فأقيموا عليه حد الله؟ الأفضل والأولى والذي ينبغي أنك تتستر بستر الله، بما أن الله من عليك بالستر، فهذه منة من الله، فلا تكشف ستر الله عنك، فلا تكشف ستر الله عنك. يقول إمام الشافعي -رحمه الله-: «قال: وَأُحِبُّ لِمَنْ أَصَابَ ذَنْبًا وَسَتَرَهُ اللَّهُ فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَتَقَرَّبْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهُ». كذلك روي عن أبي بكر وعن عمر -رضي الله عنهما- في رجل أصاب ذنبا أن يستتر على نفسه. وهذا هو الصحيح النصوح، والذي قد مرت معنا شروط التوبة عنها: الإقلاع، والندم، وعدم التمادي والاسترسال، إذا تمت الشروط الصحيحة في التوبة، فإن الله جل وعلا ليس فقط يغفر لك، بل إن الله يبدل سيئاتك حسنات. وهذا قد مر معنا في الدروس الخالية الماضية. وبهذا نعلم أنه إن ستر الله على العبد فلا يفضح نفسه، ولا يكشف نفسه. بعض الناس لربما يفعل هذا إما من حسن النية، يقول: نعم، كنا في بلاء، وفعلنا... لا تقول: فعلنا، فعلنا، لما تفضح نفسك؟ قد سترك الله، قد سترك الله، وقد أخفى الله عنك عيوبك أمام الخلق، ثم بعد ذلك لا ترضى بهذا الستر، ثم تتقدم وتكشف عن نفسك: أنا فعلت، وأنا فعلت. إن كان هذا من حسن النية فلا يجوز، فما ظنك بالذي يتفاخر بمعصيته، يخل بمحارم الله، وقد ستره الله، ثم يصبح ثم يقول: فعلت، تعالى يا جماعة، والله البارحة فعلت، وشربت، وسكرت... إلخ، أعوذ بالله. وهؤلاء من أعظم الناس عقوبة، فإن الله لا يحب المجاهرين بمعاصيه، «كل أمة معافى إلا المجاهرين»، أمة يعافيها ربنا في الحساب، يعافيها في العذاب، يعافيها في العقاب، يعافي ربنا أمته من عباده إلا من كان مجاهرا. فإن سترك الله يا عبد الله، احمد الله على ستر الله عليك، لكن لا تسترسل، ولا تفضح نفسك، واجعل بينك وبين الله توبة، ومن ذلك أنك تكثر من الأعمال الصالحة، تكثر من الأعمال. وهذه التوبة كما قلنا التي بها ستر فيما بينك وبين الله. أما إذا كان هناك حقوق للعباد كما قلنا، لا تسكت عنها، كحال رجل فعلا أكل أموال الناس، أخذ أراضي، أخذ عقارات، استولى على أماكن، وأكل أموال الناس بالباطل، ثم يقول: أنا تبت، وأنا سأستر على نفسي، أستر على نفسك؟ عبده الحقوق للعباد معلقة في ذمتك، لا. إذا كان الذنب فيما بينك وبين الله، وسترك الله، أستر. أما إذا كان الذنب عبارة عن معصية بينك وبين خلق الله، وجب أن تستوفيها لعباد الله، إلا في حالة واحدة، حالة واحدة، أن ينبغي أن يقام فيك حد الله، متى؟ إذا بلغ الأمر إلى وليه وإلى القضاء، فإذا بلغ الأمر إلى السلطات، وعلموا أنك فعلت أنك فعلت، فحينها وجب أن يقام عليك الحد في هذا الحال. أما إذا لم يصل الأمر إلى السلطات، فكن يا عبد الله ممن قبل ستر الله. أما إذا وصل الأمر إلى أصحابه، ولهذا انظر في تلك الغامدية التي سلمت نفسها لرسول الله واعترفت بما فعلت، فأقام عليها نبي الحد، مع علم رسول الله بتوبتها، صرح نبي قال: «إنها تابت توبة لو تابها أهل المدينة أو سبعون من أهل المدينة وسعتهم». انظر لعظيم توبتها، ورفع الله قدرها، فلعلم نبينا أن توبتها نصوح، ومع ذلك الحد أقيم عليها، لأن الحد إذا ارتفع إلى أهله، وارتفع عند السلطات، وعند أهل الشأن، لا بد أن يقام، لا بد أن يقام، ولو كان صاحب قد تاب، فإن التوبة لا تسقط الحد، هذا إذا بلغ. أما إذا لم يبلغ السلطات، ولا إلى ولي الأمر، ولا إلى المحاكم، ولا إلى القضاء، وإنما فيما بينك وبين من وقعت فيه ذنب، فسترك الله، استر على نفسك. قال مؤلف -رحمه الله تعالى- هنا سؤال لك نذكره استطرادا، لأن هذا سؤال متعلق بالذي قبله، قال: ما الجمع بين قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «فهو إلى الله إن شاء عفى عنه وإن شاء عاقبه»، وبين ما تقدم أن من رجحت سيئاته بحسناته دخل النار؟ فقد يقول قائل: كيف نجمع هنا ذكرتم عفو، وهنا قررتم أن من غلبت السيئات فإن الله سيعاقبه؟ قال مؤلف -رحمه الله-: لا منافاة بينهما، فإن من يشأ الله الأمر كله يعود إلى الله سبحانه وتعالى، قال: فإن من يشأ الله أن يعفو عنه يحاسبه الحساب اليسير الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالعرض، وقال في صفته: «يدنو أحدكم من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه -أي ستره- فيقول -أي يقول الرب للعبد المذنب- يقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، فيقرره -هذا يسمى عرض- هذا يسمى عرض، فإن وجد العبد من نفسه أنه أمام ربه جل وعلا أن الله فقط يعرض عليه الذنوب، يعرضه عرضا فقط: عملت، وفعلت، وفعلت، والعبد يقر بذنبه، لا يكذب، للشهود الذي قد جعلهم الله على الشهود بالنفس، وشهود بالملائكة، قال: فيقرر، ثم يقول -أي يقول الله لهذا العبد- إني سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. فمن كان رجل من نفسه أن الله جل وعلا حسابه مع عبده يكون عن طريق عرض الذنوب، وهو يقر بها، فليعلم أن الله أراد به رحمة، وأن الله جل وعلا سيغفر له. قالوا: أما الذين يدخلون النار بذنوبهم، فهم ممن يناقش الحساب، هذا العبد الصنف الثاني في الحساب. وإذا وجد العبد أنه في حسابه مع ربه نقاش، نقاش يخبره ربه بذنبه، فيأبى: لا يا رب، أنا ما فعلت. فإذا وجد العبد أنه يجادل، يجادل كما قال نبينا: «ضحكت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة»، يجادل بعض الناس عندهم جدل، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا، يجادل حتى ربه، يكذب. فإذا وجد العبد أنه دخل في جدال مع رب العالمين، ينكر ويكذب، فليعلم أن الله أراد به الهلاك، «من نوقش الحساب عذب»، فهذا صاحب ذنب، وذاك صاحب ذنب، فذاك عفى الله عنه عندما كان الحساب عبارة عن عرض، وهذا أهلكه الله بذنوب لما كان حسابه مناقشة. وبهذا نعلم أن الأمر كله يعود إلى الله سبحانه وتعالى، فالعصاة هم يدورون بين إما أن الله يتغمدهم برحمته فيعفو عنهم، وإما أن الله يعاقبهم بعدله فيعاقبهم على قدر ذنوبهم، ففي كل الأحوال ما ظلم الله أحدا من خلقه سبحانه وتعالى، إما أن يعامل العبد بعفوه فيرحم من يشاء، ويغفر من يشاء، وإما أن الله يعامل العبد بعدله، وذلك ينظر في كتابه، وينظر في ميزانه، ثم يحكم عن نفسه بنفسه، «كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا». قال -رحمه الله تعالى-: «من نوقش الحساب عذب»، وبهذا لا منافاة، والآية التي وردت في هذا الباب، قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فالأمر بمشيئة الله من قبل ومن بعد. ولهذا كان من معتقد أهل السنة والجماعة أن أصحاب الكبائر هم تحت مشيئة الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.