الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 170، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين الشيخ الفرق الجوهري بين الإرادة الكونية التي تشمل كل واقع محبوباً ومكروهاً، والإرادة الشرعية المختصة بما يحبه الله ويرضاه من الطاعات. ويوضح كيف تجتمع الإرادتان في المؤمن الطائع وتنفرد الكونية في حق العاصي، مستدلاً بآيات الهداية واليسر.
يوظف المؤلف التفريق بين الإرادتين للرد على تساؤل: كيف يشاء الله ما لا يرضاه؟ مبيناً أن وقوع المكروهات يدخل تحت الإرادة الكونية المقترنة بالحكمة والابتلاء، لا تحت الإرادة الشرعية الدينية التي تختص بالمحبة والرضا.
يؤكد المؤلف أن الإشكال قد زال وتبيّن وجه الصواب في الرد على الشبهة المثارة، موضحاً أن سؤاله كان بهدف دحض هذه الشبهة، ويختتم بالاكتفاء بما ذُكر من بيان وتوضيح.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة"، السؤال الخمسون بعد المئة: قد أخبرنا الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله، وبما علمنا من صفاته، أنه يحب المحسنين والمتقين والصابرين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين ولا الظالمين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، مع كون كل ذلك بمشيئة الله وإرادته، وأنه لو شاء لم يكن ذلك، فإنه لا يكون في ملكه ما لا يريد. فما الجواب لمن قال: كيف يشاء ويريد ما لا يرضى به ولا يحبه؟ أورد هذا السؤال على وجه الشبهة والإشكال الذي قد يرد في أذهان بعض الناس، بل قد يدندن به بعض أهل البدع والأهواء، فأراد من هذا رفع هذا الإشكال وبيان وجه الصواب في هذه المسألة. قال رحمه الله: الجواب: اعلم أن الإرادة في النصوص جاءت على معنيين: إرادة كونية قدرية، وهي المشيئة كما تقدم معنا، ولا ملازمة بينها وبين المحبة والرضا. ومعنى "لا ملازمة بينها" يعني أن الإرادة الكونية والمشيئة تكون فيما يحبه الله وفيما لا يحبه الله، لأنها تتعلق بالوقوع. فالإرادة الكونية تقع لا محالة لأن الله شاءها، فهي تقع على ما يحبه الله ويرضاه، وعلى ما لا يحبه الله ويرضاه. هذا معنى قوله: "ولا ملازمة بينها"، ولا ملازمة بينها وبين المحبة والرضا، يعني لا يشترط في الإرادة الكونية أو في المشيئة أن تكون فيما يحبه الله فقط. لا، لا ملازمة بينها وبين المحبة والرضا. ولذلك قال: بل يدخل فيها الكفر والإيمان؛ الكفر لا يحبه الله، والإيمان يحبه الله، والطاعات والعصيان؛ الطاعات يحبها الله، والعصيان لا يحبه الله، والمرضي والمحبوب فالمردي والمحبوب يحبه الله، والمكروه وضده فالمكروه لا يحبه الله. قال: وهذه الإرادة ليس لأحد خروج منها ولا محيص عنها، فهي واقعة على كل الخلق لأنها تتعلق بالوقوع، وهي بمعنى المشيئة. قال: كقوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. فقوله في هذه الآية: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ﴾، الهداية أمر يحبه الله لعباده، فقوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ﴾ هذه الإرادة الكونية وهي بمعنى المشيئة، فهذا أمر يحبه الله. ثم قال: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، والضلال للعباد مما يبغضه الله. فإذا الإرادة الكونية قد تكون في أمر يحبه الله، وقد تكون في أمر لا يحبه الله، وهو بمعنى المشيئة. قال: وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾. فإذا: ﴿مَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ هذا أمر لا يحبه الله، نعم، ﴿وَمَن لَّمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قَلْبَهُ﴾ هذا أمر لا يحبه الله، فهو من الإرادة الكونية. هذا القسم الأول وهو بمعنى المشيئة كما تقدر. الثانية: إرادة دينية شرعية، مختصة بمرضاة الله ومحابه، وعلى مغتضاها أمر عباده ونهاهم. فهذه تختلف عن الإرادة الكونية بأنها لا تقع إلا فيما يحبه الله. هذه الإرادة الدينية الشرعية لا تقع إلا فيما يحبه الله سبحانه وتعالى، فهي مختصة بمرضاة الله عز وجل ومحابه، وهي المراد بها الأمر والنهي. فالصلاة مما يحبه الله، والزكاة مما يحبه الله، والصدق مما يحبه الله، والأمانة مما يحبه الله، هذا كله من الإرادة الدينية الشرعية. وهكذا الكذب مما يبغضه الله، وكذلك الخيانة وترك الصلاة وعقوق الوالدين، فهذه من الأمور التي لا تدخل في الإرادة الدينية، وإنما من امتثل أمر الله فابتعد عماها الله عز وجل عنه، فهذه من الإرادة الدينية الشرعية. قال: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، فيريد الله بكم اليسر هذه إرادة شرعية دينية، ولا يريد بكم العسر هذا كذلك إرادة دينية شرعية، فلا يريد الله عز وجل بكم العسر لأن هذا مما لا يحبه الله لعباده. قال: وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. إذن هنا يريد الله هذه إرادة دينية لأن البيان والهداية مما يحبه الله سبحانه وتعالى. قال: وغيرها من الآيات. قال: وهذه الإرادة لا يحصل اتباعها إلا لمن سبقت له بذلك الإرادة الكونية. لماذا؟ لأن الإرادة الكونية لا بد أن تقع. فمن حصل على الإرادة الدينية الشرعية لا بد أن تقع. أراد الله لك أن تصلي فأنت الآن جمعت بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية: الإرادة الكونية لأنها وقعت لأن هذا الأمر وقع، والإرادة الشرعية لأن فعل الصلاة مما يحبه الله سبحانه وتعالى. فإذن معنى قولي: "وهذه الإرادة لا يحصل اتباعها إلا لمن سبقت له بذلك الإرادة الكونية" أولا تقع ثم يحصل العبد عليها. قال: فتجتمع الإرادة الكونية والشرعية في حق المؤمن الطائع لأنه يحصل له ما يحبه الله، وتنفرد الكونية في حق الفاجر العاصي. فالفاجر الذي يترك الصلاة هذا وقعت له الإرادة الكونية لكن لم تقع له الإرادة... الشرعية. لماذا؟ لأن ترك الصلاة لا يحبه الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله: "فتجتمع الإرادة الكونية والشرعية في حق المؤمن الطائع وتنفرد الكونية في حق الفاجر العاصي". في حق الفاجر العاصي كما تقدم. قال: فالله سبحانه دعا عباده عامة إلى مرضاته، فهذا الذي دعا إلى الله عز وجل مما يرضيه هذا من الإرادة الشرعية. وإذا وقعت لبعض عبادة فهذا العبد جمع بين الإرادة الكونية كونها وقعت، وبين الإرادة الشرعية كونها يحبها الله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله: "فالله سبحانه دعا عباده عامة إلى مرضاته". وهذا لإجابته من شاء منهم، من شاء منهم. فهذا الذي هداه جمع بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. فمن هداه إلى الصراط المستقيم جمع بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، ومن لم يهده إلى الصراط المستقيم وقعت له الإرادة الكونية فقط دون الإرادة الشرعية. قال: فعمم سبحانه الدعوة: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ أي الجنة لأنها سالمة، وخص الهداية بمن شاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾. فمن ضل عن سبيله يعمل أعمالا لا يحبها ولا يرضاها، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾. فمن هداه الله عمل بالأعمال التي يحبها ويرضاها. إذن الخلاصة: أن الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية أن الإرادة الكونية تقع لا محالة، كل ما هو واقع في قدر الله عز وجل فهو من الإرادة الكونية. وأما الشرعية فقد تقع وقد لا تقع. فالله عز وجل يحب لعباده الإيمان، فهل كل العباد حققوا الإيمان واتصفوا بالإيمان؟ لا، فمنهم من وقع له الإيمان ومنهم من لم يقع له الإيمان. إذن الإرادة الشرعية قد تقع وقد لا تقع، وأما الكونية فلا بد أن تقع وهي بمعنى المشيئة، لأن المشيئة عبارة عن درجة ومرتبة من مراتب القدر، من مراتب القدر. هذا الفرق الأول بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية: أن الإرادة الكونية لا بد أن تقع، وأما الإرادة الكونية لا بد أن تقع، وأما الإرادة الشرعية فقد تقع وقد لا تقع. هذا فرق. وفرّق آخر: أن الإرادة الكونية تشمل ما يحبه الله وما لا يحبه، فيقع الإيمان من بعض العباد ويقع الكفر من بعض العباد، فهذا الوقوع من الإرادة الكونية، وفيه ما يحبه الله وما لا يحبه الله. وأما الإرادة الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه الله. إذن هذان فرقان بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وبفهم الفرق بينهما تستطيع أن تزيل الإشكال الوارد الذي أورده المؤلف في هذا السؤال، في هذا السؤال. فقوله هنا: "قد أخبرنا الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله وبما علمنا من صفاته أنه يحب المحسنين"، نعم هذه من ماذا؟ من الإرادة الشرعية. "والمتقين والصابرين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، كل هذا من الإرادة... الشرعية. "ولا يحب الكافرين ولا الظالمين ولا يرضى لعباده الكفر ولا يحب الفساد"، هذا كله من الإرادة الكونية ولا يدخل في الإرادة الشرعية. فإذن مشيئته سبحانه وتعالى تشمل ما يحبه وما لا يحبه، مشيئته سبحانه وتعالى تشمل ما يحبه وما لا يحبه لأنها من الإرادة الكونية وليست من الإرادة الشرعية. فإذا هذا هو الجواب. فقوله: "فما الجواب لمن قال كيف يشاء ويريد ما لا يرضى به ولا يحبه"؟ فالجواب على ذلك كما تقدم: أن المشيئة من الإرادة الكونية التي لا بد أن تقع، وكما تقدم أن كل ما شاءه الله عز وجل فهو مقرون بحكمة. فكونه سبحانه وتعالى لم يجعل جميع الخلق من أهل الإيمان في ذلك حكم كثيرة، قد تقدم التنبيه على بعضها، ومنها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾، ﴿وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾، ﴿وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ﴾، وغيرها من الآيات. فكون الله عز وجل يشاء ما لا يرضى به فهذا ليس من الإرادة الشرعية الدينية، وإنما هو من الإرادة الكونية التي حاصلها وجوب الوقوع، لا بد أن تقع، لا بد أن تقع، وقد وقع ذلك في بعض العباد. فبهذا يزول الإشكال ويتبين وجه الصواب في رد هذه الشبهة التي ربما يدندن بها البعض أو تعلق في أذهان البعض أو تعرض على بعض الناس، فأراد المؤلف بهذا السؤال أن يرد على مثل هذه الشبهة. وبهذا نكتفي، وإلى هنا والله تعالى.