الدرس في شرح نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُعرّف المقطع طبقات الرواة بأنها جماعة تشترك في السن ولقاء المشايخ، ويبيّن أهميتها العظمى في الأمن من تداخل المشتبهين، وكشف التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة.
يُشرح كيفية تصنيف الرواة إلى طبقات وفق معايير الصحبة والسن واللقاء، مع بيان خلاف العلماء كابن حبان وابن سعد في عدد طبقات الصحابة، ويُشير إلى تطبيق المنهج ذاته على التابعين.
يُفصل تقسيم الحافظ للتابعين إلى ثلاث طبقات، ويؤكد ضرورة معرفة مواليد المحدثين ووفياتهم للتحقق من صحة اللقاء، ودور معرفة الأوطان في التمييز بين المتفقين في الاسم المختلفين في النسبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: خاتمة. أن بعدما ذكر بعض المصطلحات، ذكر خاتمة في هذا العلم، وضمن هذه الخاتمة عدة أشياء يستفيد منها طالب هذا العلم، وهذه الأشياء ليست من الأشياء التي قد تكون من الزائدة أو النفل، بل بعضها أشياء من مهمات هذا العلم، كما سيأتي، مثل الجرح والتعديل وغيره. قال رحمه الله تعالى: ومن المهم عند المحدثين معرفة طبقات الرواة، وهذا من أعظم المهمات. ومن المهم معرفة... قالوا: فائدته الأمن من تداخل المشتبهين، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس، والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة. والطبقة في اصطلاحهم: عبارة عن جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ. الآن أولاً: المراد بالطبقات؛ الطبقات هي عبارة عن جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ، يعني هذه طبقة... طبقة، أي أنهم متقاربون في السن، وكذلك في لقاء المشايخ، سواء كان كلهم أو أكثرهم، كلهم أو أكثرهم، أو بحسب البلاد، حسب البلاد. فما فائدة هذه الطبقات؟ فيها فوائد: أولاً: الأمن من تداخل المشتبهين. فهذا اسمه مثل اسم هذا، لكن كيف يعرف أن هذا الرجل هو فلان؟ يعرف بطبقته، هذا يعرف بالمشايخ الذين يروي عنهم، بتلاميذه، المراد به الطبقة. وأيضاً الفائدة الثانية: إمكان الاطلاع على تبيين التدليس. يعني إذا عُرف المدلس من غيره بواسطة الطبقات، أن يروي مثلاً عن من لم يدركه، أو مثلاً يروي عن من لم يعاصره، فيعرف أن هذا الرجل مدلس، يعرف أن هذا الرجل يدلس. فبما أنه يدلس، فيتحذر من حديثه، فإذا روى حديثاً بالعنعنة، لا يقبل حديثه حتى يصرح، لأنه قد عرف عنه التدليس. فكيف يعرف التدليس؟ أنه يروي أشياء لم يسمعها، وكذلك يروي أشياء عن أناس لم يدركهم ولم يلتقي بهم. طيب. قال: والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة. أنا أرى إذا عرف أن هذا الرجل مدلس، أو إذا عرف طبقة هذا الرجل والذي يروي عنه، عرف أن هذه العنعنة إما متصلة وإما منقطعة. إذا عرف أن هذا الرجل الذي يروي عنه ليس من عصره، وإنما متقدم على عصره، لم يدركه، عرف أن هذه العنعنة ليست متصلة. وإذا كان هذا الرجل ممن التقى به، عرف أن هذه العنعنة من المتصلة، وهكذا. قال: وقد يكون الشخص الواحد من طبقتين باعتبارين. كان أنس بن مالك رضي الله عنه، فإنه من حيث ثبوت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم يعد في طبقة العشرة مثلاً، ومن حيث صغر السن يعد في طبقة من بعدهم. لماذا يعده في طبقة العشرة؟ لأنه كان من الملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فمن نظر إلى الصحابة باعتبار الصحبة، جعل الجميع طبقة واحدة، كما صنع ابن حبان وغيره. تجد أن الناس أو العلماء اختلفوا في الطبقات، في تصنيف الطبقات، فمنهم من جعل الصحابة طبقة واحدة، ومنهم من جعل الصحابة ثلاث طبقات، ومنهم من جعلها أكثر. فابن حبان جعل طبقة الصحابة واحدة، واتبعه على ذلك جمع من الأئمة، ومنهم الحافظ ابن حجر في التقريب. قالوا: من نظر إليهم باعتبار قدر زائد، كالسبق إلى الإسلام، أو شهود المشاهد الفاضلة، جعلهم طبقات. وإلى ذلك جنح صاحب «الطبقات» أبو عبد الله محمد بن سعد البغدادي، وكتابه أجمع ما جمع في ذلك، فهنا كتاب «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد. قالوا: كذلك من جاء بعد الصحابة وهم التابعون، من نظر إليهم باعتبار الأخذ عن بعض الصحابة فقط، جعل الجميع طبقة واحدة، كما صنع ابن حبان أيضاً. ومن نظر إليهم باعتبار اللقاء، قسمهم كما فعل محمد بن سعد. ولكل منهما وجه: فهذا وجهه أنهم كلهم التقوا بالصحابة، وهذا وجهه أنهم مختلفون في لقائهم، لهذا كان هذا له طبقة، وهذا جعلهم طبقة واحدة، وهذا جعلهم ثلاث طبقات، أو أكثر من ثلاث. والحافظ جعلهم في التقريب ثلاث طبقات: جعل التابعين ثلاث طبقات: كبار التابعين، وأواسط التابعين، وصغار التابعين. قال: ومن المهم أيضاً معرفة مواليدهم ووفياتهم، لأن بمعرفتهما يحصل الأمن من دعوى المدعي للقاء بعضهم، وهو في نفس الأمر ليس كذلك. هذا أيضاً من المهمات: أن تعرف مولد هذا المحدث، وكذلك سنة وفاته، فإن عرف ذلك، فإنه يأمن بعد ذلك دعوى المدعي لقاء بعض المشايخ. بعضهم يقول بلسان مقاله: إني التقيت بفلان وفلان، وهو لم يلتقي بهم، مثل من ادعى الصحبة، ككرة الهندي وغيره، وهو بعد الستمائة. ومنهم من يقول مثلاً، يقول بلسان حاله، لأنه يقول: عن فلان، ويكثر عن فلان، حتى يظهر للناس أنه رأى فلاناً وسمع منه، وهو لم يره ولم يسمع منه. كيف يعرف ذلك؟ يعرف بوفاته، فيقال: هذا الرجل الشيخ توفي سنة كذا، وهذا الرجل إنما ولد في كذا، كيف رأى؟ أو مثلاً يقال: إن هذا الرجل من البصرة، وهذا الرجل ما دخل البصرة، الثاني هذا التلميذ ما دخل البصرة إلا بعد ما مات هذا، فهذا أيضاً كذلك يعرف به هذه الأمور. قالوا: من المهم أيضاً معرفة بلدانهم وأوطانهم، وفائدته الأمن من تداخل الاسمين إذا اتفقا نطقاً لكن افترقا بالنسبة. أنا أيضاً كذلك من المهمات معرفة البلدان والأوطان: هذا من أهل البصرة، وهذا من أهل الكوفة، وهذا من أهل المدينة، وهذا من أهل مكة. فائدة ذلك: الأمن من تداخل الاسمين إذا اتفقا نطقاً. أنا هذا محمد بن سعد، وهذا محمد بن سعد، لكن هذا كوفي وهذا بصري. مثل: مثلاً يزيد بن عبد الله، أو إسحاق بن عبد الله الكوفي، وإسحاق بن عبد الله الواسطي، أحدهما ثقة والآخر ضعيف، وكلاهما إسحاق بن عبد الله، لكن ميزا بالبلد، فهذا كوفي من الكوفة، وهذا واسطي من واسط، فهذا يعرف به ويميز به عند اتفاق الأسماء. طيب، فهذا ما يذكر بهذا إن شاء الله. الجرح والتعديل نتركه في درس العمل. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.