الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 91، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يجب على المسلم الإيمان بجميع الرسل، فيؤمن تفصيلاً بمن ورد ذكرهم في القرآن وإجمالاً بمن لم يُذكر. ورد في الحديث الصحيح أن عدد المرسلين ثلاثمائة وخمسة عشر، مع التمييز بين الأنبياء والمرسلين.
بلغ عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً وعدد الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر، بينما ذكر القرآن خمسة وعشرين رسولاً فقط. عدم ذكر جميع الرسل لا يؤثر في صحة الإيمان، والحكم في ذلك اجتهادي لا قطعي.
القرآن لم يُنزَل لتوثيق التاريخ بل للموعظة والعبرة، لذا اقتصر على قصص تكفي للهداية. الآيات تؤكد أن الغرض من سرد قصص الأنبياء هو الاعتبار والاتعاظ لا التسلسل التاريخي.
على المؤمن أن يؤمن بجميع الرسل، فيؤمن تفصيلاً بمن سماهم القرآن وقصصهم، ويؤمن إجمالاً بمن لم يُذكر منهم. يستدل على ذلك بآيات تدل على كثرة الرسل في كل أمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الثاني والتسعون: هل قص الله جميع الرسل في القرآن؟ الجواب: قد قص الله علينا من أنبائهم ما فيه كفاية وموعظة وعبرة، ثم قال تعالى: ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ [النساء: 164]، فنؤمن بجميعهم تفصيلاً فيما فصّل وإجمالاً فيما أجمل. وهذا من الإيمان بالرسل، كما تقدم معنا أن من معاني الإيمان بالرسل أن نؤمن بجميعهم تفصيلاً وإجمالاً، فما جاء عن الله عز وجل في قصص بعض المرسلين فنؤمن بهذا التفصيل، وما أجمل نؤمن بهذا الإجمال. بمعنى أن الرسل ليس عددهم الذي ذكر في القرآن فحسب، بل عددهم كثير بنص هذه الآية: ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾. وقد جاء في حديث يصححه العلامة الألباني في "مشكاة المصابيح" عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ يعني كم عددهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثمائة وبضعة عشر جماً غفيراً»، أي جمعاً غفيراً. وفي رواية أيضاً يصححها العلامة الألباني أن أبا ذر قال: قلت: يا رسول الله، كم وفاء عدة الأنبياء؟ يعني كم يوفون، كم يبلغون؟ هذا فيه سؤال عن الأنبياء، وفرق بين الأنبياء والمرسلين كما هو معلوم في كلام كثير من أهل العلم. فهنا سؤال أبي ذر عن عدة الأنبياء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، مئة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قال: والرسل من ذلك، الرسل من ذلك»، أي من ذلك العدد ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً. ولا تعارض بين الحديث أو الرواية الأولى وبين هذه الرواية، فالرواية الأولى فيها السؤال عن المرسلين فقط، فذكر أنهم ثلاثمائة وبضعة عشر، والبضعة عشر كما هو معلوم يكون من الثلاثة إلى العشرة، من الثلاثة إلى العشرة، فبضعة عشر يعني قد يكون ثلاثة عشر، أربعة عشر، خمسة عشر، وهذا يوافق الرواية الثانية لأنه قال: ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً، فيكون الرواية التي ذكر فيها البضع وهو خمسة عشر تخصص الرواية العامة التي فيها ذكر البضع دون تحديد. فالخلاص أن على صحة هذا الحديث فإن عدد المرسلين ثلاثمائة وخمسة عشر، وما قص الله عز وجل علينا أو ذكر في كتابه منهم كما سيأتي في السؤال الذي بعده إلا خمسة وعشرين رسولاً، خمسة وعشرين رسولاً. وقد تطرق بعض أهل العلم للحكمة من عدم ذكر جميع الرسل في القرآن، والمؤمن يؤمن بما أخبر الله وإن لم يعلم الحكمة، وهذا من تمام الانقياد والتسليم، ليس من شرط الإيمان أن تعرف الحكمة من ذلك الشيء الذي يجب أن تؤمن به، لكن إذا ذكرت الحكمة فهذا من باب الزيادة في العلم والإيمان، الزيادة في العلم والإيمان، فلا بأس من ذكر هذه الحكم وإن كانت اجتهادية من العلماء، وليست هذه الحكم قطعية وإنما هي اجتهادية. فذكر بعض أهل العلم أن الحكمة من عدم ذكر كل الرسل في القرآن أن القرآن لم يكن من أجل سرد التاريخ، لم ينزل من أجل ذلك، ولذلك حتى من ذكر من الرسل وفي قصصهم لم يكن هناك ترتيب تاريخي في بعثتهم وفي إرسالهم، لأنها ليس هذا هو الحكمة والغرض من إنزال القرآن أو من ذكر قصص الأنبياء والمرسلين. ولذلك أشار هنا المؤلف في أول جوابه أنه قال: قد قص الله علينا من أنبائهم ما فيه كفاية وموعظة وعبرة. إذن ذكرت هذه القصص في القرآن من أجل الموعظة والعبرة، وما ذكر من هذا القصص في القرآن فيه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ولذلك فإن الله عز وجل في نهاية بعض قصص القرآن يبين أن العبرة من ذكر هذه القصص هو الموعظة والعظة، كما في آخر سورة يوسف: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [يوسف: 111]، وكما في ختام كذلك قصة نبي الله نوح: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ ﴾ [هود: 49]، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ﴾ [هود: 49] إلى آخر الآية، وفيه من أجل أن يعتبر المعتبرون ويتعظ المتعظون. فهذه هي العبرة من ذكر بعض قصص المرسلين في القرآن، فالقرآن لم يكن كتاب تاريخ وسرد للأحداث وإنما كتاب موعظة وعبرة، وفيما ذكر من قصص الأنبياء والمرسلين فيه الغنية وفيه الكفاية لمن أراد الهداية، لمن أراد الهداية. فعلى المؤمن أن يؤمن بجميع الرسل، من ذكروا ومن لم يذكروا، ومن لم يذكروا فمن ذكروا يؤمن بهم إيماناً مفصلاً بالإيمان بأسمائهم والإيمان بقصصهم التي وردت في القرآن، ومن أجمل نؤمن بهم إجمالاً كمثل هذه الآية، فنؤمن أن الله عز وجل قد بعث كثير من الرسل، وهذا يدل عليه قول الله عز وجل: ﴿ وَمَا مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ [فاطر: 24]، أي رسول، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، فهذا فيه أن أنبياء الله كثر، رسل الله كثر، ولكن من قص علينا وذكر في كتابه هؤلاء المرسلين فنؤمن بهذا ما ذكر تفصيلاً على وجه التفصيل، وما ذكر على وجه الإجمال نؤمن به على وجه الإجمال. هذا خلاصة ما أراده المؤلف رحمه الله في ذكره لهذا السؤال، وبه نكتفي، وإلهنا والله تعالى أعلم.