أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 93

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 93

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 93، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحديد أولي العزم من الرسل

يحدد المؤلف أولي العزم من الرسل بخمسة هم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم وسلم، مستدلاً بآيات سورتي الأحزاب والشورى، وهذا قول جمهور أهل العلم والمروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.

حكمة تخصيص ذكر أولي العزم في آيات التشريع

يبيّن المقطع سبب ذكر هؤلاء الخمسة بأسمائهم في آيات التشريع، موضحاً أن الجمهور يرونهم أولي العزم لتميزهم بالثبات والصبر والجهد في تبليغ الرسالة، مستدلين بآيات الأحزاب والأحقاف، مع وجود قول آخر بأن أولي العزم هم جميع الرسل.

الخلاف في معنى حرف الجر "من" في آية أولي العزم

يشرح المقطع الخلاف النحوي حول حرف الجر "من" في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، مبيناً أنها قد تكون للتبعيض أو للبيان، ويرجح بعض العلماء أنها بيانية مما يعني أن جميع الرسل من أولي العزم.

ميزة الخمسة في البذل والصبر في سبيل الله

يوضح المقطع أن الخمسة يتميزون بالبذل والصبر في سبيل الله تعالى، مع تأكيد أن جميع الصحابة أدوا واجبهم وبلغوا البلاغ المبين، لكن لهؤلاء الخمسة مزية وفضل خاص، ويختتم المتحدث الجلسة بالحمد لله.

  • 12 جمادى الأولى 1447هـ - 02/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الرابع والتسعون: من هم أولو العزم من الرسل؟ قال: الجواب: هم خمسة، ذكرهم الله عز وجل على انفرادهم في موضعين من كتابه. الموضع الأول: في سورة الأحزاب، وهو قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ [الأحزاب: 7]. الموضع الثاني: في سورة الشورى، وهو قوله تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ [الشورى: 13]. هذه المسألة، وهي مسألة من هم أولو العزم من الرسل، ذكر المؤلف رحمه الله أنهم هؤلاء الخمسة، وهذا على قول جمهور أهل العلم، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجماعة من السلف، أن أولي العزم من الرسل هم هؤلاء الخمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واستنبطوا ذلك من الآيتين. فمسألة تحديد أولي العزم من الرسل مسألة اجتهادية، فجمهور أهل العلم يرون ما ذكره المؤلف استدلالاً بهاتين الآيتين. ففي الآية الأولى عمَّم ربنا سبحانه وتعالى ثم خصص بذكر هؤلاء الأنبياء الخمسة، والقاعدة عند أهل العربية أن ذكر الخاص بعد العام يفيد الاهتمام. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ ﴾ هذا عام، وقوله: ﴿ وَمِنْكَ ﴾ أي نبينا محمد، ﴿ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ﴾، أليس هؤلاء من الأنبياء؟ بلى، هم من الأنبياء، إذن تخصيص ذكرهم يدل على أنهم من أفضل الأنبياء، كما مر معنا في ترتيب أفضلية الرسل. وهذا كثير في القرآن: ذكر العام ثم يذكر بعده الخاص الذي هو في الحقيقة داخل في لفظ العام، مثل قول الله عز وجل: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ ﴾، فالروح هو جبريل وهو من الملائكة، فخصَّ بعد العام لأن جبريل من أفضل الملائكة، فهو الموكل بالوحي. هذا هو وجه استدلال الجمهور بتعيينهم هؤلاء الرسل الخمسة. وأما الآية الأخرى، ففيها كذلك شيء من هذا الاهتمام والاختصاص. قول الله عز وجل: ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾، لا شك أن الله عز وجل شرع لنا من الدين ما وصى به جميع الأنبياء والرسل، ومن ذلك الدعوة إلى التوحيد وإقامة الدين وعدم التفرق، أليس كذلك؟ بلى. لكن لماذا خص الله عز وجل هؤلاء الرسل بالذكر؟ قالوا: لأنهم من أولي العزم من الرسل. ومعنى أولي العزم من الرسل: أي أنهم أهل الثبات والحزم، الذين بذلوا في ذات الله جل وعلا أكثر من غيرهم، وصبروا في سبيل الله أكثر من غيرهم، فاستحقوا بذلك هذا الوصف. وفي آية الأحزاب، وفي آية الأحقاف، في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 35]، تعميم ما ذكر فيه أسماء هؤلاء الأنبياء، فالمراد بأولي العزم كما تقدم: أهل الثبات والحزم. هذا هو الجواب على قول جمهور أهل العلم. وهناك أقوال أخرى، من أشهرها: أن أولي العزم من الرسل هم جميع الرسل. فـ "من" في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾، على هذا القول، ليست للتبعيضية، وإنما هي بيانية. لأن "من" تأتي بمعنى التبعيض، وتأتي بمعنى البيان. التبعيض واضح: إذا قلنا أنها تفيد التبعيض، فقوله "أولو العزم من الرسل" أي بعض الرسل. لكن البيانية: المراد بها هي نفس الإجمال المتقدم، لكن ذكرت من أجل البيان. مثال ذلك: لو قلت مثلاً "هذه قطعة من حرير"، ليس المراد قطعة من بعض الحرير، وإنما المراد: هذه قطعة، بيان هذه القطعة أنها مصنوعة من الحرير. فقوله في الآية: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾، أي أن هؤلاء الذين هم أولو العزم هم الرسل، هم ماذا؟ الرسل. فهنا بيَّن من هم أولو العزم، فكأنه يقول: هم الرسل. مثل ما تقول: "من ماذا هذه القطعة؟" تقول: "من الحرير". "من ماذا هذا الثوب؟" تقول: "من القطن". "من ماذا هذا البيت؟" تقول: "من الحجر". وهكذا. فمن هنا تكون "من" تبعيضية. فعلى هذا، فبعض أهل العلم ذهب إلى أن أولي العزم من الرسل هم جميع الرسل، وأن "من" في الآية ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ أنها بيانية وليست تبعيضية. وفي هذا أهمية معرفة معاني حروف الجر، وقد اعتنى العلماء بذلك في كتبهم، فإن بها تتبين المعاني، وبها يعرف الكلام بمعرفة معاني حروف الجر. هذا هو مفاد هذا السؤال، والله تعالى أعلم. وليس معنى على القول الثاني: ليس معنى أن هؤلاء هم أولو العزم من الرسل أن غيرهم من الأنبياء ليسوا أهل عزيمة، لا. وإنما المراد أن هؤلاء الخمسة لهم ميزة على غيرهم في البذل والصبر في سبيل الله تعالى، وإن كان الكل قد بذلوا في سبيل الله ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليهم، وكلهم قد بلغوا البلاغ المبين، لكن هؤلاء الخمسة لهم مزية وفضل عليهم. هذا هو المعنى، والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والحمد لله.