الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع اعتقاد أهل السنة والجماعة في نعيم القبر للمؤمنين وعذابه للكافرين مستدلاً بالقرآن والسنة. ويرد على منكري ذلك من الفلاسفة والخوارج والمعتزلة مؤكداً وجوب الإيمان بهذه الغيبيات.
يستعرض المقطع الأحاديث الصحيحة الواردة عن عائشة وزيد بن ثابت وغيرهم لإثبات عذاب القبر ونعيمه. ويبين أن العذاب حقيقي يصيب الروح والبدن ويناقش أحكاماً متعلقة به كوضع الجريد والصلاة بغير طهور.
يقرر النص أن النعيم والعذاب يصيب الروح والبدن مجتمعين أو مفترقين وهو مذهب أهل السنة. عذاب الكافرين دائم بينما عذاب المؤمن العاصي مؤقت ثم ينقطع مستدلاً بأحاديث ابن عباس.
يختتم المؤلف حديثه عن اليوم الآخر مشيراً إلى العلامات والأشراط التي تسبقه. ويعلن أنه سيستعرضها بإيجاز في الدرس القادم قبل الانتقال إلى الركن السادس وهو الإيمان بالقدر.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ونؤمن بنعيم القبر للمؤمنين». قال تعالى: ﴿الذين توفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾. «ونؤمن بعذاب القبر للظالمين الكافرين». قال تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾. والأحاديث في هذا كثيرة معلومة، فعلى المؤمن أن يؤمن بكل ما جاء به الكتاب والسنة من هذه الأمور الغيبية، وأن لا يعارضها بما يشاهد في الدنيا، فإن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا لظهور الفرق الكبير بينهما، والله المستعان. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع في هذه الرسالة العظيمة ما يتعلق باعتقاد أهل السنة والجماعة في نعيم القبر وعذابه، بعد أن ذكر فيما تقدم فتنة القبر وهي سؤال الميت في قبره. ذكر بعد ذلك ما يتعلق بهذه المسألة أيضاً وهو عذاب القبر ونعيم القبر. فأهل السنة والجماعة يعتقدون أن أهل الإيمان وأهل التقوى ينعمون في قبورهم، وأما أهل الكفر فإنهم يعذبون في قبورهم، خلافاً لمن أنكر ذلك من الملاحدة. فالملاحدة ينكرون عذاب القبر، وهكذا الفلاسفة ينكرون عذاب القبر، يقولون: لا يوجد عذاب في القبر، بدليل أننا لو كشفنا عن هذه القبور وبحثنا هذه القبور لا نرى شيئاً، لا نرى شيئاً، الميت كما وضع. فلذلك؛ لأنهم لا يؤمنون بالغيب إيماناً صحيحاً، فإنهم إنما يؤمنون بالمحسوسات، بشيء يرونه أو يحسونه، وهذا أمر غيبي وجب الإيمان به، وإلا لماذا كان غيباً؟ ولماذا كان الابتلاء فيه؟ لأن هذا أمر غيبي غير مشاهد، غير محسوس، لكن وجب الإيمان بذلك، وأن هذا واقع وإن لم يشاهد، وإن لم يحس، وجب الإيمان بذلك. أما الذي يقول: أنا ما أؤمن إلا بشيء محسوس، وبشيء أراه، فأين الإيمان بالغيب إذن؟ أين الإيمان بالغيب إذا كان لا يؤمن إلا بشيء يراه أو بشيء يحسه؟ فهذا ليس من الإيمان بالغيب، لأن هذا شيء ظاهر ومحسوس، وهذا لا يحصل به ابتلاء، لكن الابتلاء يحصل في أن تؤمن بشيء لا تشاهده ولا تحس به، ومن ذلك عذاب الأشقياء في قبورهم، ونعيم أهل الإيمان في قبورهم، أمر لا نشاهده وأمر لا نراه، ولكن أمرنا بالإيمان بذلك الذي هو من الغيب. وهذا أنكر عذاب القبر الخوارج وبعض المعتزلة لفساد عقولهم، فلا يثبتون عذاب القبر كما يثبت أهل السنة، وإنما يقولون -كما نقل عنهم-: آلام تحصل في القبر لا يشعر بها، لا يشعر بها الميت، وإنما يشعر بها يوم القيامة، وما في دار البرزخ فإنه لا يشعر بشيء من تلك الآلام. فيجعلون ما نقل من النصوص في عذاب القبر إنما هي شكلية، أي لا يحس بها الميت، وآلام لا يشعر بها. لماذا؟ لأنهم عندهم العذاب إنما يكون يوم القيامة، عندهم العذاب إنما يكون يوم القيامة، فلتقديم عقولهم، ولعدم فهمهم الحكمة، وضلالهم في هذا أنكروا عذاب القبر: الخوارج وطائفة المعتزلة. وأهل السنة والجماعة يؤمنون بعذاب القبر للكفار، لما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، وهذا الأمر مجمع عليه بين أهل السنة والجماعة. فالأدلة في كتاب الله جل وعلا تدل على أن المؤمنين ينعمون في قبورهم، وأن الكفار يعذبون في قبورهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. فهذه الآية في سورة غافر، بين ربنا عز وجل فيها أن آل فرعون في قبورهم تعرض عليهم النار في الغدو والعشي، ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾ أي في قبورهم، ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا﴾ في قبورهم، ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾، فهذا العذاب يوم القيامة. فإذا عذاب في القبر، وعذاب أشد وأعظم في الآخرة، ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. فهذه الآية فيها بيان أن الكفار يعذبون في قبورهم. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون﴾. فسر بعض السلف قول الله جل وعلا: ﴿ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر﴾، العذاب الأدنى هو العذاب في القبر، والأكبر يوم القيامة. وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿ولنعذبنهم مرتين﴾، فسر بعض السلف التضعيف: المرة الأولى في القبر، والمرة الثانية يوم القيامة، كما جاء عن ابن مسعود وجماعة. فهذه النصوص تدل على أن الكفار يعذبون في قبورهم. وفي قوله جل وعلا: ﴿قال سبحانه وتعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. جاء في البخاري عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: «نزلت في عذاب القبر، نزلت في عذاب القبر»، وهذه الآية نزلت في عذاب القبر، فدل على عذاب في القبر حاصل للكفار الذين لم يثبتوا، بل أضلهم الله جل وعلا، ﴿ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾. وهذه الأحاديث، سنة النبي عليه الصلاة والسلام، كثيرة في بيان عذاب القبر ونعيم القبر. فمن ذلك حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه عند أحمد وغيره، والحديث الطويل المشهور، فيه أن الله سبحانه وتعالى يقول: «صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة»، فيأتيه من ريحها، ويفسح له في قبره مد البصر. فهذا نعيم حاصل للمؤمن في قبره، ويفتح له باب إلى الجنة، ويرى مقعده في الجنة، ويفرش له في قبره من الجنة، ويلبس من الجنة، فهذا من النعيم، ويفسح له في قبره، ويأتيه من ريح الجنة وطيبها، وهذا نعيم للمؤمنين في قبورهم. والكافر يقول الله فيه: «كذب عبدي»، فيه كما في هذا الحديث، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا يقول: كذب عبدي، فأفرشوه من النار، فأفرشوه من النار»، فيضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه، ويرى مقعده من النار، إلى آخر الحديث. فهذا عذاب حاصل للكافر في قبره. وكذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس -أي الكفار- يعذبون في قبورهم، كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين، قالت: «دخلت علي عجوزان من عجوز يهود المدينة، عجوزان من عجوز اليهود، دخلتا على عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالتا لعائشة: إن الناس يعذبون في قبورهم». قالت عائشة: «فلم أصدقهما، فخرجتا، فدخل علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرته بذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، عذاب القبر حق، عذاب القبر حق». وقال عليه الصلاة والسلام: «يهود تعذب في قبورها، يهود تعذب في قبورها». وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح أيضاً من حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: قال عليه الصلاة والسلام: «لولا ألا تدافنوا، لدعوت الله لكم أن يسمعكم شيئاً من عذاب القبر كما أسمع». يعني: لو أنكم تتركون التدافن الآن، يدفن بعضكم بعضاً، لو كنتم تسمعون عذاب القبر، ربما لتركتم التدافن، فلا يدفن بعضكم بعضاً. «لولا ألا تدافنوا» يعني: تتركوا التدافن، لا دعوت الله جل وعلا لكم أن يسمعكم شيئاً من عذاب القبر كما أسمع. لكن لهذه العلة وهي ترك التدافن، لهذا الأمر: إذا سمع عذاب القبر، ربما تركتم التدافن، لذلك لما كانت هذه العلة منتفية في حق البهائم، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن البهائم تسمع عذاب القبر، تسمع عذاب القبر، البهائم تسمع عذاب القبر. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس يعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم، تسمعه البهائم، فهذا يدل على عذاب القبر. وكذلك في حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، قال: «مر النبي عليه الصلاة والسلام على قبرين، وقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير». وفي لفظ: «إنهما كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة». فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام جريدة رطبة، فشقها من النصف، ووضع أحدها على القبر، والأخرى على القبر الثاني، قال عليه الصلاة والسلام: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». وهذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، ليس لكل أحد. للأسف اليوم بعض الناس إذا مات الميت، أخذ جريدة وشقها ووضعها على القبر، وغرسها على القبر. لماذا غرست هذه؟ هل لكي يخفف عنهم العذاب؟ قد جزمت لهم، قد جزمت للميت بالعذاب، حين وضعت هذه الجريدة لكي يخفف عنه العذاب؟ ومن قال لك أنه يعذب؟ فوضعت هذه الجريدة، نعم، جريد النخل في قبره لكي يخفف عنه العذاب. الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك بوحي من رب العالمين جل وعلا، والله جل وعلا كذلك أسمعه عذاب أهل القبور. لكن هل أنت سمعته؟ سمعته يعذب؟ جعلت هذه الجريدة؟ كما سمع النبي عليه الصلاة والسلام عذاب صاحبي هذين القبرين. فهذا خلاف السنة، وهو من البدع التي تفعل. وإن كان نقل عن بعض الصحابة شيء في ذلك، لكنه ليس بصحيح، وكل يؤخذ من قوله ويرد. فهذا لم يفعله إلا النبي عليه الصلاة والسلام، ما فعله الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام. فهذا من المحدثات والبدع في دين الله جل وعلا. الشاهد من الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن صاحبي هذين القبرين يعذبان، ففيه إثبات عذاب القبر، فيه إثبات عذاب القبر. وكذلك في حديث البراء: «الرجل يضرب، يضرب بمرزبة» نعم على رأسه، وهذا من العذاب. وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء عند الطبراني رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن عمر، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود، وأحد هاتين الروايتين تشهد للأخرى، ولذلك حسن بعض العلم هذا الحديث لشهادة إحدى الروايتين للأخرى. في هذا الحديث: أن رجلاً في قبره، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، يضرب، يضرب ضربة عظيمة، فلما أفاق قال: «على ما ضربتموني؟» وهذا من العذاب. «على ما ضربتموني؟» فيقال له: «إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت على مظلوم فلم تنصره». صليت صلاة بغير طهور، فعوقب بهذا العذاب في قبره، ومر على مظلوم ولم ينصر ذلك المظلوم، فعذب بهذا العذاب في قبره. وهذا فيه فائدة فيما يتعلق بمن صلى صلاة بغير طهور عامداً. من صلى صلاة بغير طهور عامداً، دخل الصلاة ولم يتوضأ، نقل عن بعض العلم أنه كافر، ولعله قال به أبو حنيفة. وهذا الحديث يرد ذلك القول، فالذي يصلي بغير وضوء متعمداً، عقابه هذا، عقابه هذا في القبر، ولا يكفر بذلك. بعضهم يقول: هذا من السخرية، وهذا من الاستهزاء بالدين، أن يدخل الصلاة بغير طهور، وغير وضوء، هذا سخرية، وهذا استهزاء، وهذا كفر، من فعل ذلك فهو كافر. هذا الحديث يدل على ضعف هذا القول، وأنه غير صحيح. لماذا؟ لأنه عوقب بالضربة، لو كان كافراً لاستمر العذاب عنه، ولم ينقطع في قبره. فلما عوقب بهذا العذاب، وأفاق بعد ذلك، دل على أن العذاب انقطع. فدل على أنه ليس من الكافرين الذين لا ينقطع العذاب عنهم، وإنما عوقب بهذا الذنب، فدل على أنه ليس بكفر، ولكنه كبيرة من كبائر الذنوب، وإثم عظيم. ولذلك انظروا العقاب، انظروا العقاب، أنه ضرب بهذه الضربة العظيمة. الشاهد: أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر في هذا الحديث ما يتعلق بذكر شيء من عذاب القبر الحاصل في القبر. وهكذا النصوص كثيرة في بيان هذا. فأهل السنة والجماعة، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع، يؤمنون بنعيم القبر للمؤمنين، وبعذاب الكافرين في قبورهم. العذاب: هل هو على الروح والبدن، أم هو على الروح فقط، أو على البدن فقط؟ اختلف فيها العلماء في هذه المسألة. فمنهم من قال: العذاب يكون على الروح فقط. ومنهم من قال: العذاب يكون على البدن. والذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى، وقال: هو قول أهل السنة، أن العذاب يقع على الروح والبدن، عند اجتماعهما أو عند افتراقهما. وهكذا في النعيم، النعيم يحصل للروح والبدن، سواء كانت الروح مجتمعة بالبدن، لأن الروح لها أحوال: تارة تنفصل عن البدن، وتارة تجتمع مع البدن، فيحصل للروح وللبدن النعيم عند الاجتماع أو عند الافتراق. اجتماع الروح مع البدن: النعيم حاصل، وعند افتراق الروح عن البدن: النعيم حاصل للروح والبدن. وهذا فيما يتعلق بالعذاب: فالروح تعذب، والبدن يعذب، ثم اجتمعت الروح بالبدن أو افترقت الروح عن البدن. هذا هو الصحيح في هذا، والذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو قول أهل السنة، الصحيح من الأقوال في هذه المسألة. ما يتعلق بالعذاب في القبر: هل هو دائم أو منقطع؟ الجواب على هذا، والصحيح في هذا: أن عذاب الكافرين غير منقطع، العذاب في القبر في حق الكافرين لا ينقطع، إنما هو مستمر. ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾. فالكافر يعذب في الغدو والعشي، عذاباً مستمراً غير منقطع. وأما المؤمن الذي يعذب في قبره لذنوب ارتكبها، فإنه يعذب ثم ينقطع عنه ذلك العذاب، يعذب ما شاء الله أن يعذبه، يعذب ما شاء الله أن يعذبه، ثم يخفف عنه العذاب. استدل لهذا بحديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، حين مر النبي عليه الصلاة والسلام على قبرين، وقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، والآخر يمشي بالنميمة». فأخذ جريدة رطبة، فشقا للنصف، فجعل إحدى الجريدتين على القبر، والأخرى على الآخر، قال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». فاستدل بعض العلماء، الشيخ العثيمين رحمة الله تعالى عليه، قال: هذا الحديث يدل على انقطاع العذاب في القبر عن المؤمن، وأنه لا يستمر. لكن بعض العلماء قال: هذا الحديث لا يصلح الاستدلال به، لا يصلح الاستدلال به. لماذا؟ لأن التخفيف شيء، والانقطاع شيء آخر. يعني: هو يخفف عنه العذاب، لكن ليس معناه أنه ينقطع، بل يكون العذاب شديداً، فيكون العذاب خفيفاً. ففي الحديث تخفيف العذاب، وليس في الحديث انقطاع العذاب. لكن الحديث الذي سمعتم: حديث ذلك الرجل الذي ضرب ضربة، وعذب في قبره بسبب أنه صلى صلاة بغير وضوء، ومر على مظلوم ولم ينصره، أنه ضرب ثم أفاق، ثم أفاق بعد هذه الضربة، يدل على أن العذاب توقف وانقطع، لأنه لما أفاق، إذن ما في عذاب. عذب وضرب تلك الضربة، ثم أفاق، فلما أفاق، إذن في ذلك الحال ليس هو في عذاب. ينقطع عنه العذاب، أصرح من حديث عبد الله بن عباس في الاستدلال، أصرح من حديث ابن عباس في الاستدلال لانقطاع العذاب في القبر عن الميت، أي المؤمن، وأنه لا يستمر. وإن كان كذلك، حديث عبد الله بن عباس يصلح للاستدلال إذا فسر التخفيف بالانقطاع: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا». إذا فسر التخفيف بالانقطاع، وخفف عنهما يعني: ينقطع عنهما العذاب. فإذا فسر التخفيف بالانقطاع، نعم. ولكن سوى هذا أو هذا، فالحديث الآخر يدل على هذا. وهذا أمر يعني كأنه مجمع عليه، لا خلاف فيه، لا خلاف فيه بين أهل السنة، لعمومات الأدلة، لأن الله جل وعلا إنما يعذب المؤمن بقدر ما ارتكب من ذنوب، ولا بد له أن ينقطع عنه العذاب، ولا يخلد في هذا العذاب، ولا يستمر العذاب في حقه. فإذا نقول: العذاب مستمر غير منقطع في حق الكافرين، وأما أهل الإيمان الذين يعذبون في قبورهم، فإنهم يعذبون ما شاء الله أن يعذبوا، ثم بعد ذلك ينقطع عنهم العذاب، ينقطع عنهم العذاب. فهذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع، بقوله: «ونؤمن بعذاب القبر للظالمين الكافرين»، وكذلك في قوله رحمه الله تعالى: «ونؤمن بنعيم القبر للمؤمنين». فهذا أمر دلت عليه أدلة في الكتاب والسنة، وأجمع على ذلك سلف الأمة. قال رحمه الله: «ولا حديث في هذا كثيرة معلومة، فعلى المؤمن أن يؤمن بكل ما جاء به الكتاب والسنة من هذه الأمور الغيبية، وأن لا يعارضها بما يشاهد في الدنيا، فإن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا». المعتزلة ومن نحا نحوهم، الذين قاسوا أمور الآخرة بأمور الدنيا، ضلوا وأضلوا، ولذلك لم يثبتوا عذاب القبر كما دلت عليه أدلة في الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة، لأنه فرق بين دار الدنيا ودار البرزخ. فالدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة، وكل دار تختلف عن الدار الأخرى. فدار الدنيا تختلف عن دار البرزخ، ودار البرزخ تختلف عن دار الآخرة، فلها أحوال تليق بها. والمؤمن أمر أن يؤمن بكل غيب ذكر في كتاب الله، أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يستبعد شيئاً، ويقول: كيف؟ ومش معقول، ونحن ندخل المسجل في القبر، ولم نسمع عذاباً. سبحان الله! نعم، وعذاب القبر لا يسمعه إلا الرسول عليه الصلاة والسلام. نعم. وأما ما نقل من بعض الأمور التي يضحك منها، يعني: ما قام به بعض الكفار، كما يقولون: سجلوا، سمعوا عذاب القبر، وسجل ذلك في مسجلة، سجل ذلك في مسجلة، نعم، وسمع بعد ذلك. وإلأسف من ربما يشار له بالبنان، ويقول: هذا فلان ابن فلان، العالم الرباني، التقي الورع، نعم، الكذا وكذا، وهو يجهل مثل هذه الأمور، ويقر ذلك، يقول: ممكن، وممكن. سبحان الله! كيف ممكن؟ النصوص واردة، صحيحة، صريحة: ما أحد يسمع العذاب إلا البهائم. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا الثقلين، ولو سمعوا لصعقوا». كيف ما صعقوا هؤلاء الذين سجلوا؟ كيف سمعوا العذاب وما صعقوا؟ والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولو سمعوا لصعقوا». فهذا من الضلال. وإلأسف أن يصدر من أحد يشهد له، أو يقال أنه عالم، أو كذا، أو كذا، ثم يقر مثل هذه السخافات، ومثل هذه كذلك الأمور الظاهرة الواضحة البينة في ضلالها. هذا آخر ما ذكر المؤلف، الحمد لله تعالى، فيما يتعلق باليوم الآخر، وما يتعلق باليوم الآخر: الإيمان بما يتقدم ذلك اليوم من العلامات والأشراط، ولعلنا نمر عليها مروراً سريعاً في درسنا اللاحق إن شاء الله، قبل الكلام في الإيمان بالقدر، وهو الركن السادس. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.