الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر المؤلف أنه لا تناقض في كتاب الله ولا في سنة رسوله لإحكامهما، وأن ما يظنه الجاهل تناقضا إنما هو من وجوه البيان كالعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ. ويبين أن ادعاء التناقض إنما يصدر عن زيغ قلب أو سوء قصد أو جهل بقواعد التفسير.
يقسم النص من يتوهمون التناقض إلى صنفين: سيء القصد الطاعن في الوحي، والجاهل بقواعد العلم؛ وعلى الصنف الثاني التوبة إلى الله وتهمة نفسه بالجهل وسؤال العلماء الراسخين. ويؤكد أن الرجوع إليهم يكشف انتفاء التناقض في النصوص الشرعية.
يستعرض المقطع القولين في الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؛ فمنهم من يصل الراسخين في علم التأويل، ومنهم من يقف عند الله في تأويل الصفات والغيب. ويستدل بأن مراجعة الراسخين تزيل توهم التناقض في النصوص.
يؤكد المقطع على ضرورة الاستعانة بالعلماء الراسخين عند التعامل مع القضايا الكبرى في كتاب الله وسنة رسوله، مبينًا أن هذا الرجوع يكشف للإنسان ما يغيب عنه من معاني وأحكام. ويحذر من أن عدم الرجوع إليهم قد يؤدي إلى الخطأ أو الفهم الناقص.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ومن ادعى أن في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو بينهما تناقضا، فذلك لسوء قصده وزيغ قلبه، فليتب إلى الله تعالى ولينزع عن غيه». وهذا كما تقدم أنه لا يوجد في كتاب الله ولا في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام تناقض ولا اختلاف، وذلك لإحكامهما. فالقرآن أحكمه الله جل وعلا، فلا تناقض فيه ولا اختلاف فيه، كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، ولكنه من عند الله سبحانه وتعالى، وهو كلامه جل وعلا، فلا تناقض فيه. وهكذا سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فالنبي عليه الصلاة والسلام إنما يخبر بما أوحاه الله جل وعلا إليه، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. فلذلك يجب اعتقاد عدم التناقض والاختلاف في كتاب الله أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. ومن ادعى ذلك فإما لزيغ قلبه والعياذ بالله، أو لسوء قصده، أو كذلك لجهله والعياذ بالله. وهذا الاعتقاد يضاد ما جاء في كتاب الله، ويناقض ما جاء في كتاب الله من أن الله سبحانه وتعالى أحكم هذا القرآن وجعله محكما. وكيف يكون محكما وفيه تناقض أو فيه اختلاف؟ فهذا يناقض ما جاء في كتاب الله من إحكام هذا الكتاب العظيم الذي أحكمه الله جل وعلا وأتقنه سبحانه وتعالى. فلذلك وجب هذا الاعتقاد، واعتقاد غير هذا اعتقاد يخالف ما جاء في كتاب الله أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. والذي يدعي ذلك فإنه يكفر، العياذ بالله، الذي يدعي أن كتاب الله القرآن يتناقض، نعم، أو أنه يختلف بمعنى أنه غير محكم، غير مضطرد في أحكامه. فهنا مثلا نص فيه كذا، وآخر يعني بخلاف هذا النص، ولا يمكن الاجتماع بينهما، هذا لا يوجد في كتاب الله جل وعلا. يوجد العام والخاص، يوجد المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، والمتشابه والمحكم. هذا موجود في كتاب الله سبحانه وتعالى. الجاهل يظن أن هذا تناقض أو هذا اختلاف، فيجد نصا عاما، نعم، ثم يجد نصا خاصا قد خرج عن ذلك العام فيظن أنه تناقض، كيف هنا يقول كذا ثم يقول كذا؟ هذا لجهله، وإلا لو عنده علم بالعام والخاص فإنه يعلم أن هذا مما استثني من ذلك العام، نعم، فيخصص، أو أن هذا المقيد مقيد من ذلك المطلق، أو هذا المتشابه الذي اشتبه عليه إذا رد إلى ذلك المحكم في كتاب الله تبين المراد. وهكذا لو علم أن هذا الحكم منسوخ، نعم، لما ظن التناقض والاختلاف. فالناس في هذا على هذه الأصناف: إما والعياذ بالله سيء القصد يريد أن يطعن في كتاب الله عز وجل، ويقول: كتاب الله يتناقض بعضه بعضا، كتاب الله متناقض أو مختلف، وغير ذلك، أو سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. فهذا العياذ بالله لسوء قصده ولزيغ قلبه، يريد بذلك والعياذ بالله التشكيك في كتاب الله جل وعلا أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومن الناس من هو جاهل يتوهم التناقض والاختلاف في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام بسبب جهله، لا يعرف العام من الخاص، ولا يعرف المطلق من المقيد، ولا المجمل من المبين، ولا الناسخ من المنسوخ، ولا المتشابه من المحكم. فلذلك يظن أن كتاب الله فيه تناقض أو فيه اختلاف، وهكذا سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فمثل هذا عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وهكذا الذي يدعي التناقض في كتاب الله في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، عليهم أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى من هذا الادعاء الذي والعياذ بالله ينافي الإيمان ويضاد ما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى صريحا بإحكام هذا الكتاب العظيم. وهكذا ما جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وفي القرآن كذلك في بيان أن ما جاء في السنة إنما هو وحي من الله سبحانه وتعالى، وإذا كان وحي من الله جل وعلا صار مثل القرآن كذلك في إحكامه، ما دام أنه مثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهكذا فليتوب الذي توهم التناقض في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويتهم نفسه، يتهم نفسه بالجهل، لا يتهم القرآن بأنه فيه تناقض، ولا يتهم السنة بأن فيها تناقض، وإنما التناقض فيه هو التناقض عنده بسبب جهله، حصل عنده من التناقض بسبب الجهل الذي عنده. وإلا لو تعلم وسأل العلماء الراسخين لتبين له أن هذا الذي توهمه من التناقض لا تناقض فيه. ولذلك قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. على أحد قولي أهل السنة في الوقف: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمون تأويل هذا المراد في كتاب الله، الله جل وعلا، والراسخون في العلم كذلك يعلمون ذلك، والمراد معاني القرآن، والمراد الأحكام الشرعية. نعم. وعلى الوقف الآخر: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، وهنا وقف، ثم يقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فهذا بما يتعلق بحقائق كيفية الصفات لله سبحانه وتعالى وبالأمور الغيبية، هذه لا يعلمها إلا الله عز وجل. ولذلك يكون الوقف إذا كان هذا المعنى المراد يكون الوقف عند قوله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم يقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. وعلى الوصل في القراءة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، بمعنى أن الراسخين في العلم عندهم علم كذلك، لكن هذا العلم: العلم بالأحكام الشرعية، العلم بمعاني القرآن، نعم، إلى آخر ذلك. أما العلم بحقيقة كنه الصفات أو ما يتعلق بأمور غيبية فهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. والشاهد من هذا أن هذا الذي توهم التناقض لو سأل الراسخين في العلم الذين يعلمون ما جاء في كتاب الله جل وعلا وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام لتبين له المراد، ذلك الذي ظنه من التناقض وتوهمه من التناقض في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. لو سأل من هو أعلم منه لدله على المراد. إذا كان الذي سأله كذلك لم يبين له المراد، فليعلم أن هناك من هو أعلم منه، والعلماء يتفاوتون في رسوخهم في العلم الشرعي، ليسوا سواء، وإنما يختلفون، فربما يغيب شيء من العلم عن عالم يعلمه العالم الآخر، نعم، وذلك العالم الذي علم هذا الأمر قد يخفى عليه شيء من العلم يعلمه الآخر، وهكذا. فالرجوع إلى الراسخين في العلم في المسائل العظيمة التي في كتاب الله سبحانه وتعالى أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام يتبين للإنسان عدم