عقيدة أهل السنة والجماعة 46

الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات اختيار العبد بإرسال الرسل والوجدان

يستدل المؤلف بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين على أن العبد مختار، لأن الحجة تبطل لو كان مجبوراً. كما يشير إلى الشعور الفطري الذي يميز به الإنسان بين فعله الاختياري وما يُكره عليه، والشرع يعفي المكره مما يؤكد ثبوت الإرادة له.

تمييز الفعل الاختياري عن المكره وأحكام الإكراه

يقرر النص أن الإنسان يحس فرقاً جلياً بين ما يفعله باختياره وما يُكره عليه، وهذا الوجدان فطري لا ينكره إلا مكابر. وقد وافق الشرع هذا الشعور فرفع الإثم عن المكره في حق الله، وعن المخطئ والناسي، مع بقاء الحقوق المالية للناس في حال الخطأ.

بطلان الاحتجاج بالقدر لتبرير المعاصي

يوضح المقطع أن الشرع يعفو عن الخطأ والنسيان والإكراه لانتفاء الاختيار، بينما من ترك الصلاة عامداً فهو مؤاخذ. ويرد على من يحتج بالقدر لتبرير معصيته بأن المشركين احتجوا بالقدر على شركهم فبطل احتجاجهم، والقدر غيب لا يعلمه أحد قبل وقوعه، والواجب المبادرة بالطاعة.

وجوب الطاعة والنهي عن المعصية وعدم التبرير بالقدر

يذكر أن المسلم مأمور بفعل الطاعات وترك المعاصي، ولا يجوز تبرير المعصية بأنها قدر الله. ويختتم الدرس بالدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد فنواصل في ذكر ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالإيمان بالقدر، وذكر الأدلة الدالة على أن العبد يفعل باختياره فله قدرة وله اختيار، فيعمل بذلك الاختيار بتلك القدرة التي خلقها الله جل وعلا. فالله جل وعلا هو الذي خلق العباد، وهو الذي خلق قدراتهم، وخلق كذلك اختياراتهم ومشيئتهم، ومشيئتهم كذلك. وخلق الله جل وعلا لقدرة العباد وإرادة العباد لا يدل ذلك على أن العبد ليس له الاختيار، وإنما للعبد القدرة على العمل والقدرة على عدم العمل، عنده قدرة يعمل الطاعة، وعنده قدرة يترك المعصية، وعنده اختيار كذلك، فهو الذي يعمل عمله. فإذا أطاع الله جل وعلا فهو الذي أطاع بقدرته وإرادته واختياره، وإذا عصى العبد ربه جل وعلا فهو الذي عصى بإرادته وبقدرته وباختياره. فعلى المعصية فالطاعة تنسب، ينسب فعلها للعبد، وهكذا المعصية ينسب فعلها للعبد لأنه عملها بقدرته وإرادته واختياره. وتلك القدرة التي عمل بها العبد هذا العمل، وهذا الاختيار الذي اختار به هذا العمل، وتلك المشيئة التي صدرت منه، كل ذلك خلق لله جل وعلا. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى من الأدلة الدالة أيضا على أن العبد يفعل باختياره وبإرادته، قال رحمه الله تعالى: «الأمر الرابع الذي يدل على أن العبد هو الذي يعمل العمل بإرادته وله قدرة على فعل ذلك العمل، قال: أن الله تعالى أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لألا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل». قال رحمه الله: «ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره ما بطلت حجته بإرسال الرسل». الله جل وعلا أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، لماذا؟ ما هي الحكمة من إرسال الرسل مبشرين ومنذرين؟ حكم كثيرة، من أعظم هذه الحكم إقامة الحجة، إقامة الحجة على العباد، فلا يأتي العباد يوم القيامة ويقولون: يا ربنا ما أرسلت إلينا رسلا. لا، قد قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال عز وجل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، لماذا؟ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. فبإرسال الرسل تقوم الحجة على العباد. ما هي وظيفة الرسل؟ تبشير الناس وإنذار الناس، وبيان الحق من الضلال، والخير من الشر، والتوحيد من الشرك. نعم، والعباد بعد ذلك لهم الاختيار، فإما أن يستجيبوا ويأخذوا بطريق الحق طريق الهدى، وإما والعياذ بالله يأخذوا بطريق الشر طريق الضلال. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فهذه الحكمة من إرسال الرسل لإقامة الحجة على العباد. إذا كان العبد إذا كان العبد إنما يفعل بغير قدرة وبغير اختيار، كيف تقوم الحجة على العباد؟ كيف تقوم الحجة على العباد إذا قال الله جل وعلا للعباد يوم القيامة: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾؟ نعم، فإذا كان العباد ليست لهم قدرة وليس لهم الاختيار في فعل أعمالهم، فالحجة لم تقم عليهم، الحجة لم تقم عليهم بإرسال الرسل، لأنهم سيقولون: يا ربنا إنما نفعل بغير اختيارنا، نفعل بغير اختيارنا، ليست عندنا قدرة على العمل، وليست عندنا إرادة. نعم، وإنما نعمل الأعمال بغير إراداتنا وبغير اختيارنا. نعم، فمعنى هذا فيه إبطال هذا الأمر العظيم، ولا تقام الحجة على العباد. نعم، إذا كان العباد لا يعملون بإراداتهم وبإراداتهم وبإراداتهم وباختيارهم، وتعالى الله جل وعلا عن هذا علوا كبيرا، أن يرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ويبين للناس الخير من الشر والهدى من الضلال، والعباد ليست لهم قدرة أصلا، وليست لهم إرادة أصلا على اختيار الخير من الشر، أو اختيار الهدى من الضلال، أو اختيار التوحيد من الشرك. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. إنما أرسل الله جل وعلا الرسل مبشرين ومنذرين لإقامة الحجة على العباد، فيبين الرسل للعباد ما أمر به من تبليغه وبيانه، وجعل الله جل وعلا للعباد القدرة والاختيار، إما أن يختاروا طريق الحق فينجوا فينجوا في الدنيا والآخرة، وإما أن يختاروا طريق الضلالة فيشقوا في الدنيا والآخرة. فهذا مراد المؤلف رحمه الله تعالى لذكره هذا الدليل الذي فيه بيان واضح أن العباد يعملون بإراداتهم وباختيارهم، لأن هذا الذي به تقوم الحجة عليهم بإرسال الرسل. وإذا كان أمر خلاف هذا، معنى ذلك أن حجة الله جل وعلا لم تقم عليهم، فتبطل الحجة التي لأجلها أرسل الله جل وعلا الرسل مبشرين ومنذرين. وهذا دليل واضح بين يدل على أن العبد هو الذي يعمل بإرادته وباختياره، لا يكره أحد، لا يكره أحد لا على فعل الطاعة ولا على فعل المعصية. إذا أراد أن يفعل الطاعة فعنده القدرة وعنده الإرادة، نعم، وعنده الاختيار. وإذا أراد أن يفعل المعصية كذلك عنده القدرة وعنده الإرادة، وهو الذي يختار. هذا هو عدل الرب جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى أعدل العادلين، لا يظلم ربنا جل وعلا أحدا، حاشاه جل وعلا أن يعذب العباد أو أن يعاقبهم جل وعلا على أعمال لم يعملوها بإراداتهم ولم يختاروها باختيارهم. تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا وتنزه جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «الأمر الخامس: أن كل فاعل يحس أنه يفعل الشيء أو يتركه بدون أي شعور بإكراه، فهو يقوم ويقعد، ويدخل ويخرج، ويسافر ويقيم بمحض إرادته، ولا يشعر بأن أحدا يكرهه على ذلك، بل يفرق تفريقا واقعيا بين أن يفعل الشيء باختياره وبين أن يكرهه عليه مكره، وكذلك فرق الشرع بينهما تفريقا حكميا، فلم يواخذ الفاعل بما فعله مكرها عليه فيما يتعلق بحق الله تعالى». هذا أيضا دليل وأمر خامس يدل على هذا الأمر، وهو أن العبد يفعل بإرادته واختياره، فهو يشعر بذلك ويحس بذلك من قرارة نفسه أنه حين يعمل لا يكره أحد على ذلك. نعم، فإذا قام قام بإرادته واختياره، وإذا أراد أن يقعد قعد بإرادته واختياره، إذا أراد أن يدخل دخل، وإذا أراد أن يخرج خرج، إذا أراد أن يسافر سافر، عمل إجراءات السفر وسافر، وقطع التذاكر وسافر، وإذا أراد أن يقيم أقام وقعد، إذا أراد أن يعمل ذهب يعمل، إذا أراد أن يستريح اليوم من العمل قعد في بيته وجلس ولم يذهب للعمل. كل ذلك يفعله بإرادته واختياره، أمر محسوس ظاهر، بيد أنه لا يحس أنه يكره أحد على فعل شيء أو تركه، وإنما هو الذي يختار ويفعل بقدرة وإرادة واختيار، فيفعل ما يشاء فعله ويترك ما يشاء تركه بإرادته واختياره وبمحض إرادته، ولا يشعر بأن أحد يكرهه على ذلك. بل العبد يفرق، الشخص يفرق تفريقا واقعيا بين أن يفعل الشيء باختياره وبين أن يكرهه عليه مكره. نعم، حتى أكل الطعام أو شرب الشراب، أحيانا ما تريد أن تأكل لكن تكره على أكل شيء أو على شرب شيء، نعم، فهذا تشعر به أنك إنما فعلته مكرها، وكما يقال في المثل: «مكره أخاك لا بطل»، مكره أخاك لا بطل، يعني إنما فعل ذلك بإكراه. نعم، ربما يجبر، نعم، ويكره على فعل أمر من الأفعال فيفعلها وهو غير راضٍ، ويفعلها وهو مكره لفعلها. هذا يشعر به الإنسان، يفرق به في قرارة نفسه: العمل الذي عمله بإرادته واختياره ومن غير إكراه، والعمل الذي فعله مكرها وبغير ماذا؟ اختيار منه. نعم، هذا يحس به كل أحد، ولا ينكره إلا مكابر، لا ينكره هذا الأمر إلا مكابر. فأنت تفرق يا عبد الله بين هذه الأعمال: الأعمال التي تفعلها باختيار وبراحة وباطمئنان نفس وتقدم عليها وتريدها، وبين الأعمال التي أكرهت على فعلها، تفرق بين هذا وهذا. وهذا يدل على أنك حين تقدم على العمل تقدم عليه بإرادتك وباختيارك ولا تشعر بإكراه، وحين تكره على شيء تشعر بذلك الإكراه، حين تكره على فعل عمل تشعر بذلك، ويوجد هناك من يكرهك، تشعر به وتحس به. نعم، فإنك تجر إليه جراً وتصحب إليه سحبا، نعم، وتجبر على فعله، هذا تشعر به، الحالات التي تكره على فعل أمور، نعم، تشعر بأنك الآن مكره. هل تشعر بهذا في كل وقتك؟ لا. حين تؤدي الطاعات هل تشعر بذلك؟ لا، تفعلها ولا تشعر بأن أحد يكرهك عليها. وهكذا حين تفعل المعاصي، تفعل هذه المعاصي وأنت تشعر بأنه لا يكرهك على فعلها أحد. والأفعال التي تكره عليها فإنك تشعر في ذلك الوقت الذي تجبر فيه على فعل أمر من الأمور تشعر بأنك أكرهت على هذا العمل، وما فعلته وما عملته باختيار منك ورضاء. هذا مراد المؤلف رحمه الله تعالى بهذا. قال: «بل يفرق تفريقا واقعيا بين أن يفعل الشيء باختياره وبين أن يكره عليه مكره، وكذلك فرق الشرع بينهما تفريقا حكميا، فلم يؤاخذ الفاعل بما فعله مكرها عليه فيما يتعلق بحق الله تعالى». الشرع فرق بين من يعمل العمل وهو مكره، وبين من يعمل العمل بغير إكراه، فالمكره غير مؤاخذ، الفاعل غير مؤاخذ، ولو قال كلمة الكفر، لو قال كلمة الكفر مكرها لا شيء عليه، لماذا؟ لأنه قال كلمة الكفر مكرها، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، ولكن من شرح بالكفر صدرا. ففرق بين شخص يقول كلمة الكفر من غير إكراه، وشخص يقول كلمة الكفر بغير إكراه. فهذا الذي قال كلمة الكفر، نعم، بغير إكراه يؤاخذ، لكن ذلك الذي يكره، أكره على كلمة الكفر، وضع السيف على رأسه: قل كلمة الكفر وإلا ستقتل الآن. إذا قال كلمة الكفر هل قالها عن رضا؟ هل قالها عن اختيار؟ لا، قالها عن إكراه ومن غير رضا وبغير اختياره. نعم، فهذا الشرع فرق فيه فلم يؤاخذ قائل كلمة الكفر إذا كان مكرها. وهكذا كذلك لو فعل العمل وعمل العمل مخطئا، فعل بخطأ بغير اختيار بغير قصد، أخطأ فعل شيئا محرما خطأ، هذا غير مؤاخذ به إذا كان في حق الله تعالى. لذلك قيد المؤلف هنا رحمه الله قال: «فيما يتعلق بحق الله تعالى»، ليبين رحمه الله ما يتعلق بالخطأ الذي يقع في حقوق الناس، فأنها تؤدى الحقوق إلى أهلها. لكن كان فيما بين العبد وما بين ربه جل وعلا فهو لا يواخذ، وأيضا هو لا يواخذ يعني بالإثم. لكن إذا هناك حقوق للناس، نعم، تدفع لهم. إذا قتل مثلا خطأ، إذا قتل خطأ غير آثم عند الله جل وعلا، الذي يقتل متعمدا جزاه جهنم خالدا مخلدا فيها، غضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما. لكن الذي قتل خطأ هذا غير آثم عند الله جل وعلا، لكن هذا حق لآخرين فيما يتعلق بهذه النفس التي قتلت خطأ، ففي ذلك الدية تدفع، لا يسقط فيها. فالشاهد من هذا أن الأعمال التي يفعلها العباد خطأ، الشرع لم يواخذهم عليها، لماذا؟ لأنهم فعلوها بغير قصد منهم وبغير اختيار، وإنما خطأ. خطأ، أراد أن يأخذ شيئا فحصل شيء، حصل شيء ربما تسبب إلى قتل نفس أو إتلاف مال أو كذا، وغير قصد ما يريد، يعني يحرق مالا أو يقتل نفسا، لكن فعل شيئا خطأ وحصل ذلك القتل أو ذلك الإتلاف أو ذلك الأمر الآخر، أي أمر كان، هو غير مؤاخذ بهذا لأنه إنما فعل ذلك خطأ. وهكذا النسيان، الناس غير مؤاخذين، لماذا؟ لأنه لم يفعل بإرادة منه وقصد واختيار، واختيار لذلك العمل، وإنما نسي ذلك، نسي ففعل شيئا أو ترك شيئا. نعم، ترك صلاة نسيانا، نعم، ترك الصلاة نسيانا، فريضة من الفرائض تركها نسيانا، هل يواخذ عليها؟ لا، لا يواخذ عليها، نعم، إذا ذكرها يصليها في الوقت الذي يذكرها، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولو لم يذكرها لا شيء عليه وهو غير مؤاخذ. لكن الذي ترك الصلاة باختيار، نعم، مؤاخذ. فالشرع فرق بين من يفعل العمل باختيار، وبين من يفعل العمل بإكراه أو بخطأ أو بنسيان، فالخطأ والنسيان والإكراه معفو عنه. وقد قال جل وعلا في الخطأ والنسيان: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما في مسلم، أن الله جل وعلا قال: «قد فعلت»، في لفظ: «نعم»، يعني لا أواخذكم بذلك. وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكره عليه، وما استكره عليه». فالخطأ والنسيان والإكراه غير مؤاخذ صاحبه، لماذا؟ لأنه فعل بغير إرادة واختيار. وهذا الشرع فرغ فيه وبينه بيانا واضحا كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «ونرى أنه لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله تعالى، لأن العاصي يقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن الله تعالى قدرها عليه، إذ لا يعلم أحد قدر الله تعالى إلا بعد وقوع مقدوره، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج بها حين يقدم على ما يعتذر بها عنه؟». وقدرت الله تعالى هذه الحجة بقوله جل وعلا: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. الله سبحانه وتعالى كما تقدم بين أنه لا حجة للعاصي على معصيته، المشركون احتجوا بقدر الله جل وعلا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾، فاحتجوا بقدر الله جل وعلا. هذا لا حجة لهم فيه، لماذا؟ هل هم علموا قدر الله جل وعلا؟ لم يعلموا قدر الله جل وعلا. هم أمروا بأن يحققوا الإسلام ويحققوا الإيمان ويتركوا الشرك بالله جل وعلا والكفر، هذا الذي هم أمروا به. أما ما هو في علم الله جل وعلا فهذا أمر غيبي لا يعلمه أحد. فهم احتجوا بأن الله جل وعلا شاء ذلك منهم أن يكونوا مشركين وأن يكونوا كافرين. من الذي أعلمهم؟ وما هو دليلهم على أن الله جل وعلا شاء ذلك منهم؟ لماذا لم يحققوا الإيمان ويحققوا الإسلام الذي أمروا به؟ فلا حجة. فالذي يحتج على معاصيه بقدر الله جل وعلا كما هو حال طائفة من الناس، إذا قلت له: يا فلان اتق الله، كيف تفعل المعاصي؟ لماذا لا تصلي؟ لماذا كذا؟ يقول: هذا قدر الله. يحتج بمعاصيه على معاصيه بقدر الله سبحانه وتعالى. ما الذي أعلمك؟ ما الذي أعلمك أن الله جل وعلا قدر لك ذلك؟ لماذا لا تقدم على الطاعة؟ أقدم على الطاعة وفعل الطاعة، وقول: هذا قدر الله. لماذا تقول قدر الله في المعصية؟ هل أنت قد علمت قدر الله جل وعلا قبل فعل هذه المعصية؟ قبل أن تفعل المعصية هل عندك علم أن الله جل وعلا قدر عليك أن تفعل هذه المعصية قبل أن تفعلها؟ ما تستطيع أن تقول نعم، ما تستطيع أن تقول نعم، وإنما بعدما فعلت المعصية، فعلت المعصية، ولما فعلت المعصية قد قدر الله بعد أن فعلت المعصية. لكن قبل أن تفعل المعصية، إذا سألناك وقلنا لك: هل قدر الله عليك أن تفعل كذا؟ ماذا ستقول؟ تقول: الله أعلم، هذا أمر غيبي. فالناس يفعلون المعاصي أولا، ثم بعد ذلك إذا فعلوا المعاصي قالوا: قدر الله، قدرها علينا. وقبل فعلها هل عندكم علم أنه قدرها عليكم؟ ما عندكم علم بذلك. إذن أنتم فعلتموها وليس عندكم علم أن هذا شيء مقدر عليكم، فإذن لا حجة لكم بعد ذلك أن تقولوا: شيء قد قدره الله جل وعلا علينا. لو كان عندكم علم، لو كان عندكم علم قبل فعل المعاصية، نعم، قبل أن تسرق، وقبل أن تفعل المعاصي، وقبل أن تكذب، وقبل أن ترتشي، وقبل أن تفعل كذا وكذا وكذا من المعاصي والمحرمات، كان عندك علم من الله جل وعلا أنها مكتوبة عليكم مقدرة عليك، أنك الآن في هذه الساعة تفعل معصية، في هذه الساعة مقدر عليك، عندك علم أنه مقدر عليك أن تفعل المعصية، ممكن الآن تحتاج تقول: فعلت المعصية لأني قد علمت أنها مقدرة علي قبل أن أفعلها. لكن هذا عند من؟ هذا ما أحد عنده علم قبل فعل المعصية أن المعصية قد قدرت عليه. نعم، وإنما يفعل المعصية يقول: قدرها الله علي. لماذا لم تفعل الطاعة وتقول: قدرها الله علي؟ نعم. فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: هذا الذي يحتج على معاصيه، يحتج على معاصيه بقدر الله جل وعلا، إنما يحتج بذلك بعد فعل المعاصي، وهذا هو شبيه باحتجاج المشركين. فأنت تشبه المشركين، من يستدل ومن يحتج على المعاصي بقدر الله، نقول فيك شبه من المشركين، شابهت المشركين في احتجاجهم، لأن المشركين احتجوا بشركهم على شركهم بقدر الله جل وعلا. ومن الذي أعلمهم؟ ما عندهم علم بذلك. ولذلك قال لهم في هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. هذا الذي قال ربنا جل وعلا جوابا على المشركين الذين احتجوا بقدر الله جل وعلا على شركهم، ونحن نقول كذلك للعاصي الذين يفعلون المعاصي وبعد ذلك يقولون: قدر الله. نقول: هل عندك علم؟ هل عندك علم قبل أن تفعل المعاصي أنك ستفعلها وأنها قد قدرت عليك؟ إن كان عندك علم، اخرجه لنا، اخرجه لنا. ما عندك علم. إذن الأمر: هل قدر قدر عليك فعل معاصي أو قدر عليك فعل طاعات؟ أنت لا تعلمه، هذا أمر غيبي. أنت مأمور بفعل الطاعة وترك المعصية، فلا تفعل المعصية تقول: قدر الله علي. لا، مواصل في درس لاحق. صلى الله عليه وسلم، وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.