الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 221، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن عصاة أهل التوحيد ينقسمون يوم القيامة إلى ثلاث طبقات حسب ميزان الحسنات والسيئات. من رجحت حسناتهم يدخلون الجنة مباشرة، ومن تساوت حسناتهم وسيئاتهم يخضعون لحكم الميزان، ومن رجحت سيئاتهم مع إصرارهم على الكبائر يستحقون عذاباً غير مخلد.
يضرب الشيخ مثلاً بالميزان لبيان حال من تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيصبحون من أصحاب الأعراف الذين يقفون بين الجنة والنار. يعرفون أهل الجنة بسيماهم، يطمعون في دخولها، ويستعيذون من النار كما ورد في سورة الأعراف.
يتناول المقطع حال من لقوا الله مصرين على الكبائر مع وجود أصل التوحيد، فرجحت سيئاتهم فيدخلون النار مدة تتناسب مع ذنوبهم ثم يخرجون إلى الجنة. يُؤكد أن الخلود المذكور يعني طول المكث لا الخلود الحقيقي، ويحث على المبادرة بالتوبة.
أعلن المحاضر انتهاء الوقت وقرر تأجيل بقية السؤال إلى الدرس القادم، مختتماً الجلسة بما تم طرحه. لم يُضاف أي محتوى جديد بعد هذا الإعلان.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد، وقفنا عند ذكر المؤلف لطبقات العصاة من أهل التوحيد يوم القيامة، فقال رحمه الله تعالى: «فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية، ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من أئمة التفسير والحديث والسنة، أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات». إذن هذا المبحث الذي سيذكره المؤلف يتعلق بعصاة الموحدين، وهؤلاء عصاة الموحدين هم الذين اجتمعت فيهم ثلاثة أمور: الأمر الأول: أنهم من أهل التوحيد، لابد؛ لأنه إذا كان من أهل الشرك فهذا مآله ومصيره جهنم خالداً مخلداً فيها. لكن هذا المبحث أولاً: يكون أهل هذه الطبقات الثلاث من أهل التوحيد. ثانياً: أنهم عصاة ماتوا مصرين على الكبائر، عصاة مصرين على الكبائر. والثالث: وهو متعلق بحكمه في الآخرة، لأن الكبيرة كما تقدم معنا أمرها إلى الله، إن شاء غفر الله لصاحبها، وإن شاء عذبه عليها. فهذا الذي عذبه عليها إذا دخل النار لا يخلد فيها، لا يخلد فيها، لكن يشترط فيه أمر ثالث، ما هو؟ أن تترجح سيئاته على حسناته. هذا الذي يدخل النار بكبيرته ولا يخلد في النار، يشترط أن تترجح سيئاته على حسناته، كما سيأتي معنا. طيب، قد يسأل سائل ويقول: هل يمكن أن يكون صاحب كبيرة مصراً عليها تترجح حسناته على سيئاته في الوزن؟ الجواب: نعم، يمكن أن تكون السيئات كبائر، لكن لكثرة الحسنات ترجح هذه الحسنات على السيئات، وإن كانت هذه السيئات من الكبائر. ولذلك أورد المؤلف آيات الوزن والحساب. فقال المؤلف: هؤلاء على ثلاث طبقات: الأولى: قوم رجحت حسناتهم على سيئاتهم، عندهم حسنات وعندهم سيئات، لكن حسناتهم أكثر من سيئاتهم، ولو كانت هذه السيئات كبائر. قال: فأولئك يدخلون الجنة ولا تمسهم النار أبداً، لا تمسهم النار؛ لأن حسناتهم غلبت ورجحت على سيئاتهم. وهذا فيه -أيها الإخوة- أن الإنسان في هذه الدنيا يسعى في جلب الحسنات، لا يستصغر عملاً فيه أجر وفيه حسنة، حتى إذا ارتكب شيئاً من المعاصي ولقي الله عليها، فإن الحسنات ترجح على السيئات. فهذا فيه حث على الإكثار من فعل الحسنات. الثانية: الطبقة الثانية، قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم. الميزان كما مر معنا له كفتان، مثل ميزان الدنيا الآن له كفتان، صح؟ كفة يوضع فيها الوزن، الكيلو أو الكيلوين أو الثلاثة، وكفة توضع فيها البضاعة، صح؟ فالميزان هذا له ثلاث حالات. الميزان في الدنيا هذا له ثلاث حالات: إما أن الوزن يرجح على البضاعة، صح؟ يعني البضاعة تكون أقل من كيلو والوزن كيلو، الميزان سيكون رجحانه إلى جهة الوزن لأن البضاعة قليلة. وأحياناً تكون البضاعة نفس الوزن، الوزن كيلو والبضاعة كيلو تماماً، كيف يكون الميزان؟ ها، يكون الميزان متساوياً، ما في نازل، ما في طالع، متساوياً؛ لأن هذا كيلو وهذا كيلو، صح؟ وأحياناً تكون البضاعة أكثر من الوزن، هذا الوزن وهذه البضاعة، كيف سيكون الميزان؟ سيكون هكذا، سترجح كفة البضاعة. وهكذا يوم القيامة، يؤتى بالحسنات في كفة، ويؤتى بالسيئات في كفة. إذا كانت الحسنات أكثر من السيئات، رجحت كفة الحسنات على كفة السيئات. وإذا كانت الحسنات نفس السيئات متساوية، كيف صارت الكفة؟ متساوية، ما في نازل ولا طالع. هذه الطبقة الثانية. قال: الثانية، قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار. الآن هذه في مرتبة وسط، ما في هناك رجحان للحسنات حتى يدخل الجنة، وما في هناك رجحان للسيئات حتى يدخل النار. هذا معنى قوله: «فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة»؛ لأن سيئاتهم متساوية مع الحسنات، فقصرت بهم عن دخول الجنة. «وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار»؛ يعني الحسنات متساوية مع السيئات، فهذه الحسنات منعتهم من الدخول إلى النار. طيب، ما مصير هؤلاء؟ قال: وهؤلاء هم أصحاب الأعراف، وهؤلاء هم الذين جاءت فيهم الأدلة، جاءت فيهم الأدلة في القرآن. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: 46]، كما سيأتي معنا، وبينهما حجاب، سيأتي ذكرها. قال: وهؤلاء هم أصحاب الأعراف الذين ذكر الله تعالى أنهم يقفون بين الجنة والنار، ما شاء الله أن يقفوا، يظلون في هذا المكان. أهل الجنة يدخلون الجنة، وأهل النار يدخلون النار، وهم في هذا الموضع في الأعراف. والأعراف، فما جاء آثار عن السلف الصحابة أنه مرتفع بين الجنة والنار، مكان مرتفع بين الجنة والنار، يعني أصحاب الأعراف يستطيعون أن ينظروا إلى أهل الجنة لكن ما يستطيعون الدخول إليها، ويستطيعون الاطلاع على أهل النار وما يستطيعون الدخول إلى النار. فهؤلاء هم أهل الأعراف، مكان مرتفع بين الجنة والنار، يوقف عليه أهل هذه الطبقة، يوقفون في هذا الموضع مدة يشاؤها الله وهو بها عليم. لم يأت في الأدلة كم مدة مكوث هؤلاء في هذا المرتفع، في هذا المرتفع. قال الله عز وجل: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 48]، كما قال تعالى بعد أن أخبر بدخول أهل الجنة الجنة والنار النار وتناديهم فيها، قال: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 46-47]، إلى أن قال سبحانه وتعالى في آخر الآيات: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: 49]، رحمة الله غلبت غضبه، فأدخلهم الله سبحانه وتعالى الجنة بعد انتظار دام الله أعلم بمدته في هذا المرتفع، في هذا المكان الأعراف. فهؤلاء هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم، قال: إلى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. هذه الطبقة الثانية. قال: الطبقة الثالثة، قوم لقوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش، ومعهم أصل التوحيد كما مر معنا، أصل التوحيد والإيمان، يعني عندهم شيء من الإيمان ولو ذرة، كما سيأتي معنا في أحاديث الشفاعة، فرجحت سيئاتهم حسناتهم. نأتي إلى الميزان: هذه الحسنات وهذه السيئات، فرجحت السيئات على الحسنات، السيئات كانت أكثر من الحسنات. فهؤلاء يدخلهم الله عز وجل النار، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، يعني دخول مؤقت لا مؤبد، يدخلون النار دخولاً مؤقتاً، كل على حسب ما عنده من كبائر وما عنده من جرائم وعظائم، فيعذب بقدر ذنبه، ثم بعد ذلك يخرج من النار ويدخل الجنة. وهؤلاء هم الذين جاءت فيهم الأدلة في خفة الموازين، في خفة الموازين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 8-11]، فيراد بالخلود هنا الخلود الكثير، يعني كثرة المكث في النار، كما فسر ذلك بعض أهل السنة. لماذا؟ لأن من ثقلت سيئاته على حسناته وعنده أصل الإيمان لا يخلد في النار، فيراد بالخلود هنا كثرة المكوث في جهنم. قال: فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، ومنهم من تأخذه إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، حتى إن منهم من لم يحرم الله منه على النار إلا أثر السجود. كل على حسب ذنبه، سواء كان في كيفية العذاب وفي مقدار العذاب، أو كذلك في مدة العذاب، كل ذلك متوقف على ماذا؟ على قدر الذنب، على قدر الذنب. وهذا فيه أن الإنسان يحذر من التمادي في السيئات، ومن الإصرار على الإقامة، بل يبادر إذا سولت له نفسه إلى ارتكاب شيء من تلك الفواحش وتلك الكبائر أن يرجع إلى الله ويتوب، كما قال الله عز وجل في صفات المحسنين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. فإذا ليس الشأن كل الشأن ألا تعصي، فأنت من بني آدم، وقد يستزلك الشيطان فتقع في شيء من الذنوب والعصيان، ولكن الشأن كل الشأن أن تبادر وأن تسرع بالتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. وبقية هذا السؤال نؤجله إن شاء الله إلى درس قادم، لانتهاء الوقت. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.