الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد الدرس إثبات الموازين الحقيقية التي توزن فيها أعمال العباد يوم القيامة مستنداً إلى نصوص القرآن والسنة، مبيناً أن حكمتها إظهار كمال عدل الله. ويرد على المعتزلة الذين أنكروا حقيقتها بدعوى عدم فائدتها معتبراً ذلك ضلالاً واستخفافاً بالشرع.
يوضح الدرس أن للميزان كفتين ترجح فيهما شهادة التوحيد على السيئات كما في حديث البطاقة، ويحدد ترتيبه بعد الحوض وقبل الصراط مرجحاً كونه ميزاناً واحداً جُمع باعتبار الموزونات. ثم ينتقل لذكر الشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم والمقام المحمود، ويثبت شفاعة النبي وغيره في إخراج الموحدين من أهل الكبائر من النار رداً على الخوارج والمعتزلة.
يستعرض الدرس صفات حوض النبي ﷺ من بياض الماء وحلاوته وطيب ريحه، وامتداده وآنيته الكثيرة كنجوم السماء. ويبين أن من شرب منه لا يظمأ أبداً مع الإشارة إلى استكمال الحديث عنه في الدرس القادم.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فكان آخر الكلام عند كلام المؤلف رحمه الله تعالى في الكلام على نشر الدواوين وصحف الأعمال يوم القيامة، وأن من الناس من يعطى صحائف أعماله بيمينه، ومنهم من يعطى صحائف أعماله بشماله، وهم أهل النار. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بالموازين توضع يوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئا، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون». وقال تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر أيضا، وهو الإيمان بالموازين يوم القيامة، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة. فأهل السنة والجماعة يعتقدون اعتقادا جازما لا شك فيه أن الله جل وعلا ينصب الموازين يوم القيامة، فتوزن أعمال العباد. وهذا لبيان كمال عدله جل وعلا، حيث يرى العبد ما قدم من حسنات وما قدم من سيئات، ما قدم من خير وما قدم من شر. فحسناته تكون في كفة، وسيئاته تكون في الكفة الأخرى، فلا يظلمه جل وعلا. فالسعيد من رجحت حسناته على سيئاته، والأسعد منه من نجا من ذلك حيث أنه لم تكن له سيئات وإنما كانت له حسنات. فهذا فيه بيان عدل الله جل وعلا. أما الذين لم يعقلوا الحكمة من نصب الموازين يوم القيامة، وقالوا: ما الفائدة؟ إيش الفائدة من نصب الموازين يوم القيامة؟ الله جل وعلا يعلم ما يعمل العباد من خير وشر، وما عندهم من حسنات وسيئات. ما فائدة الموازين يوم القيامة؟ فلأنهم عقلانيون، وهم المعتزلة ومن وافقهم، فقالوا: لا فائدة من الموازين. ولذلك لم يثبتوا الموازين يوم القيامة، بمعنى أن هناك موازين توزن فيها أعمال العباد، وإنما يقولون في الموازين الذي جاء ذكرها في كتاب الله جل وعلا: المراد إقامة العدل، أن يظهر عدل الله جل وعلا يوم القيامة. لكن لا يثبتون ما يثبت أهل السنة والجماعة من أن هناك موازين وميزان توزن به الأعمال. لماذا؟ لأنهم لم يدركوا الحكمة، عقولهم الفاسدة، نعم، لم تدلهم على الحكمة من نصب الموازين يوم القيامة، فقالوا: هذا ينافي الحكمة وهمها العقل، فلذلك لم يثبتوا ذلك. مع أن الحكمة واضحة، الحكمة واضحة من نصب الموازين يوم القيامة: هذا فيه بيان كمال عدل الله سبحانه وتعالى، حيث يري عبده ما قدم في هذه الدنيا من خير أو شر، وأن الله لم يظلمه. هذه حسناته وهذه سيئاته، لم يظلمه الكتبة الذين كتبوا عليه السيئات، نعم، فيرى ذلك بأم عينيه: الحسنات والسيئات التي عملها. فهذا من الحكمة العظيمة التي لم يوفق، يوفق ربنا عز وجل لها هؤلاء المعتزلة، الذين بسبب زيقهم وتقديم عقولهم وعدم تسليمهم، عاقبهم الله جل وعلا لعدم إدراك هذه الحكم العظيمة التي لأجلها نصب الموازين جل وعلا يوم القيامة. بل بعضهم يصل به الحال إلى السخرية، والعياذ بالله، فيقول: ما فائدة الموازين؟ الميزان إنما يحتاج له الفوال والبقال، الذي يحتاج للميزان إنما هو الفوال، يعني صاحب الفول، والبقال، يعني صاحب البقالة، هذا الذي يحتاج للميزان، والله جل وعلا لا يحتاج للميزان. سبحان الله، هذا من الاستخفاف، وهكذا من الضلال والتيه والزيغ. النصوص ثابتة في القرآن والسنة في إثبات هذا الأمر، ووزن الأعمال، وضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة. وما هذا ينكرون؟ هؤلاء هذه النصوص ويؤولونها بما يوافق عقولهم، زعما أن العقل لا يدرك مثل هذه الأمور، وأنه لا فائدة من ذلك، وليست ثم حكمة في نصب الموازين، فقد ضلوا ضلالا بعيدا. عن الموازين جاء ذكرها في كتاب الله في آيات كثيرة. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وكذلك الحديث في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام كثيرة في إثبات الموازين يوم القيامة. منها ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، وهو آخر حديث ذكره الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، في قوله عليه الصلاة والسلام: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الكلمتين ثقيلتان في ميزان الله جل وعلا، في ذكر الميزان. وكذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أيضا، كما في الصحيح، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين العظيم، فلا يزن عند الله جناح بعوضة». قال عليه الصلاة والسلام: «اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾». لهم ولا له، لهم طيب، فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنة. وكذلك في حديث أبي مالك الأشعري، كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان» إلى آخر الحديث. وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، كما في قصة عبد الله بن مسعود، كما في الصحيح وغيره، أنه رضي الله تعالى عنه، أي عبد الله بن مسعود، صعد يوما شجرة، فكشفت الريح عن ساقيه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فضحك الصحابة، وتعجبوا من دقة ساقي عبد الله بن مسعود، فقال عليه الصلاة والسلام: «والله إنهما في الميزان أثقل من أحد، إنهما في الميزان أثقل من أحد». أي في ميزان الله سبحانه وتعالى. وهكذا الأحاديث كثيرة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلك حديث صاحب البطاقة، حديث عبد الله بن عمر في المسند وغيره، في قصة ذلك الرجل الذي يؤتى به يوم القيامة، وله تسعة وتسعون سجلا، كلها ذنوب وخطايا، فتوضع في كفة، وتوضع «لا إله إلا الله، محمد عبده ورسوله» في الكفة الأخرى، فترجح هذه البطاقة التي مكتوب عليها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، على تلك السجلات. فهذا يدل على أن الميزان يوم القيامة له كفتان، له كفتان. جاء عن بعض السلف أنه قال: «ولسان»، لكن لم يثبت هذا في حديث مرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام أن للميزان لسان. نقل هذا عن الحسن البصري رحمه الله تعالى، ولم يثبت فيه حديث مرفوع عن النبي عليه الصلاة والسلام. فالميزان له كفتان، كما في هذا الحديث، حديث صاحب البطاقة. وهل موازين يوم القيامة أو ميزان واحد؟ يعني: هل هو ميزان واحد، أو أنه موازين، يعني عدة موازين توزن فيها الأعمال؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم. من أهل العلم من قال: موازين، يعني ليس هو ميزان واحد فقط توزن فيه الأعمال، أي أعمال العباد، وإنما هي موازين، أي عدة. واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، موازين جمع ميزان، أي يوم القيامة تكون موازين، ليس ميزانا واحدا. ومن أهل العلم من قال: هو ميزان، ولكن جمع باعتبار الموزونات، جمع باعتبار الموزونات، لأن هذا الميزان توزن فيه الأعمال، نعم، ويوزن كذلك فيه العباد. فالموزونات ليست واحدة، وإنما هي عدة موزونات: أعمال توزن، وكذلك عباد يوزنون، كما في حديث الرجل السمين الذي يوزن يوم القيامة في الميزان، وكذلك ساقي عبد الله بن مسعود، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وثقل هاتين الساقين في ميزان الله جل وعلا. وهكذا توزن كذلك الأعمال، وأعظم هذه الأعمال الشهادتان، كما في حديث صاحب البطاقة، وأيضا الأعمال الأخرى التي هي سيئات توزن في ميزان الله جل وعلا، توزن الحسنات وتوزن كذلك السيئات. وهكذا: «الحمد لله»، و«سبحان الله»، كذلك من الأعمال التي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنها توزن، وهكذا: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، كلمتان ثقيلتان في الميزان، فدل على وزنهما. وهكذا فالموزونات كثيرة، والميزان واحد، ولعل هذا هو الصحيح: أن الميزان واحد، وجمع باعتبار الموزونات، جمع باعتبار الموزونات. والميزان يكون بعد الحوض، الميزان ترتيبه على الصحيح أنه يكون بعد الحوض، فالحوض قبل الميزان، سيأتي ذكره كلام عليه بعده: الميزان، وبعد ذلك الصراط. جاء في حديث، صحة بعضها عند بعض أهل العلم، وبعضها ضعيف، في تقديم الصراط على الميزان، في تقديم الصراط على الميزان. ولذلك حصل إشكال، حصل إشكال، لأن في هذا الحديث، وهو حديث أنس، أنه طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يشفع له يوم القيامة، أن يشفع له يوم القيامة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إني فاعل ذلك، فاطلبني عند الحوض، فاطلبني عند الحوض». فقال أنس: «فإن لم ألقك يا رسول الله؟» قال: «فاطلبني عند الصراط». قال: «فإن لم ألقك؟» قال: «فاطلبني عند الميزان». فقدم النبي عليه الصلاة والسلام الصراط على الميزان. فمن صح هذا الحديث حصل به إشكال، حصل به إشكال. فلذلك من أهل العلم من قال: إنما المراد بهذا الصراط المذكور في هذا الحديث، الذي ذكر بعد الميزان، نعم، إنما هو ماذا؟ صراط آخر، صراط آخر. والذي ظهر، والله أعلم، أن الحديث ضعيف، لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك لا إشكال. فالترتيب: الحوض، ثم الميزان، ثم بعد ذلك الصراط، ثم بعد ذلك الصراط. فلذلك ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في سياق ذكره للإيمان باليوم الآخر من الأمور التفصيلية التي يجب الإيمان بها، وهي مما يلحق، مما يلحق الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالموازين يوم القيامة، وأنها تنصب وتوزن فيها الأعمال، وما ثبت في ذلك في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام مما يتعلق بالميزان، وجب الإيمان به، وعدم رد شيء منه، وعدم تقديم العقل، نعم، فلأجل ذلك ترد النصوص الثابتة في القرآن أو في السنة، كما فعل المعتزلة ومن حذى حذوهم في هذا الباب والمنزلق الخطير. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بالشفاعة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، يشفع عند الله تعالى بإذنه ليقضي بين عباده، حين يصيبهم من الهم والكرب ما لا يطيقون، فيذهبون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، حتى تنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع مما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالشفاعة العظمى، الشفاعة العظمى للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي المقام المحمود الذي وعده ربنا جل وعلا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾. هذا المقام المحمود هو الشفاعة العظمى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، حين يتأخر عنها الأنبياء وأولو العزم من الرسل. جاء ذكرها في أحاديث كثيرة، من حديث أبي هريرة وجمع من الصحابة، ومن الأحاديث المتواترة أحاديث الشفاعة، من الأحاديث المتواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك ذكرت فيما ذكر من الأحاديث المتواترة، كما قال القائل: مما تواتر حديث من كذب *** ومن بنى لله بيتا واحتسب ورؤية شفاعة والحوض *** ومسح خفيني وهذه بعض فأحاديث الشفاعة متواترة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. ومنها الشفاعة العظمى، حين يأتي الناس يوم القيامة، بعدما يصيبهم الهم والكرب الشديد، فيقول بعضهم لبعض: اذهبوا إلى آدم، فيذهبون إليه، فيطلبون منه أن يشفع لهم عند ربهم جل وعلا، فيقول آدم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله»، ويذكر أكله من الشجرة ومخالفته، فيحيلهم إلى نوح، فيأتوا إلى نوح، ويحيلهم بعد ذلك إلى إبراهيم، ثم بعد ذلك يحيلهم إبراهيم إلى موسى، ويحيلهم موسى بعد ذلك إلى عيسى، ويحيلهم عيسى إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيأتي نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيسجد لله جل وعلا تحت العرش، ويحمد الله جل وعلا بمحامد لم يلهمها ربنا عز وجل قبل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فيقال له بعد ذلك: «يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطَ، اشفع تشفع». فيقول نبي عليه الصلاة والسلام: «يا رب، أمتي، أمتي». فيقول الله جل وعلا: «أدخل من أمتك من الباب الأيمن، أدخل من أمتك الجنة من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس فيما سوى هذا الباب من الأبواب». فهذه الشفاعة العظمى للنبي عليه الصلاة والسلام، خاص له دون سائر الأنبياء، وهو المقام المحمود كما تقدم. فهذا ثبت في أحاديث كثيرة عن نبي عليه الصلاة والسلام. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الشفاعة العظمى الثابتة للنبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بالشفاعة فيمن دخل النار من المؤمنين أن يخرجوا منها، وهي للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من النبيين والمؤمنين والملائكة أيضا». مما ثبت للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهو كذلك ثبت لغيره من أهل الإيمان من الأنبياء والملائكة والصالحين، الشفاعة في إخراج أقوام من النار، في إخراج أقوام من النار أن يخرجوا من النار. وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على هؤلاء أهل التوحيد، وإن دخلوا نار جهنم بسبب ما اقترفوه من الكبائر، نعم، التي ماتوا عليها من غير توبة منها، فيعذبون بقدر ما شاء الله جل وعلا، ولكن ما آل بهم بعد ذلك إلى الجنة، فإن الله جل وعلا لا يغفر للجميع، أي ممن وقع في الكبائر، وإنما يغفر لمن يشاء. فمن الناس من لا يغفر الله جل وعلا له، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، فمن الناس من لا تغفر له ذنوبه، فيدخل النار مع أنه من أهل التوحيد، يعني لم يقع في الشرك بالله جل وعلا، ولم يخرج من الإسلام، لكنه وقع في ذنوب ومعاصي وكبائر، فمات على ذلك، فكان من الذين لم يوفقوا لمغفرة الله جل وعلا لهم، فهم يدخلون النار، لكن لا يخلدون فيها، وإنما يتفضل ربنا جل وعلا ويتفضل عليهم بإكرام هؤلاء الصالحين من الأنبياء، فيكرمهم الله جل وعلا بالشفاعة لهؤلاء الذين دخلوا النار بالخروج منها. يكرم الملائكة، ويكرم الأنبياء، ويكرم كذلك الصالحين، ويكرم كذلك الشهداء، نعم، ويكرم الأفراط، الأولاد الصغار الذين ماتوا، نعم، واحتسب آباؤهم لذلك. لذلك فهذه الشفاعة حاصلة يوم القيامة، حاصلة يوم القيامة. هذه الشفاعة ينكرها الخوارج والمعتزلة، فالخوارج والمعتزلة، بسبب اعتقادهم الفاسد في مرتكب الكبيرة، وأنه يدخل النار ويخلد فيها ولا يخرج منها، أنكروا هذا النوع من أنواع الشفاعة في إخراج أهل الكبائر من النار، مع ثبوت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء عن جمع من الصحابة، جاء عند الترمذي وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لأمتي، أو لأهل الكبائر من أمتي، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر أنه عليه الصلاة والسلام له شفاعة في أهل الكبائر. وهكذا الشفاعة هذه ثابتة أيضا لغيرهم من الأنبياء، بل ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا إذا شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع الصالحون، شفع رب العالمين، فيقول الله جل وعلا: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع الصالحون، فلم تبق إلا شفاعة أرحم الراحمين»، فيخرج ربنا سبحانه وتعالى من النار أقواما لم يعملوا خيرا قط، لم يعملوا خيرا قط، بمعنى أن معهم التوحيد، أن معهم التوحيد، فقد أتوا بالشهادة وبكلمة التوحيد قولا وعملا ومعتقدا، قولا وعملا ومعتقدا، وتركوا ما يضاد ذلك. فهذا معنى تحقق التوحيد، ليس تحقق التوحيد أن يقول العبد: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله»، نعم، فقط لا، وإنما يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله»، هذه الكلمة لها مقتضيات، لا بد من الإتيان بها. ما هي هذه المقتضيات؟ هذه المقتضيات ذكرت في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. من هذه المقتضيات الإتيان بالصلاة، فلا يقول العبد الشهادتين وهو لا يصلي، فعدم الإتيان بالصلاة وترك الصلاة هذا يناقض، يناقض هذه الكلمة، معنى ذلك أنه لم يأت بالتوحيد، لم يأت بالتوحيد على الصحيح من أقوال أهل العلم. أو يقول الشهادتين، نعم، ولكن يقع في ناقض من نواقض الإسلام، ومن نواقض هذه الشهادة، من دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وما هو من خصائص الله، أو يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو يفعل عبادة من العبادات ويصرفها لغير الله جل وعلا. فلذلك تحقيق التوحيد الذي يخرج صاحبه من النار، وما جاء فيه من قوله عليه الصلاة والسلام: «لم يعمل خيرا قط»، المراد بهذا التوحيد الذي معه مقتضاه، نعم، والابتعاد عما يضاده. فالشاهد أن الله عز وجل يخرج من النار هؤلاء الذين وقعوا في الذنوب والمعاصي والكبائر، بل يأمر ربنا عز وجل كذلك الذين يشفعون بأن يخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، مثقال ذرة من إيمان، مثقال حبة من إيمان. فهذا يدل على هذا النوع من هذه الشفاعة، وهذه الشفاعة من هذه الشفاعات، أن أهل الكبائر لهم شفاعة، لخلاف الخوارج والمعتزلة الذين يقولون: لا شفاعة لأهل الكبائر، بل هم مخلدون في نار جهنم، والعياذ بالله، وهذا باطل، ترده النصوص البينة الواضحة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذا النوع أيضا من أنواع الشفاعة الذي يثبتها أهل السنة والجماعة، مما تكون في يوم القيامة، في ذلكم اليوم العظيم. قال رحمه الله تعالى: «بأن الله تعالى يخرج من النار أقواما من المؤمنين بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته». هذا الذي ذكر بعد شفاعة الأنبياء، وشفاعة الملائكة، وشفاعة الصالحين، تبقى شفاعة أرحم الراحمين، فيخرج هؤلاء الأقوام من النار بشفاعته جل وعلا، فيدخلون جنة ربهم سبحانه وتعالى. وجاء في بعض النصوص تسميتهم بالجهنميين، تسميتهم بالجهنميين، لأنهم صاروا فحما، صاروا فحما بسبب نار جهنم، بسبب نار جهنم، فيوضعون في نهر الحياة، في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. فهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، فحين يوضعون في هذا النهر الذي يقال له نهر الحياة، فإنهم يهذبون وينقون، ثم بعد ذلك يدخلون جنة الله سبحانه وتعالى، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «ونؤمن بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، طوله شهر، وعرضه شهر، وآنيته كنجوم السماء، كنجوم السماء حسنا وكثرة، يرده المؤمنون من أمته، من شرب منه لم يظمأ بعد ذلك». طيب، الكلام في الحوض وما يتعلق به إن شاء الله في الدرس اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.