المحاضرة بعنوان أهمية العلم والعلماء، وكانت بمسجد السنة بتبالة الجمعة 17 شوال 1437هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستهل المحاضر بالثناء على مجالس العلم مستدلاً بالآيات والأحاديث على فضل العلماء وكونهم ورثة الأنبياء في تبليغ الدين. ويوضح الضابط الشرعي للعالم الحقيقي بأنه من فقه في الدين واستنبط الأحكام لا مجرد الظهور الإعلامي.
يبين المقطع تميز العلماء بالخشية والورع والثبات على الحق واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة. ويؤكد أن النجاة في الفتن تتحقق بالرجوع إليهم ولزوم جماعتهم وإمامهم مستدلاً بنصوص الوحي وأقوال السلف.
يحذر المحاضر من الخلط بين العلماء وثلاث طوائف تظهر للناس كعلماء هم: القراء المتسارعون، والمثقفون المكثرون من الكلام، والخطباء الفصحاء. ويوضح أن العلم نور يقذفه الله في القلب ويتميز أهله بقلة الكلام وكثرة العمل لا بكثرة الرواية أو الخطابة.
يؤكد المقطع على وجوب محبة العلماء وموالاتهم في الحق مع الاعتراف بأنهم يصيبون ويخطئون. ويستعرض أدلة السنة وأفعال الصحابة في إجلال العلماء، مبيناً أن من السنة إجلال أربعة: ذو الشيبة، والعالم، وذو السلطان، والوالد.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة في الله، نحمد الله جل وعلا أن يسر لنا وهيأ لنا مثل هذه المجالس المباركة، فكما سمعنا في كلمة أخينا القاضل أبي خليل مصطفى حفظه الله، الحث والترغيب على مثل هذه المجالس المباركة التي نرجو ونأمل من الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم، كما في الحديث القدسي: «وجبت محبتي للمتحابين فيّ، ووجبت محبتي للمتزاورين فيّ، ووجبت محبتي للمتباذلين فيّ، ووجبت محبتي للمتجالسين فيّ». وهكذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة»، وحديث الملائكة الذين تحضرهم، تحفهم ويذكرهم الله عز وجل في ملأ خير من ملائهم، «وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم». وبادئ ذي بدء، أشكر إخواني الذين تفضلوا بمثل هذه المحاضرة ونسقوها وأعانوا عليها، فجزاهم الله خيرًا. كما نشكر إخواننا الذين قدموا من مركز دار الحديث بالشحر، ومن بلاد زغفة، ومن غيرها من الأماكن، رغبة وحبًا في الله سبحانه وتعالى، فحياهم الله، وأهلًا وسهلًا بهم في مركز أهل السنة بتبالة. هذا المركز الذي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق القائمين عليه لكل خير، وأن يجعلها دارًا عامرة بالسنة، ويجعلها كذلك دارًا عامرة بالعلم، يستفيد منها القادم إليها بحول الله وقوته. وكما نعلم أن القائمة حاليًا على هذا المركز أخونا الفاضل أبو يوسف الغيل حفظه الله تعالى، نسأل الله عز وجل أن يوفقه للقيام بهذا الأمر الذي كلف به، وحق لنا وعلينا أن نعينه على هذا الأمر بالحضور للدروس التي يلقيها في هذه الدار، وهو غني عن التعريف، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. وحديثنا معكم أيها الإخوة في الله، كما أشار إليه أخونا الفاضل في المقدمة، عن أهمية العلم والعلماء. فكلنا يعلم مما هو معلوم في الشريعة، في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فضل العلم وفضل العلماء، والآيات الدالة على هذا في كتاب الله كثيرة، منها ما هو عام ومنها ما هو خاص. فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، ومنها قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ومنها قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ومنها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وأولو الأمر يشمل الأمراء والعلماء. ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فالآيات كثيرة في ثناء الله جل وعلا على أهل العلم. وأما أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فهي كثيرة كذلك، منها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في المتفق عليه من حديث معاوية: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، وجاء أيضًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما خارج الصحيح. ومنها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «نضّر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، رواه أحمد، حديث زيد بن ثابت. وهكذا منها قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا»، وذكر في هذا الحديث أن الأرض التي تنتفع بالماء، والأرض التي يستقي منها الناس فينتفعون منها من ثمرها إذا زُرعت، هي مثل من فقه في دين الله، مثل من فقه في دين الله فنفعه الله بما بعث به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا شك أن العلماء يدخلون في هذه الأحاديث دخولًا أوليًا، فهم المبلغون عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهم ورثوا العلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الدرداء عند أبي داود والترمذي وأحمد وغيرهم، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». هذه مزية العلماء في الأمة، أنهم يرثون الميراث العظيم، ليس مالًا وإنما علمًا، يأخذونه صافيًا نقيًا من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلفًا عن سلف، لأن هذا العلم يؤخذ بالتلقي، فطلبة العلم يجلسون عند العلماء، والعلماء قد كانوا طلبة علم، فأخذوا هذا العلم من علمائهم ومشايخهم، سلسلة متواصلة. ولهذا ينبغي على كل طالب علم، وعلى كل سني، بل وعلى كل مسلم، أن يعرف منزلة العلماء، ويعرف كذلك من هم العلماء، من هم العلماء الذين يقال فيهم علماء، وما هي مكانتهم، وماذا يجب عليه تجاههم. هذا ينبغي أن يعلمه الناس، لأن هذه الآيات بعضها فيها وجوب الرجوع إليهم، وفيها احترام أقوالهم، وفيها كذلك توقير هؤلاء العلماء. وهكذا أيضًا ما جاء في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحديث: ما هو واجبنا تجاه علمائنا؟ ينبغي أولًا أن نعرف من هم العلماء الذين يقال: هؤلاء علماء. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين، فقال عن العلماء: «هم فقهاء الإسلام، والذين دارت عليهم الفتيا بين الأنام، والذين عنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، والذين جلسوا وخلصوا لاستنباط الأحكام». هذا ضابط ذكره رحمه الله تعالى لنعرف من هم العلماء حقًا. فليس كل من تزيى بزي وطلع في قنوات، أو جلس لمحاضرات، قيل إنه من العلماء. بل هناك ضابط: من هم العلماء؟ هم فقهاء الإسلام، دارت عليهم الفتيا بين الأنام، عنوا يعني لهم عناية بضبط قواعد الحلال والحرام، إذا جئت تسأله عن الحلال والحرام أفتاك به. وهكذا أيضًا جلسوا وخلصوا أنفسهم لاستنباط الأحكام، فهم أهل جهد وأهل بذل، يجهدون أنفسهم، ويبدلون أوقاتهم السمينة كلها لأجل الاستنباط، استنباط الأحكام من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالعلماء هم هكذا، الذين ينبغي أن نعرف من هم العلماء. العلماء أهل خشية كما وصفهم الله عز وجل، العلماء أهل ورع، العلماء أهل تقى، العلماء وصفهم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنهم قائمون على هذا الدين، على أمر الله، يتحملون، لا يضرهم من خالفهم، لا يضرهم من خذلهم، ولو كانوا ما كانوا، حتى لو اجتمعت الأمة عليهم. العلماء كما بينهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله في حديث معاوية المتفق عليه، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». ذكر هذا الإمام البخاري رحمه الله تعالى فقال: هم أهل العلم. البخاري خص هذه الطائفة التي تقوم بأمر الله عز وجل بالفتيا بأمر الحلال والحرام، هم أهل العلم. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم». قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أراد الإمام أحمد بأهل الحديث أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد معتقد أهل الحديث. قال: إنه يرحمه الله تعالى، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونوا متفرقين في أجناس الأمة. قال: فمنهم المجاهد المقاتل، ومنهم الزاهد، ومنهم المحدث، ومنهم الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وهكذا أيضًا غيرهم من أهل الخير في هذا الحديث. فلا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض. وإن لم يكن أهل العلم يقومون بمثل هذا الأمر العظيم من الأمر بالمعروف ومن النهي عن المنكر، فالعلماء هم العباد، والعلماء هم الزهاد، والعلماء هم المجاهدون، فالأوصاف تجتمع في أهل العلم، الأوصاف تجتمع في أهل العلم. لكن هذا الحديث عام، هذا الحديث عام، وأهل العلم يدخلون فيه دخولًا أوليًا: «لا تزال طائفة من أمتي»، فأهل السنة والجماعة الذين يقومون بأمر الله عز وجل يدخلون في هذا الحديث العظيم. كيف نعرف العلماء؟ نعرف العلماء بالرسوخ في العلم. الرسوخ في العلم لا يأتي بيوم أو يومين، أو شهر أو شهرين، أو سنة أو سنتين، بل مع المخادمة. الشخص لما يجلس في حلقات الذكر عند العلماء، ويدون ويكتب، ويرحل ويستمع، يأتي عنده الرسوخ في العلم. فالراسخون في العلم الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى أنها لا تدخلهم الشبه، ولا يدخلهم الزيغ ولا الانحراف، على ثبات من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في مفتاح دار السعادة، وصف الراسخين في العلم، قال: «والراسخ في العلم لو عرضت عليه الشبه بعدد موج البحر ما أزالت يقينه، ولا قدحت فيه شكًا، ولا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردها، ردها حرس العلم، ردها حرس العلم وجيشه مغلوبة». انظروا عباد الله في هذا الوصف للراسخين في العلم، كم تأتي من فتن، كم تأتي من شبه، لدى كثير من الناس، من الذي يعلمها ويبينها ويفندها؟ الراسخون في العلم. ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى وهو يبين منزلة أهل العلم، لنعرف من هم أهل العلم: «إن الفتنة إذا أقبلت عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل». يعني: قالوا هذه فتنة قد أدبرت، بينّها من؟ بينّها العلماء. علموا أن هذه فتنة فحذروا الناس منها. ولهذا العام ما يعلمون مقاصد الشريعة، ما يعلمون المصالح والمفاسد التي تترتب من الدخول في الفتن، ما يميزها إلا العالمون. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. أهل العلم، أهل الرسوخ، هم الذين يعرفون هذه الفتن، وهذه الفتن لا تؤثر فيهم، ما تزيل اليقين الذي عندهم، ولا تقدح أبدًا فيهم، فما تحدث لهم شكًا في قلوبهم، ككثير من الناس التي لما تأتي الفتن العظيمة، فتن الهرج والمرج، فإنهم يضطربون، ولا يكونون على أمر مستقيم، ويبحثون عن الحلول، يبحثون عن المخارج، والمخارج موجودة لو رجعوا إلى علمائهم لوجدوها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾، أمر الأمن والخوف ينبغي على المؤمنين أن لا يذيعوا به، أي لا ينشروه، بل يصبروه ويتأنوا، لأنه ما زال في الأمة من يفند أمر الأمن والخوف. لكن الناس عندهم عجلة، الناس عندهم عجلة. ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يتأنى في أمور الفتن التي تحدث، فإن الفتن أمرها عظيم، وقد حذر منها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن المخرج منها موجود، والحل موجود عند من؟ عند طائفة الله عز وجل أمرنا بأن نلتمس الحل عندهم والرجوع إليهم، وهم العلماء. قال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فلهذا من ينجو في الفتن؟ الذي ينجو في الفتن الذي يكون مع أهل الرسوخ وأهل الاستنباط، العلماء. فإذا كان معهم نجا بإذن الله من هذا الأمر الذي يحصل بين الناس. الله سبحانه وتعالى أمرنا حال الفتن، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بأن نلزم جماعة المسلمين وإمامهم. وقد ذكر أهل العلم أن على رأس الجماعة المأمور أن تكون أيها المسلم حال الفتن بأن تكون معهم العلماء. بيّن العلماء في حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، كما في صحيح مسلم، لما كان يسأله عن الخير وعن الشر، ويأتي أولئك الأقوام الذين يضلون الناس بالشبه، ضلال على أبواب جهنم والعياذ بالله، ويتكلمون بألسنتنا، ولكنهم ضلال، يحرفون الناس عن الصراط المستقيم. فأمر النبي عليه الصلاة والسلام عند حصول هذا الأمر العظيم أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم، يلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قال: «إن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: يعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن يعض على أصل شجرة حتى يدركه الموت». وعلى ذلك، وانظروا إلى تفسير السلف للجماعة، فقد فسروها بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم إذا كان لهم إمام شرعي، وفسروها كذلك أيضًا بلزوم الحق، بلزوم الهدى والمنهج الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة. لما سئل ابن المبارك رحمه الله تعالى: من الجماعة؟ قال: أبو بكر وعمر، وذكر من أجنة الصحابة. وهكذا ما زالوا يسألونه عن الجماعة، يقول لهم: فلان وفلان من الأموات، يذكر لهم أناسًا قد ماتوا على السنة، على الخير، على الاستقامة. قالوا: هؤلاء موتى، فمن الأحياء من هو الجماعة؟ قال: أبو حمزة السكري، جماعة. يعني كما قال ابن مسعود: «والجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك». قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، فإبراهيم كان أمة عليه السلام. وهكذا أيضًا من يتمسك بالحق في زمن الفتن هذا يكون مع الجماعة، يكون مع الجماعة. وأهل العلم، العلماء هم أحق بهذا الوصف، إذا وصفنا الجماعة بأنها أناس ثابتون، فقهاء، علماء، يعرفون المخارج لهذه الأمة. فلهذا أمرنا بلزوم غرزهم حتى لا نضل، حتى لا نضل. فالأمة محتاجة إلى العلماء، محتاجة إلى العلماء، وينبغي على الناس أن يفرقوا بين ثلاث طوائف. بعض الناس يشتبه عليه الأمر، فلا يفرق بين العلماء ومن هم العلماء، فيستبه عليه الأمر، ويظن أن كل من قال: قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من العلماء. نقول له: لا، ينبغي أن تفرق بين العلماء وبين غيرهم، بما أخبر به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبما كان عليه السلف. فهناك ثلاث طوائف، أو ثلاث من الناس، يظهرون للناس أنهم علماء، وينتشرون بين ألوان الأمة: الطائفة الأولى: القراء. الطائفة الثانية: من يسمى بالمفكرين والمثقفين. والطائفة الثالثة: هم الخطباء القصاص. هذه ثلاث طوائف ربما ظن الظان أنهم علماء، فيراح يستفتيهم في أمور الحلال والحرام، أو أمور الفتن المدلهمة. وهذا خطأ. بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الطائفة الأولى، وهم طائفة القراء، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما عند الطبراني والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «يأتي على الناس زمان يكثر فيه القراء، ويقل الفقهاء، ويقبض العلم، ويكثر الهرج». لو نظرت في هذا الحديث العظيم عن النبي صلى الله عليه وسلم لوجدت مصداق ذلك في زماننا هذا. انظر إلى كثرة القراء، من هم القراء المراد بهم؟ أهل العلم فسروهم على طائفتين: إما أن يراد بالقراء الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ولا ينزل إلى قلوبهم، بمعنى يستكثرون من القراءة، ربما حفظوا، لكن ما عندهم فقه. فكيف يقال على هذا شيء؟ يقال على هذا عالم؟ فضلاً يقال عليه عالم؟ الآن الشيخ الفلاني، القارئ الفلاني، الشيخ القارئ الفلاني، هم قراء. ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج بأنهم قراء، يقرؤون القرآن، تحقرون قراءتكم إلى قراءتهم، وصلاتكم إلى صلاتهم، لكن بين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا القرآن الذي معهم لا يجاوز حناجرهم، لا يجاوز الحنجرة، بمعنى لا يضطجع إلى القلب، يقرؤون لكن ما يفقهون، ولو فقهوا القرآن لم يعنوا أولاً عن تفكيك الدماء، فلماذا أخذوا الشبه من هذا الكتاب العزيز وراحوا يطبقونه على الأمة؟ فانظر تفسير القراء، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «سيأتي زمان»، لكن هذا الزمان يكثر فيه القراء، ينتشرون انتشارًا كبيرًا، ويقل فيه الفقهاء، الفقهاء هم العلماء الذين يعلمون الحلال والحرام، يستنبطون الأحكام. قالوا: حولان، فقي، إذا جئت تسأله بالمسألة أتاك بالدليل من الكتاب والسنة. ويقبض العلم. قال الشيخ حمود التويجري رحمه الله: والمراد والله أعلم بالقراء، طبعًا هذا الصنف الثاني هم الذين يجيدون القراءة ويقرؤون ما يكتب لهم، هذا المحمل الثاني على أن المراد بالقراء هم الذين يعرفون يقرأون الكتاب، وليس معناه قارئ القرآن. قال: «وقد ظهر مصداق هذا الحديث في زماننا هذا، فقل الفقهاء العالمون بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكثر القراء من الصغار والكبار والرجال والنساء». قال: «وسبب ذلك كثرة المدارس وانتشارها، الآن كما يقال محو الأمية موجود، ولا ما هو موجود؟ موجود، حتى الكبار الشيبان الآن صاروا يعرفون القراءة، قد يكون هذا أحد تفسير الحديث: يأتي على الناس زمان يكثر فيه القراء، وهم الذين يجيدون القراءة ويقرؤون ما يكتب لهم». هذا على أحد التفسيرين، التفسير الآخر وهو الأول، وهو الموافق للحديث والأقرب والله أعلم، أنه يكثر فيه أناس يسارعون في القراءة لأجل المادة، أو لأجل الانحراف به عن الطريق المستقيم، ولا يقيمونه، يتعجلون قراءته، كما بين النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخر أنهم يتعجلون أجر هذا القرآن، فيقال: فلان قارئ، لأجل أن يأخذ بتلك القراءة منصبًا، أو يأخذ بتلك القراءة أجرًا. وقد جاء هذا المعنى الحق في حديث رواه عبد الرزاق في مصنفه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «قدم رجل على عمر، قدم رجل على عمر، قال: فسأله عمر عن الناس، ولعل هذا الذي قدم قدم من العراق، فسأله عمر عن ماذا؟ عن الناس، كيف حال الناس؟ فقال هذا الرجل: إنهم يقرؤون القرآن، قد أوتوا من القراءة كذا وكذا، متسارعين». فقال ابن عباس، ابن عباس كان من أصحاب مجلس عمر، انظر إلى فقه ابن عباس، وقد جاء هذا في البخاري، كان أصحاب مجلس عمر الفقهاء والعلماء، وكان ابن عباس منهم، قال: «والله ما أحب أن يسارعوا في يومهم هذا في القرآن». هذه المسارعة، لو قيل هذا القول اليوم، كيف؟ ابن عباس ما يحب الناس أن يسارعوا في حفظ كتاب الله وفي قراءة القرآن؟ فقال ابن عباس، فزبرني عمر، وقال: «ما يعني؟ إيش هذا القول؟» وقال: «ما قال؟» فخرجت من عنده كئيبًا حزينًا، قال: «قد كنت أقول في نفسي»، فذهبت إلى منزلي فجلست، فقلت: «قد كنت عند هذا رجل بمكان، كنت عنده من المقربين، عنده بمكان، فالآن ما أدري». ثم قال: «فجلست في منزلي، وعادني بعض أهلي، وما بي وجع». تأثر ابن عباس من زبر عمر له، وقوله: «مه»، مع أن قوله هذا هو الحق الذي سيؤيده عمر بعد ذلك. قال: «فبينا أنا كذلك كئيب حزين مهموم، رضي الله عنه وأرضاه، لماذا رد عمر قوله؟» قال: «فإذا مناد ينادي: أجب أمير المؤمنين». قال: «فخرجت، قمت نشيطًا، فخرجت مسرعًا، فإذا هو ينتظرني عند الباب». عمر جاء بنفسه إلى بيت ابن عباس، فقال له: «ماذا كرهت من قول الرجل آنفًا؟» فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت فأستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت». أول تقديم الاعتذار، تقديم الاعتذار للعالم. ابن عباس يعلم من هو عمر، ومنزلة عمر، وأن هذا القول لن يخفى على عمر. فقال: «يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت فأستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت». فقال له عمر: «لتخبرني». قال: «يا أمير المؤمنين، إنهم متى ما يسارعوا يحتقوا، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا». انظر إلى الفقه العظيم: «ما أحب أن يسارعوا في هذا اليوم هذه المسارعة، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا». فقال له عمر رضي الله عنه: «لله أبوك». طرح بهذا الفقه العظيم من هذا الشاب. عمر كان كهلًا كبيرًا في السن، ابن عباس كان صغيرًا شابًا، لكنه من حيث علم، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم علمه التأويل وفقه في الكتاب». فقال: «لله أبوك، والله لقد كنت أكتمها عن الناس حتى جئت بها». لقد كنت أكتمها عن الناس حتى جئت بها. ليبين خطر المتسارعين في القراءة دون الفهم. وقد كانت صحابة رضي الله تعالى عنهم قد كانوا يتعلمون عشر آيات من القرآن العظيم، فيفهمونها ويفقهونها ويعملون بها، فازدادوا إيمانًا بالعلم الذي تعلموه من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذه الطائفة الأولى، طائفة القراء، فاحذر أن تجعلهم علماء. وإنما العلماء من قد سمعت. الطائفة الثانية: هم المثقفون، من عندهم نتف، يعني ثقافة عامة كما يقال، وربما قيل له: مفكر إسلامي، فوصل به بعض الناس إلى أن يصير عندهم عالمًا مفتيا، يفتي في أمور الفتن والأمور التي تحل بالأمة. هذه الطائفة يكثر كلامهم، وتراهم ينزلون حيثما تعلمون، إما في قنوات، وينزلون هكذا في غيرها، فكلامهم أكثر، كما يقال: ماذا وجدالهم وخطامهم أكثر من علمهم. ولهذا ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه العظيم «فضل السلف على الخلف»، «فضل علم السلف على الخلف»، أمثال هذه الطائفة الذين يكثر منهم الكلام، قال: «وقد فتن كثير من المتأخرين»، ابن رجب في القرن الثامن تقريبًا، ما بين السابع والثامن، يعني يأتي ابن رجب يقول: المتأخرين، طيب نحن بعد ابن رجب بكم؟ سبعمائة سنة، فماذا نقول؟ انظر إلى كلام هذا الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى، قال: «وقد فتن بعض المتأخرين بهذا، فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين أنه أعلم ممن لم يكن كذلك». العلماء ميز كلامهم، ستراه كلامًا رصينًا، كلامًا قليلًا، أفعالهم وأعمالهم أكثر من أقوالهم. فبين رحمه الله تعالى أن الناس يفتنون بهؤلاء المكثرين، وهؤلاء المتكلمين الذين يسمون مثقفين أو مفكرين. فقال: «وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين أنه أعلم ممن لم يكن كذلك، وهذا خطأ محض». يقول رحمه الله تعالى: «فانظروا إلى علماء السلف، انظروا إلى الصحابة، كأبي بكر وعمر وعلي وزيد بن ثابت ومعاذ وابن مسعود»، ذكر طائفة من علماء الصحابة وهم القمة، كيف كانوا؟ كيف كان كلامهم؟ قال: «كان كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وهم أعلم منه، وهم أعلم منه». كلام هؤلاء السلف الذين ذكروا، كلامهم قليل، يعني لو فتشت في كتب السنة، لو وجدت كلام ابن عباس أكثر من كلام أبي بكر في الفتيا، وهكذا أكثر من كلام عمر، وهكذا أكثر من كلام غيره، مع ذلك قال ابن رجب: «وهم أعلم منه». وهكذا التابعون، كلامهم أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، وأتباع التابعين، كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم. قال: «فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة الكلام». ما هو العلم؟ كثرة الكلام وكثرة الرواية؟ وإنما العلم نور يقذفه الله في القلب، يميز به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل. العلم نور. ولو كان في قلبك علم قليل، لكن هذا العلم الذي يقذفه الله عز وجل في قلب هذا العبد يجعله يأتي بعبارات مختصرة، وكلام وجيز، تدل على المقصود. كما قال رحمه الله: «سلام التلف الصالح من الصحابة رضي الله تعالى عليهم، سلام قليل، عبارات وجيزة، حكم مستقاة من مشكاة النبوة، لأنهم تتلمذوا على يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فهذه الطائفة الثانية. الطائفة الثالثة: هو الخطباء الذين يقصون في المنابر. فاحذر أن تجعل خطيبًا بمجرد فطاحته أنه مثل العلماء. قد العالم ما يكون مثل ذلك. الخطيب يأتي واحد عنده خطابة، ما شاء الله تبارك الله، وعالم من العلماء ما يجيد الخطابة، ما عنده فطاحة، لكن إذا جلست إلى العالم تعرف أنه عالم. فليس الأمر بمجرد أن هذا يهز المنابر بالخطابة. ولهذا قال ابن مسعود رحمه الله تعالى يصف الوقت الذي كانوا فيه وأنه أفضل من الوقت الذي سيأتي بعد، قال: «إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي عليكم زمان قليل علماؤه، كثير خطباؤه». فيا سبحان الله، يتكلمون الصحابة رضي الله تعالى عنهم، يتكلمون بكلام أنت الآن تراه واقعًا، خرج هذا الكلام من الصحابة مما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم والتبين، وهمية العلم: «أنتم في خير إذا كان فيكم العلماء»، في زمان علماء كثير، لكن الخطباء قليل. وقد كانوا أيضًا في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خطباء، وهم الذين يقومون فيه بأمر الله سبحانه وتعالى، فيفقهون الناس، كما ذكر ذلك ابن الجوزي رحمه الله تعالى في «تلبيس إبليس»، ذكر أن الخطباء في ذلك الزمن كانوا هم الصحابة والعلماء والفقهاء. وبعد ذلك جاءوا بفترة من الزمان، الناس أعرضوا عن هذا الأمر، لأنه تصدر للخطابة الجهال، فصاروا هم الذين يخطبون، فلما صاروا يخطبون، المميزون والعارفون لا يلقون للقصاص بالًا، بعكس ما كان في الزمن الأول. إذا قام قاص في زمن الصحابة كان من الفقهاء، جلس له الصحابة، فكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يجلس لعبد بن عمير، وهو تابعي فقيه جليل، عنده علم غزير، يجلسون لمثل هؤلاء الخطباء. لكن لما طارت بضاعة هذا الأمر، كثر من الجهال، ما طار يجلس لهؤلاء إلا عوام الناس والنساء، ما طار يجلس، كما قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «هذه بضاعتهم، يجلسون لهؤلاء ويستمعون لهم، أما الناس المدركون والناس المميزون فيجلسون لأهل العلم الذين يقولون: قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال الصحابة، قال السلف، قال التابعون، قال فلان وفلان من العلماء». فهؤلاء لا يجلس لهم إلا المميزون الذين يعرفون الكلام. فهذه ثلاث، ثلاث طوائف، ينبغي علينا أن لا نجعلها كالعلماء أبدًا، لأن العلماء من قد سمعتم وصفهم. فإذا علم الإنسان من هم العلماء، وعرف العلماء، فماذا ينبغي عليه أن يفعل تجاه العلماء؟ الأمر الأول: أن يواليهم، يوالي العلماء، وأن يحب العلماء. الآيات الدالة على الموالاة للمؤمنين في كتاب الله عز وجل معلومة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. فأحقى بالموالاة من المؤمنين العلماء، فيواليهم في الله سبحانه وتعالى، ويحبهم محبة شرعية، لا غلو، لا ينصبهم، ويوالي ويعادي عليهم الناس. وإنما الذي يوالى ويعادى عليه هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإنما يوالي الحق الذي نطقوا به، فيكون معهم على الحق الذي نطقوا به. فإذا نطق العالم بالحق كنت معه، ولكن لا توالي وتعادي عليه، تنصبه. وهناك وصية عامة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لأتباع رجل يقال له عدي بن مسافر، في كتاب اسمه «الوصية الكبرى» وكتاب اسمه «الوصية الصغرى»، نصح به أتباع هذا الرجل، أتباع عدي بن مسافر، قوم اغتروا بهذا الرجل، فصار يوالون ويعادون عليه، من يحبه، من يكرمه، من يجيء عنده، هذا هو المقدر، وهذا الذي يوالى، وهذا الذي يحب. فلا يجوز لأحد أن ينصب شخصًا يوالي ويعادي عليه، وإنما توالي أهل العلم والإيمان بما كان معهم من الحق، وبما نطقوا من الحق، لكن لا تجعل بقية المؤمنين خصماءك، فتهجرهم لأنهم لم يقبلوا قول هذا العالم، ولم يأخذوا به. فالعالم هذا يصيب ويخطئ، يصيب ويخطئ، ويجهل ويعلم. وشيخنا مقبل رحمه الله تعالى كان كثيرًا ما يردد هذا، من نحن؟ يقول: «من نحن؟ رحمه الله تعالى، نحن ضعفاء بشر ضعفاء مساكين، من نحن؟ نصيب ونخطئ، نجهل ونعلم». فلهذا ينبغي على المسلم أن يحب العلماء، وأن يواليهم في الحق، وما نطقوا به من الحق، وما كانوا عليه من الحق. وهكذا أيضًا أن يجلهم وأن يوقرهم، تعظيمًا لهم، لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمرنا باحترامهم. جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، إكرام ذي الشيبة المسلم، والحامل للقرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط». رواه أبو داود. وهكذا جاء في حديث ابن عباس، وهو أيضًا من حديث أنس وعبد الله بن عمر، ابن الغاط، عند أحمد والترمذي وابن ماجة وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويعرف لعالمنا حقه». الحديث صحيح. فابن عباس قام بهذا الأمر العظيم، ألا وهو ماذا؟ وهو احترام العلماء وتوقير العلماء. فكان رضي الله عنه وأرضاه، لما يرى زيد بن ثابت يأخذ الركاب، ويضع الركاب على الدابة، فيقول: «عنك، لماذا تفعل هذا؟» يقول له: «هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نجل علماءنا». زيد بن ثابت أكبر فينا من ابن عباس، وهو من العلماء، فابن عباس يجله ويوقره، يأخذ له الركاب ويضعه على الدابة، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجل علماءنا. يجلس على أبواب المهاجرين والأنصار حتى تسفه الريح، فيخرج إليه ابن عم رسول الله، ألا أذنت لي حتى آتيك؟ فيقول له: «لا، العلم يؤتى إليه، العلم يؤتى إليه»، إجلالًا لهذا الذي يحمل العلم. وهكذا أيضًا ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه يجل ويوقر العلماء حيثما كانوا، يقول: «عندي مسألة في نفس، سنتين هبت أن أسأل فيها عمر، سنتين في نفس، تحاق سنتين»، ثم بين بعد ذلك سؤال في البخاري، ما هي المسألة التي تحاق في صدره؟ لكن إجلالًا لعمر، ما كان رضي الله تعالى عنهم يسأله، فيوقر العلماء. يقول طاوس رحمه الله تعالى: «إن من السنة إجلال أربعة». من السنة أن نجل أربعة، أمرنا في الشرع أن نجل لهم، من هم الأربعة؟ ذو الشيبة، الرجل الكبير، والعالم، وذو السلطان، والرابع من هو؟ من يأتي به؟ فله جرهم، أحسنت، بارك الله فيك، الأب. قال: «والرابع الوالد». الوالد. حول، حولي أربعة، أمرنا بإجلالهم. فانظروا رحمكم الله كيف يأمرنا شرعنا بإجلال العلماء واحترامهم وتوقيرهم، والقصص في هذا كثيرة. مسلم لما جاءه الإمام البخاري زاره، أخذ الإمام البخاري وقبله بين عينيه، قبله بين عينيه، يعني براش، قال: «دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، ويا