الخطبة بعنوان بالعمل الصالح سعادة الدارين، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 6 ذو الحجة 1442هـ الموافق 16 يوليو 2021م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُشدد على أهمية الأعمال الصالحة في العشر من ذي الحجة وتأثيرها على السعادة في الدنيا والآخرة. تُحب هذه الأعمال إلى الله أكثر من غيرها من الأيام.
يبشر الله عباده المؤمنين الصالحين بجنات النعيم ويحث على العمل الصالح. يصف نعيم الجنة وأزواجها المطهرة ويحذر من التفريط في طاعة الله.
يصف ندم المجرمين يوم القيامة وتمنيهم العودة للدنيا ليعملوا صالحا. يحذر من تضييع الفرص في الحياة الدنيا لتحصيل الأعمال الصالحة.
يتضمن دعاء للتوفيق للطاعة وفعل الصالحات وإصلاح الدين والدنيا والآخرة. يشمل الثناء على الله وحمده والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا نتقلب في هذه الأيام في موسم عظيم من مواسم الخير والبر، وموسم من مواسم الطاعات والقربات، ألا وهي أيام العشر من ذي الحجة، هذه الأيام المباركة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء»، رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما. هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الأعمال الصالحة في هذه الأيام أحب إلى الله جل وعلا من غيرها من الأيام، فالأعمال الصالحة أيها المسلم هي زاد العبد في هذه الدار التي يتزود بها إلى الدار الآخرة، الأعمال الصالحة بها سعادة العبد في الدارين، في الدنيا وفي الآخرة. يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾، هكذا أخبر ربنا جل وعلا أن من عمل صالحا أي في هذه الدنيا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن مؤمن بالله جل وعلا مصدق حق التصديق بما أمر الله جل وعلا بالإيمان به، فلنحيينه حياة طيبة أي في هذه الدنيا يعيش حياة طيبة حياة سعيدة. إنها حياة الإيمان، إنها حياة الأعمال الصالحة، إنها حياة القرآن وحياة الصلاة وغير ذلك من الطاعات والقربات التي بها يزداد العبد إيمانا ويزداد العبد طمأنينة وانشراحا، كما قال بعض السلف: «إنها لتمر علينا ساعات نقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي نعيم مقيم»، أي إن كانوا يجدون مثل هذه الراحة ومثل هذه الطمأنينة ومثل هذه السعادة فإنهم ليعيشون في نعيم عظيم. نعم، عباد الله، إنها جنة الدنيا، هي طاعة الله جل وعلا بالأعمال الصالحة، ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، إن في الدنيا جنة أي لذة ونعيم يجدها المؤمن بطاعة ربه جل وعلا، إن لم يجدها ولم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. فإذا أردت أيها المسلم الحياة الطيبة والحياة السعيدة فإنها بالأعمال الصالحة مع ما يدخل الله جل وعلا لك في آخراك من الأجر العظيم والثواب الجزيل، ﴿فنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾. نعم، عباد الله، إن الإيمان والعمل الصالح سبب عظيم للنجاة من الخسارة التي كتبها الله عز وجل على كل إنسان في هذه الحياة، قال ربنا عز وجل: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾، فمن لم يكن من أهل الإيمان ومن أهل الأعمال الصالحة فهو من الخاسرين في الدنيا والآخرة. ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين﴾، الإيمان والعمل الصالح أيها العبد هو سبب عظيم لأن يجعل الله عز وجل لك محبة في قلوب العباد، قال ربنا جل وعلا: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾، أي ودا ومحبة في قلوب الخلق. لأن الله عز وجل إذا أحب عبدا نادى جبريل: «إني أحب فلانا فأحبه»، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: «إن الله يحب فلانا فأحبه»، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. الإيمان والعمل الصالح عباد الله بها ينال المسلم الفوز بجنات النعيم، والفوز بجنات عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رات ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله جل وعلا: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا﴾. وقال سبحانه: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا﴾، ويقول عز وجل: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون﴾. اسمع أيها المؤمن إلى هذه البشارة العظيمة التي يبشر الله بها عباده المؤمنين وعباده الصالحين الذين أقبلوا عليه في هذه الدنيا بالأعمال الصالحات وبالطاعات والقربات، ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات﴾، ليست جنة واحدة، بل هي جنات متعددة. نعم، عباد الله، إنها جنات، والجنة والجنة هي البستان كالذي كثرت أشجاره وكثرت ثماره، فإذا دخل فيه العبد اختفى فلم يرى من كثرة ما فيه من البساتين، ﴿أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، كما قال الله عز وجل: ﴿أنهار من ماء غير آس وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم﴾. نعم، عباد الله، تجري من تحتها الأنهار، كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا: «هذا الذي رزقنا من قبل»، وأتوا به متشابها، أي أن الثمار يشبه بعضها بعضا، فلما يرزقون ثمرة من الثمار يقولون: «قد رزقنا مثلها من قبل»، وهي غيرها، ويختلف طعمها، وإنما الشبه لربما في شكلها فقط، وأما في الطعم واللذة فإنه شيء آخر. قال الله جل وعلا: ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾، أزواج مطهرة هن الحور العين التي خلقهن الله جل وعلا لأهل الجنة، مطهرات من أقدار الدنيا، مطهرات من الحيض ومطهرات من النفاس ومطهرات من البول والغائط ومطهرات من العرق وغير ذلك من أقدار الدنيا، مطهرات في الظاهر ومطهرات في الباطن. فهن قد كملن في خلقهن وفي أخلاقهن وفي حسنهن وجمالهن وفي باطنهن وظاهرهن مطهرات، ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون﴾، ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾، أي ضيافة وإكرام من الله جل وعلا، كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا، لا يبغون عنها تحولا ولا يبغون عنها تبدلا لما يرون من نعيم الله جل وعلا ومن عظيم ما أنعم الله جل وعلا به عليهم. وهكذا آيات كثيرة، معاشر المسلمين، فيها إخبار الله جل وعلا بما لأهل الأعمال الصالحة من الفوز بجنات النعيم، إن العمل الصالح أيها المسلم هو الزاد الذي ترحل به من هذه الدنيا وتزودوا، فإن خير الزاد التقوى، ويقول الله جل وعلا: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾، قال ابن عباس: «هي الأعمال الصالحة»، هي الأعمال الصالحة خير ما لبس العبد في هذه الدنيا أن يتلبس بالأعمال الصالحة. نعم، عباد الله، تزود للذي لا بد منه، فإن الموت ميقات العباد، وتم مما جنيت وأنت حي، وكن متنبها قبل الرقادي، ستندم إن رحلت بغير سعي، وتشقى إذ يناديك المنادي، أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد؟ إن العبد في هذه الدنيا ينتقل منها ينتقل منها بأعماله التي عملها، لا تلحقه أولاده ولا تلحقه أمواله ولا تلحقه دوره وقصوره، جاء في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله»، فعملك هو الذي يصاحبك وعملك هو الذي يقارنك وعملك هو الذي يرحل معك من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة. فإن كانت أعمالك صالحة فهنيئا لك، وإن كانت أعمالك سيئة فلا تلومن إلا نفسك، نعم، عباء الله، النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السعادة فيها ترك ما فيها، لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها، فإن بناها بخير طاب مسكنه، وإن بناها بشر خاب بانيها. عباد الله، إن العبد في هذه الدنيا إذا نزل به الموت وكان مفرطا في الأعمال الصالحة ومفرطا في طاعة الله ومفرطا في الطاعات والقربات يندم ندما شديدا ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا حتى يتزود من الأعمال الصالحة، كما قال ربنا جل وعلا عن هؤلاء المفرطين: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت﴾، أي فيما فرطت وفيما ضيعت. ألا كان ذلك قبل أن ينزل بك الموت، ألا كان ذلك في وقت صحتك وفي وقت شبابك وفي وقت قوتك، أما أنها غلبت عليك الشهوات وغلبت عليك ملذات الدنيا الفانية فشغلتك عن طاعة الله جل وعلا حتى إذا حيل بينك وبين الأعمال بنزول الموت ونزول هادم اللذات تمنيت أن ترجع إلى الدنيا حتى تعمل من الصالحات، فأنا لك ذلك، ﴿كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله، إنه الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن المفرط في هذه الدنيا وفي هذه الحياة من استغلالها بالأعمال الصالحة التي بها سعادته في الدنيا والآخرة يندم ندما عظيما في سائر أحواله وفي سائر تنقلاته إلى الدار الآخرة، فيندم عند الموت، ويندم إذا نزل في قبره، ويندم إذا لقي ربه، ويندم إذا كان مصيره إلى النار والجحيم. يقول ربنا عز وجل مخبرا عن حال هؤلاء المضيعين المفرطين كيف يندمون ندما عظيما يوم أن يقفون بين يدي الله جل وعلا، ففي حديث عدي بن حاتم في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ليس من أحد منكم إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه، فينظر أيمن من فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم من فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة». قال الله جل وعلا: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون﴾، هكذا عباد الله، أخبر الله جل وعلا عن هؤلاء المفرطين إذا وقفوا بين يدي الله جل وعلا، وما من عبد إلا وهو سوف يقف بين يدي ربه، ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آت الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾. ﴿ولو ترى إذ المجرمون﴾، هكذا سماهم الله جل وعلا بالمجرمين، الذين ضيعوا فرائض الله والذين ضيعوا أواجبات الله والذين ارتكبوا ما حرم الله جل وعلا والذين عصوا ربهم ولم يبالوا بمراقبة الله جل وعلا لهم، الذين قدموا شهوات الدنيا على طاعة الله جل وعلا. ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم﴾، من الذلة ومن الخزي والعار، ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا﴾، أبصرنا وسمعنا بينما كانوا في الدنيا يبصرون بأعينهم ولكنهم كانوا في عمى عن إبصار الحق، وكانوا يسمعون بآذانهم ولكنهم في صمم عن سماع الحق والهدى. وهاهم يوم القيامة لما رأوا وعاينوا ما أخبر الله جل وعلا به وأخبر به رسله عليهم الصلاة والسلام، رأوا ذلك عيانا بأعينهم وسمعوا ما أخبر الله جل وعلا به، فتمنوا حينئذ أن يصلحوا ما أفسدوا وأن يصلحوا ما فرطوا فيه، ﴿ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون﴾، أيقنا بلقاء الله وإيقنا بعذاب الله وإيقنا بأن الجنة حق وأن النار حق. لكن أن لهم أن يتداركوا ما قد فات وانتهى، ﴿إنا موقنون ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون﴾، هذا هو جزاء هؤلاء المفرطين وهؤلاء المضيعين. بل كذلك أيضا إذا سيق بهم إلى النار عياذا بالله وتقلبوا في نار جهنم وتعذبوا فيها، وأكلت النار أجسادهم واحترقت من شدة حرارتها، وهم في تلك الحال وفي ذلك المآل يسألون الله جل وعلا أن يرجعوا إلى الدنيا ليتزودوا من الأعمال الصالحة. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من يتذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير﴾. انظروا عباد الله وهم يصطرخون ويبكون ويصيحون من شدة عذاب النار يطلبون من الله أن يرجعوا إلى الدنيا وأن يعملوا الصالحات، فكان الجواب: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من يتذكر﴾، ألم تعمروا السنين العديدة والأعوام الكثيرة ما كان لكم أن تتعظوا فيها وأن تعتبروا وأن ترجعوا إلى ربكم وأن تتوبوا وأن تقلعوا عن الذنوب والخطايا وأن تقبلوا على الطاعات وفعل القربات؟ ﴿وجاءكم النذير﴾، قيل: هو النبي عليه الصلاة والسلام الذي أنذر من عصى الله بعذاب الله جل وعلا، وأنذر من تكبر على الله جل وعلا بالنار والجحيم، وقيل: النذير هو الشيب الذي يظهر على شعر المرء شعر رأسه ولحيته فينذر بقرب موته وهلاكه، ﴿وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير﴾. فيا عباد الله، ينبغي للمسلم أن يستغل حياته وأن يستغل عمره وأن يستغل وجوده على ظهر هذه الحياة الدنيا، ويستغل مثل هذه المواسم المباركة التي تضاعف فيها الأجور وتكفر فيها الخطايا والسيئات، أن يتزود منها من الأعمال الصالحات التي ينتفع بها يوم أن يلقى ربه جل وعلا. ونحن في هذه الأيام المباركة العظيمة التي الأعمال الصالحة فيها أحب إلى الله جل وعلا من غيرها من الأيام، وبعد يومين نستقبل يوما عظيما من أيام العشر، ألا وهو يوم التاسع من ذي الحجة، يوم عرفة، الذي سئل فيه النبي عليه الصلاة والسلام عن صيامه، فقال: «أحتسب على الله أن يكفر ذنوب سنتين: سنة ماضية وسنة باقية»، كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه. فهذه أجور عظيمة وهذه أجور كبيرة، حري بك أيها المسلم أن تتنبه لها وأن تسابق في تحصيلها وأن تنافس في إدراكها وأن تفيق من غفلتك عن الاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة، وإلا فسوف تندم ندما لا ينفعك يوم القيامة. يا غافلا عن ما خلقت له، انتبه، جد الرحيل، فلست باليقظان، سار الرفاق وخلفوك مع الأولى، قنعوا بذي الحظ الخسيس الفاني، ونظرت إن نظرت من رأيت متخلفا فتبعتهم ورضيت بالحرمان، ولسوف تعلم حين ينكشف الغطاء ماذا صنعت وكنت ذا إمكان. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيننا جل وعلا على المسارعة في فعل الصالحات والإقبال عليها والتنافس فيها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم أصلح لنا دينا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.