كتاب النكاح من صحيح البخاري 69

كتاب النكاح من صحيح البخاري 69

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 69، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب الوليمة على بعض الزوجات أكثر من بعض وأقل من شاة

يتناول المقطع حديث أنس رضي الله عنه عن وليمة النبي صلى الله عليه وسلم على زينب بنت جشش بأنها كانت بشاة، وهي أكثر ما أولم على نسائه، مع بيان أن الإسراف نسبي حسب سعة المرء. ثم ينتقل إلى باب من أولم بأقل من شاة مع ذكر إسناد الحديث عن سفيان الثوري ومنصور بن صفية.

منصور بن صفية وحديث الوليمة بمدين من شعير

يتناول المقطع نسب منصور بن صفية وأمه صفية بنت شيبة من حجاب الكعبة، ويناقش خلاف العلماء في صحبتها حيث رجح ابن حجر أنها تابعية فحديثها مرسل. كما يوضح اختلاف روايات حديث الوليمة بمدين من شعير بين من وصله بعائشة ومن أرسله عن النبي مباشرة.

مشروعية تفاوت الولائم حسب التيسير المالي والنهي عن التكلف

أولم النبي صلى الله عليه وسلم على صفية بنت حيي بما تيسر من شعير وتمر وسمن، مما يدل على جواز اختلاف قدر الولائم بين الزوجات وفق القدرة المالية. كما يجوز الإطعام بغير اللحم إذا كان مكلفاً، وينهى عن التكلف في الولائم اتباعاً لنهي سلمان رضي الله عنه.

الختام والتفويض إلى الله تعالى

ينهي المتحدث الحديث مكتفياً بما ذُكر، مفوضاً العلم الكامل لله تعالى. ويختتم الدرس بالتأكيد على الرجوع إلى الله في كل الأمور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب من أولم على بعض نسائه أكثر من بعض. قال: حدثنا مسدد، وهو ابن مسرهد ابن حسن البصري، قال: حدثنا حماد ابن زيد عن ثابت، وهو ابن أسلم البناني البصري. وثابت من أحفظ من روى عن أنس، وكان من عباد أهل البصرة، كذلك قال: وكان يقول: روّضت نفسي على قيام الليل عشرين سنة حتى راضت. قال: ذكر تزويج زينب بنت جحش عند أنس، فقال: ما رأيت النبي عليه الصلاة والسلام أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة. أن هذا أكثر ما أولم عليه النبي عليه الصلاة والسلام شاة. وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يتكلف، كما تقدم معنا، ما كان يتكلف في الوليمة، فأكثر ما أولم على نسائه أولم بشاة. ومن عنده سعة وزاد في وليمته فلا بأس، وأيضا يدعو أكثر من ذلك، يدعو كثيرا من الناس من أصحابه، من أهله. وهنا يكون الإسراف نسبياً، فمن عنده المال والسعة في دعوة الناس فلا بأس بذلك، ومن لم يكن عنده إنما يكلف نفسه فهذا يعتبر إسرافاً. الإسراف أن يستعصل ما له كله لأجل الوليمة، أو يتدين وما عنده هذا الدين لأجل الوليمة. لهذا قال النبي... قال أنس رضي الله عنه: ما رأيت النبي عليه الصلاة والسلام أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة. وقد تقدمت فوائد هذا الحديث. ثم قال: باب من أولم بأقل من شاة. قال: حدثنا محمد بن يوسف، وهو الفريابي الحمصي، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري. وعرفنا أنه الثوري بمحمد بن يوسف الفريابي، فهو ممن لزم سفيان الثوري خمسة عشر سنة. وإذا روى عن ابن عيينة ميزه، يقول: حدثنا ابن عيينة، لكن أكثر روايته عن سفيان الثوري. قال: عن منصور بن صفية. ومنصور بن صفية هو منصور بن أبي الرجال، نسب إلى أمه صفية بنت شيبة. وصفية بنت شيبة هي بنت عثمان بن أبي طلحة العبدرية، وهم حجاب بيت الله الحرام. وعثمان بن أبي طلحة العبدرية قتل يوم أحد كافراً، قتله علي. وأبوها يعتبر صحابياً، أبوها من مسلمة الفتح. وأما صفية فقد اختلف في صحبتها، وهي بمعنى اختلف: هل هي صحابية أو لا؟ والظاهر أنها ليست صحابية، هذا الذي رجحه الحافظ ابن حجر وغيره، فحديثها مرسل. قال: عن منصور بن صفية عن أمه صفية بنت شيبة قالت: أولم النبي عليه الصلاة والسلام على بعض نسائه بمدين من شعير. وكأن الإمام البخاري يرجح أنها صحابية، أو أنه يرى أن هذا تلقته عن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، بمعنى تلقت هذا الكلام عن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا قد اختلف في هذا الحديث، فمن روايات الثوري أنهم ذكروا عائشة فيه، لكن ذكره بعض أصحاب الثوري كأبي أحمد الزبيري، ومؤمل بن إهاب، ويحيى بن جميل، ذكروا أن صفية روته عن عائشة. لكن حفاظ أصحاب الثوري كابن مهدي، ووكيع، وروح بن عبادة وغيرهم، رووا عن الثوري عن منصور عن أمه عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليس فيه عائشة، مثل ما ذكره النائل في رياض. ولهذا ذكره بعض أهل العلم على أن هذا الحديث مرسل. ومنصور كما قلنا يقال له ابن أبي الرجال، ويقال منصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن طلحة بن أبي طلحة، وهو من بني عبد الدار، وهو عبدري، يعني عبدري معناه من بني عبد الدار، وهم حجاب بيت الله الحرام. والنبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة أخذ المفاتيح وسلمها لشيبة بن عثمان، أخذ مفاتيح الكعبة وسلمها لشيبة بن عثمان، ويقال أن مفاتيح الكعبة إلى الآن معهم، والله أعلم. فصفية ليست من الصحابة، وإنما هي تابعية. ذكرت رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام أولم على بعض نسائه بمدين من الشعير. وتقدم أن هذا فيما أولمه على صفية بنت حيي، فإن صفية بنت حيي لما بنى عليها أرسلت إليه بمد من شعير وتمر وسمن، فأولم به عليه الصلاة والسلام، ودعا الناس وبارك فيه، ودعا الناس وأكل الناس من ذلك وشبعوا طيباً. وهذا أيضاً يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يجعل وليمة نسائه كلها واحدة، وهذا بحسب التيسير. فقد يتيسر للشخص في بعض زيجاته، مثلاً عنده مال، عنده كذا، أو يتيسر له شيء من الغنم فيذبح أكثر في هذا العرس، يأتي عليه العرس الآخر وما عنده شيء، فيولم بما تيسر معه، يولم بما تيسر معه. وليس معناه أن هذا مثلاً إجحاف في حق تلك المرأة التي تزوجها، لا، أو أنه العكس مثلاً، ما كان عنده ثم تيسر له مال عندما تزوج الثانية مثلاً أو الثالثة أو الرابعة، تتيسر له المال فأولم بأكثر مما أولم على الزوجات الأخرى، فهذا جائز لأن هذا يعتبر على حسب التيسير. هذا على حسب التيسير، وليس أنه يعدل فيه معناه، لا يقول مثلاً: ذبحت شاة في العرس الأول فلابد في هذه الثانية أذبح شاة، لا، وإنما على التيسير. إن كان مثلاً عنده سعة عندما تزوج الثانية، معه سعة، أولم بأكثر فلا بأس، فلا بأس بذلك. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يولم على نسائه بوليمة واحدة، وإنما على حسب ما تيسر له، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أيضاً فيها هذا الباب، والحديث الآخر، أنه لا بأس كما تقدم معنا أن الإنسان يولم ولو بغير اللحم، يولم ولو بغير لحم على ما تيسر، لأن مثلاً قد يكون اللحم مجحفاً وثمنه باهظاً، فيأتي بدجاج أو يأتي بسمك، يأتي بما تيسر له، هذا جائز، يولم بما تيسر له، ولا ينبغي أن يكلف نفسه. فإننا كما قال سلمان: نهينا عن التكلف، نهينا عن التكلف سواء كان للضيف أو لغير ذلك من هذه الأمور في الولائم وفي غيرها. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.