المحاضرة بعنوان أسباب حسن الخاتمة، وكانت بمسجد العسقلاني بالشحر 10 جمادى الأول 1439هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبيّن المقطع فضل حسن الخاتمة من الله تعالى، ويستعرض أسباب سوء الخاتمة وعلاماتها مستدلاً بأحاديث النبوية كحديث «يبعث كل عبد على ما مات عليه» وحديث ابن مسعود في كتابة الشقاوة والسعادة، محذراً من انقلاب العبد عند الموت بسبب فساد العقيدة أو النية.
يسلط الضوء على حال السلف من الخوف والوجل من الخواتيم رغم صلاحهم، محذراً من مصاحبة أهل الأهواء وقراءة كتب الفلاسفة التي توقع في الشكوك والضلال كما حدث لابن الفارض والفخر الرازي، ومؤكداً أن النجاة بلزوم عقيدة السلف القائمة على الوحي.
يستعرض سببَين رئيسين لسوء الخاتمة؛ أولهما اعتياد المعصية والإصرار عليها مع قصص لعاقبة من ماتوا على معاصيهم، وثانيهما طول الأمل الذي يغري بالتسويف في التوبة، مستدلاً بوصية النبي ﷺ لابن عمر وحديث جبريل بأن الدنيا دار ممر.
يحذر من استدراج الله للعصاة بالنعم فيظنونها محبة، ومن خطر اليأس من الابتلاء الذي قد يدفع للانتحار مستدلاً بحديث المنتحر، ثم ينتقل لذكر أسباب حسن الخاتمة وأهمها الالتجاء إلى الله والثبات على الطاعة والاستقامة والدعاء والتقوى والتوبة السريعة.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء كثيرا، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نحمد الله سبحانه وتعالى أن يسر لنا وهيأ لنا زيارة إخواننا في هذا المسجد المبارك بالشحر، المسمى بمسجد الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، وهو أحد أئمة الإسلام. وبادئ ذي بدء، أتوجه بالشكر لأخي الإمام، إمام هذا المسجد، والقائمين عليه، لإتاحة هذه الفرصة في هذا المسجد لأجل أن نتحدث من كتاب الله سبحانه وتعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا من إقامة شعائر الله، لأن مجالس العلم هي من ذكر الله سبحانه وتعالى، والمساجد بنيت كما قال عليه الصلاة والسلام: «لما بنيت له»، يعني من الصلاة وذكر الله عز وجل. وقد امتدح الله جل وعلا في كتابه الكريم رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37]، في بيوت الله سبحانه وتعالى. وامتدح الله سبحانه وتعالى أولئك الأقوام الذين يجلسون ويعمرون المساجد بذكره سبحانه وتعالى، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: 18]. فإذا، عباد الله، الشكر موصول لإمام المسجد والقائمين عليه، ولأهل هذه المنطقة، هذه الحارة في هذه البلاد، الذين جاءوا وجلسوا يستمعون كلام الله جل وعلا وكلام الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ونسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وأن يسددنا، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كما نسأله جل وعلا كما جمعنا في هذا المسجد المبارك أن يجمعنا في دار كرامته في جنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. سمعتم أيها الإخوة في الله، أيها الآباء وأيها الأبناء، سمعتم عنوان المحاضرة وهو عن حسن الخاتمة. ولا شك أننا كلنا نتطلع إلى حسن الخاتمة من ربنا سبحانه وتعالى. وحسن الخاتمة هي من الله سبحانه وتعالى فضل ومنه، يؤتي الله سبحانه وتعالى من يشاء من عباده بما علم سبحانه وتعالى من عباده الصدق والإخلاص والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا شك أن لحسن الخاتمة أسبابا، وكذلك لها علامات. لحسن الخاتمة أسباب، ولها كذلك علامات. ولعلي أترك مجال حسن الخاتمة لأخي الشيخ أبي معاذ حفظه الله، سيتكلم إن شاء الله عن أسباب حسن الخاتمة، وسأتكلم بإذن الله بالضد، وهو أسباب سوء الخاتمة، عاذنا الله وإياكم من سوء الخاتمة. فلا شك أن الضد بالضد يعرف، الضد بالضد يعرف. إذا عرفت أسباب سوء الخاتمة ستعرف يا عبد الله أسباب حسن الخاتمة. ولنعلم جميعا أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في صحيحي الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله: «يبعث كل عبد على ما مات عليه». تأملوا في الحديث: «يبعث كل عبد على ما مات عليه». قال أهل العلم: أي من الخير والشر. فإذا كانت حياته في الخير ويعمل بطاعة الله عز وجل، رجي له حسن الخاتمة، وبعث على هذا الخير الذي كان يعمله في الدنيا. وكذلك إذا كان بالعكس، عياذا بالله، إذا لم يكن من المسابقين ومن المسارعين، وضيع أوقاته وضيع كذلك حياته، ومضت تلك الأيام والسنون كلها سبهللا، فإنه سيندم ويتحسر يوم لا ينفع الندم ولا تنفع الحسرة. ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». بما تبقى في علم الله سبحانه وتعالى أن هذا الإنسان سيكون من أهل السعادة أو سيكون من أهل الشقاوة. فالأجل مقتوم وهو عند الله سبحانه وتعالى، كذلك في اللوح المحفوظ. وهكذا أيضا الرزق مقسوم، الرزق لكل عبد مقسوم وهو كذلك مكتوب في اللوح المحفوظ. وعمل الإنسان منذ أن يولد إلى أن يتوفاه الله عز وجل كذلك مكتوب، عمله من خير ومن شر، إلى أن يكون إما أن يغلب... كما قال عليه الصلاة والسلام: «فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة». وبين عليه الصلاة والسلام أن المسألة كلها بحسن الخاتمة. يعني قد ترى أن شخصا يعمل بعمل أهل السعادة في الظاهر، لكن كتب له أن يكون من أهل الشقاوة، وذلك عندما تأتي ساعة الوفاة وساعة الاحتضار، فربما ينقلب هذا الذي يعمل هذه الأعمال الطيبة، والعياذ بالله، والأعمال الطيبة إلى أعمال سيئة، والعياذ بالله. فبين عليه الصلاة والسلام، عبد الجليل، فقال صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب»، أي بما كتبه الله عز وجل في علمه، ولا يظلم ربك أحدا. فالله عز وجل العليم الحكيم في خلقه سبحانه وتعالى، «فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». انظروا إلى هذا الحديث العظيم. كلها في هؤلاء الذين يعملون، فربما أناس يعملون فييسرون لعمل أهل السعادة وتكون خاتمتهم حسنة، وأناس، والعياذ بالله، يعملون بعمل أهل الشقاوة وتكون خاتمتهم سيئة. وقد يحصل الخلط من ذلك، وهذا كما قال العلماء، قليل، هذا قليل. وإنما تكون كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله عند شرح هذا الحديث: تكون هذه الخاتمة السيئة لمن عنده فساد في العقل، يعني عنده فساد في العقل يغلب عليه ماذا؟ الكتاب. وإن كان يعمل بعمل أهل الجنة من بعض أو من بعض الطاعات، فيسبق عليه الكتاب لفساد في ماذا؟ في عقله ونيته وأمور لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فيسبق عليه الكتاب فيعمل في آخر عمره بعمل أهل النار، فتكون خاتمته، نسأل الله العافية والسلامة. لهذا يظل المسلم خائفا وجلا من ماذا؟ يظل خائفا وجلا ولا يأمن مكر الله سبحانه وتعالى، لأنها كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن أولياء الله لا يأمنون مكر الله سبحانه وتعالى، يخافون أن ينقلهم بذنوبهم وخطاياهم إلى الشقاء، فيظلون خائفين وجلين من السوابق والخواتيم. هكذا المسلم خائف وجل من السوابق والخواتيم. فأهل الطاعة وأهل البر يقولون في أنفسهم: لا ندري ماذا يختم لنا. وهكذا المقربون الذين تقربوا إلى الله عز وجل بالطاعات، يقولون: لا ندري ماذا سبق لنا في علم الله جل وعلا. ويدل على ذلك خوف السلف الصالح رحمهم الله، فإنهم كانوا عندما تأتي الساعة، ساعة المحنة، ويرى من نفسه أنه مفارق هذه الدنيا بما يرى من العلامات، تراهم يبكون، ما يفرحون. لماذا؟ أكثرهم يبكي عندما تقرأ في قصة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهكذا أيضا تقرأ في سير التابعين وأتباع التابعين، يقول فلان بكى عند موته. وهذا قد وجد، أنهم كانوا يبكون عند موتهم لأنهم لا يعلمون، مع أنهم كانوا في الدنيا من أهل الصلاح ومن أهل الطاعة، ومن يعملون ويسارعون في الخيرات. مع ذلك ما يأمنون بماذا يختم لهم عند الاحتضار، لأن الشيطان يظل مع هذا الإنسان حتى عند ساعة الاحتضار، يريده أن يخرج من هذه الحياة الدنيا وهو كافر بالله سبحانه وتعالى. جاء عند الإمام أحمد من حديث أبي نضرة رضي الله عنه أنه قال: حضرنا رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلنا عليه فوجدناه يبكي وهو عند الاحتضار، قال: فوجدناه يرفئ. قال: فقلنا له: ألم يقل لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني»؟ قال: بلى. يعني هذه بشارة من النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى تلقاني»، أي أنه سيلقى النبي عليه الصلاة والسلام إذا فعل ذلك الأمر. فقال: بلى، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قبض بيمينه قبضة، وقبض بيده الأخرى قبضة، فقال: هذه لهذه» يعني للجنة، «وهذه لهذه» يعني للنار. قال: «فلا أدري في أي القبضتين أنا». انظروا إلى خوف عظيم من هذا الصحابي، يقول: ما أدري أنا في أي القبضتين، أفي التي قدرها سبحانه وتعالى بيمينه لأهل الجنة، أم بيده الأخرى التي هي للنار؟ فالله عز وجل قد سبق في علمه أن أناسا من أهل السعادة، وأن أناسا من أهل الشقاوة. وهكذا أيضا لما جاء الاحتضار لمحمد بن المنكدر وسليمان التيمي، ذكر ذلك الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير في التفسير عند قوله: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47]. ذكر عند هذه الآية حال احتضار هؤلاء، سليمان التيمي، وهكذا أيضا محمد بن المنكدر رحمهم الله، أنهما لما احتضر جاء إليهما المبشرون: طوبى لكم وهنيئا لكم، الأعمال الصالحة التي كنتم تعملونها، ما رأيناكم إلا على خير. يبشرونه، وهذا عادة أهل الصلاح أنهم إذا دخلوا على شخص يرون أنه سيفارق هذه الدنيا يبشرونه بأعماله الصالحة ولا يذكرون له شيئا من الأعمال السيئة. قال: لا تقولوا ذلك، ينهاهم. قال: لا تقولوا ذلك مهما بشرتم. قال: فإني والله لا أدري، فالله عز وجل يقول: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾. وأكد ذكر عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه كان يقوم الليل ويبكي بكاء شديدا، ويأخذ بلحيته ويقول: يا رب، قد علمت ساكني الجنة من ساكني النار، ففي أي الدارين منزل مالك بن دينار؟ فهذا يدل على خوف السلف من ماذا؟ من السوابق والخواتيم. فالمسلم يظل يعمل الصالحات، وأيضا يرجو من الله سبحانه وتعالى حسن الخاتمة، ويخاف من سوء الخاتمة، عياذا بالله. ذكر العلماء رحمهم الله أن أسباب سوء الخاتمة لا تأتي إلا عندما يكون عند الشخص فساد في عقله ودينه، عياذا بالله، واعتياد لأمور كان يعتادها في هذه الحياة الدنيا وغفل عن الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة، فربما فاجأه الموت وهو مقيم على هذه الحال. فمن هذه الأسباب، وهي أسباب سوء الخاتمة، أن يكون عند الشخص شك، ويكون عنده شيء من الهوى. وهذا تولده، والعياذ بالله، المسايرة والمصاحبة. يعني قد يصاحب أناسا ويمتزج ويختلط بهم، فتصير عنده هذه الشكوك، خصوصا كما قال أهل العلم: أهل الأهواء والبدع، أهل الأهواء والبدع، احذر منهم فإنهم لن يهدوك إلى الطريق المستقيم. إذا صحبت فاصحب خيار القوم، يعني اصحب الأخيار، الناس الصالحين، أهل السنة والجماعة الذين يقتدون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فتنجو من هذه الشكوك ومن الحيرة. وبعض الناس يتخذ ذلك ديدنا له، يذهب ويقرأ في كتب الفلاسفة وكتب العقلانيين، ويظن أن هذه الكتب تهديه إلى الطريق المستقيم، وما هذه الكتب إلا، والعياذ بالله، تهدي ماذا؟ تهدي إلى الطريق المعوج الذي آخره حسرة وندامة. فبعض الناس يشك في أسماء الله وفي صفاته وذاته سبحانه وتعالى على خلاف معتقد أهل السنة والجماعة، ولا يسلك الطريق الذي سلكه الأولون في اعتقادهم، فتختلط عليه الأمور ويظل تائها حائرا في حياته الدنيا، وبعد ذلك ربما فاجأه الموت وهو على تلك الحالة. يذكر عن ابن الفارض، ابن الفارض عمر بن علي الحموي، ذكر عنه شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله وتعالى وجماعة من العلماء في ترجمته أنه اختار هذا الطريق، طريق العقلانية وطريق الفلاسفة. ومثله الفخر الرازي، دخل في متاهات. الأمان للشخص المسلم أنه يأخذ معتقد أهل السنة والجماعة في الاعتقاد فيسلم من المتاهات. ما سينفعك هؤلاء أبدا، كتب أفلاطون أو كذلك سقراط أو أرسطو طاليس وغيرهم من الفلاسفة. أخذوا يقرؤون فيها ويظنون أنها ستهديهم إلى أمور عن الله سبحانه وتعالى، يتكلمون في الكون وفي ذات الله سبحانه وتعالى وهم صفر من هذا. لماذا؟ لأن هذه الأمور لا تؤخذ إلا عن الوحي، عن كتاب الله وعن سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كما أخذ السلف آيات الصفات، آيات الأسماء والصفات، كما قال: «امروها كما جاءت»، من غير تكييف ولا تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل. فمشوا على أحسن حال، وهؤلاء ضلوا. ولما جاءت ساعة الاحتضار ماذا قالوا؟ قال ابن الفارض: «إن كان منزلتي في الحب عندكم ما قد رأيت، فقد ضيعت أيامي، أمنية حلمت بها نفسي بها زمنا، واليوم أحسبها أضغاث أحلامي». يعني يظن أن الله سبحانه وتعالى سيرفعه، وأن الله سبحانه وتعالى سيجعله من أهل الجنة، لكن لما عاين بعد ذلك الأمر، جزع لذلك، لأنه لم يهتد إلى الطريق المستقيم، قال هذا القول. وهكذا أيضا الفخر الرازي يذكر عنه أنه قال: «نهاية إقدام العقول عقال، وأكثر سعي العالمين ضلال، وأرواحنا في وحشة من جسومنا، وغاية دنيانا ذنوب ووبال، ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا قيل وقال». هذه نهاية ماذا؟ هؤلاء المشككين، أصحاب الأهواء والبدع، الذين ما سلكوا طريق أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، كانت النهاية، والعياذ بالله، أنهم عرفوا أنهم كانوا على ضلال مبين، وأنه ما نفعهم ما بحثوا في مثل هذه الكتب المنحرفة الضالة. وهكذا أيضا من أسباب سوء الخاتمة: اعتياد المعصية. يعني بعض الأشخاص يعتاد شيئا ويمشي عليه وهو من معصية الله سبحانه وتعالى، ما يتركه ولا يتوب ولا يستغفر ولا يندم على ما فعله، فربما فاجأه الموت وهو مقيم على تلك المعصية. ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله، كابن القيم، وهكذا أيضا القرطبي في التذكرة. ابن القيم ذكر قصصا لأناس حلت لهم سوء خاتمة بسبب ماذا؟ أنهم اعتادوا معاصي كبيرة وما تابوا منها، ودخل عليهم إبليس من باب التسويف في التوبة: العمر طويل، وربما بعد ذلك تتوب إلى الله عز وجل، لكن جاءهم الموت والأجل، فماتوا على تلك الحالة، والعياذ بالله. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الروح عن رجل وهو ابن الوزير، يقول: دخلت المدينة فتوقفت القبور، فرأيت قبرا حارا، يعني كأنه يشتعل نارا، قبر حار مثل الجمرة، قال: مثل الجمرة. قال: فقلت: لعلي أحلم، يعني أنا في نوم. قال: فنظرت فإذا هو سور المدينة، فقلت: أنا في المدينة. قال: فرجعت إلى بيتي وأنا مغموم مهموم، ولم آكل شيئا، لأنه رأى بأم عينه هذا القبر الحار مثل الجمرة. قال: فسألت عنه، فإذا هو مكات، مات في ذلك اليوم. يعني صاحب مكات، يأخذ من الناس أموالا بالباطل، اعتاد على هذا في حياته حتى جاءه الأجل، فكان ذلك، والعياذ بالله، الجزاء في قبره. وهكذا أيضا ذكر ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه جامع العلوم والحكم عن عبد العزيز بن أبي رواد أنه قال: حضرت رجل الوفاة، فجاءه قومه وعشيرته، فقال له: يا فلان، قل لا إله إلا الله، فما استطاع أن يقول، فسكت برهة، وهم يكررون عليه: لا إله إلا الله، فما استطاع أن يقول، إلى أن نطق وقال بعد ذلك: هو كافر بها، والعياذ بالله، كافر بلا إله إلا الله. قال عبد العزيز: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته في ذلك. فتألوا عنه، فكان هذا الشخص مدمن خمر، شارب خمر مدمن، ليس فقط يشرب بين الحين والآخر، بل مدمن خمر. قال: اتقوا الذنوب فإنها هي التي أوقعته في ذلك. وهكذا ذكر القرطبي رحمه الله عن بعض الولاة في قسطنطينية أنه توفي في ذلك اليوم، قال: فحفروا له قبرا، فلما أرادوا أن يضعوه في القبر وجدوا حية عظيمة. قال: فدفنوا القبر وأخذوه، فحفروا له قبرا آخر، فإذا بالحية مرة أخرى. وهكذا إلى ثلاثين قبرا، كلما حفروا قبرا وجدوا تلك الحية في هذا القبر عندما يضعونه فيها. قال: فاستفتوا وسألوا، قالوا: فضعوه، لا ينجي أحد من عذاب الله سبحانه وتعالى، ضعوه معها. نسأل الله السلامة والعافية. بعض الولاة ربما يكون عنده شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل من الذنوب التي اعتادها، فهكذا بين أهل العلم أن اعتياد المعاصي والذنوب والخطايا دون التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، هذه من أسباب سوء الخاتمة. وهكذا أيضا من أسبابها: طول الأمل. الإنسان في هذه الحياة الدنيا عنده طول أمل، يعني يظن أن يعيش إلى الستين، إلى السبعين، إلى الثمانين، إلى أكثر من ذلك. هذا كل واحد يحدث به نفسه: أنني سأعيش كذا وكذا من العمر، ما دمت الآن الحمد لله صحيح سليم، ما عندي أمراض، هكذا يمني نفسه يعيش إلى تلك الفترة. وإذا أصبح بعد ذلك شيخا كبيرا، وبعد ذلك شاخ، يقول بعد ذلك: أجلس في المسجد وأستغفر الله وأتوب وأصلي وأصوم، وكذلك انتهى عندي أمور الحياة. ولهذا قلب الشيخ شاب على اثنتين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، يعني شيخ كبير لكن قلب الشاب على اثنتين، وهو طول الأمل، وكذلك حب المال. فطول الأمل هذا مما يبعث على أن الإنسان يرتقي عن عمل الطاعات، ولا يقدم على عمل الطاعات، وربما يسوف كذلك في أمور التوبة والرجوع والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى. وصية نبينا عليه الصلاة والسلام لابن عمر كما في البخاري: ماذا قال؟ «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبيه وقال: يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». فكان ابن عمر يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن فراغك لشغلك». هكذا الإنسان إذا نظر في هذه الأحاديث النبوية الشريفة والنصائح الغالية النفيسة من نبينا عليه الصلاة والسلام، لبعثه ذلك على قصر الأمل، وأنه يرى أنه سيموت غدا. جاء جبريل إلى نبينا عليه الصلاة والسلام فقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به». وأحبب من شئت فإنك مفارق هذه الحياة الدنيا، أننا مفارقونها. وكذلك هذه الحياة الدنيا كلنا سنرتحل منها، فهي دار ممر لا دار مقر. فلهذا نتخذ منها الزاد، يتخذ منها الزاد المسلم من حياته الدنيا، يتخذ الزاد ويعد العدة للقاء الله سبحانه وتعالى. النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح البخاري، حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة». ستين سنة، ما عندك عذر تعتذر به يوم القيامة عند الله سبحانه وتعالى. أين حوايف أعمالك المليئة بالطاعات بالخيرات؟ سواء كان ذلك من صلاة أو من صيام أو من صدقة أو من بر للوالدين أو من إحسان أو من حج وعمرة وغير ذلك من الأعمال الصالح. ينبغي أن تكثر في حوايف أعمالك. وكذلك أيضا أنك تجتنب ما استطعت من الذنوب والمعاصي وتبدلها بماذا؟ بالاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى. فمن أسباب سوء الخاتمة عند الإنسان، والعياذ بالله، أنه عنده طول الأمل. طول الأمل يستعمل الطاعات. إذا شعرت أن نفسك تحددك بطول الأمل، فاعلم أنك على غرور، أن نفسك تغرك لكي تستمر فيما أنت عليه. وقد بين بعض السلف رحمهم الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [المؤمنون: 55]. في هذه الآية الكريمة أن الله عز وجل بين أن بعض الناس ربنا عز وجل يستدرجهم بالنعم، يعني لا تظن أن النعم عندما تنزل عليك من الله سبحانه وتعالى أن هذا يكون عن محبة، فربما يكون عن استدراج وأنت لا تشعر. فيستدرج الله عز وجل بالنعم، وهم قائمون على معصية، يعني عندهم معاصي يعملون فيها في حياتهم الدنيا، والله عز وجل مغدق عليهم النعم، لكنهم ما يشعرون أن هذا استدراج من الله سبحانه وتعالى، فيظلون في غيهم ويظلون في طغيانهم يعمهون، فيظلون على هذه الحال. قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾، يعني ظنوا أن هذا من الله سبحانه وتعالى كناية عن محبته لهم، وأنهم أقرب إلى الله عز وجل من غيرهم، ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾. لهذا المسلم يحذر من النعم، يحذر من النعم إذا جاءت أنه يستخدمها في طاعة الله، وكذلك يشكر الله سبحانه وتعالى عليها حتى تدوم له، وأنه يحذر من الاستدراج، فينتهي عن المعاصي، ويتفكر في نفسه وفي حاله: ماذا عمل بهذه النعم؟ فربما تكون من الله استدراج. فإذا كان على معصية أقلع، وإذا كان على طاعة شكر، والزاد، فإن الله سبحانه وتعالى يزيده من فضله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. وهكذا بين عليه الصلاة والسلام أن أناسا في الظاهر يعملون بعمل أهل الجنة، ثم يسبق عليهم الكتاب فيعملون بعمل أهل النار فيموتون عليه. وهذه مسألة، مسألة الانتحار، هذه مسألة بعضهم ييأس من هذه الحياة الدنيا، فقر مدقع وحالة بائسة، فييأس من هذه الحياة، أو آلام وأمراض، ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، فالله يبتلي عباده، فما أدرك أن هذا الابتلاء رفع له عند الله سبحانه وتعالى، يمحو الله عز وجل به سيئاته. يختبرهم عز وجل بشتى الاختبارات، فمنهم من يعطيه المال، لينظر شكره وقيامه بهذا المال في طاعة الله، استخدامه ولو استخداما بالشرع. ومنهم من يبتليه بالفقر، ويبتليه بالأمراض، وكثير هذا حاصل، ناس عندهم فقر ما عندهم مادة، وناس عندهم أمراض كثيرة، من مرض إلى مرض، قام من هذا المرض ثم في هذا المرض، فيا سبحان الله، فهذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى. فربما بعضهم ييأس من هذه الحياة، ويفكر أنه يموت ويتخلص من هذه الحياة الدنيا بسبب ما ابتلي به. وهذا خطر على الإنسان، لأن النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم بين كما في الصحيح من حديث أبي هريرة: «أن من مات بشيء عذب به في النار يوم القيامة، فمن قتل نفسه بحديدة عذب بها في يده في نار جهنم»، كما قال عليه الصلاة والسلام، «ومن احتسى سما فسمه يتحساه في نار جهنم، ومن خنق نفسه فإنه في نار جهنم كذلك يفعل به أو يفعل». فبين عليه الصلاة والسلام أن أناسا ينتحرون ولا يصبرون على الأذى والابتلاء. فقد تبتلى، فينبغي عليك أن تصبر. جاء في صحيح من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قرج في غزوة من الغزوات، فاقتتل هو والمشركون، فانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معسكره، وانحاز المشركون إلى معسكره. قال: وكان في القوم رجل يذكر لا يدع شاذة ولا فاذة إلا عمل بها، يعني ما ترك في المشركين شيئا، فكان الناس يذكرون ما شاء الله: فلان هذا قوي مجاهد، ما ترك أحد إلا وقطع رقبته، هذا مجاهد قوي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هو من أهل النار». قال: فتعجب الصحابة رضي الله عنهم، فقال رجل: أنا لها، يعني في نفسي أنا لها، أنا لهذا الرجل. قال: فبدأت المعركة، فانطلق الرجل فأفنته الجراح. وكان ذلك الرجل يراقبه في المعركة، قال: فوضع سيفه على الأرض، ووضع حده على بين ثدييه، أي ذباب السيف، ثم تحامل عليه وقتل نفسه. فجاء الرجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام الذي راه، فقال: أشهد أنك رسول الله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: وماذا؟ قال: الرجل الذي ذكرت يا رسول الله، فذكر القصة. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». الحديث. الشاهد من هذا أن الإنسان قد يبتلى، قد يبتلى بمصائب وابتلاءات من الله سبحانه وتعالى، فلا يحمله ذلك على أن تكون تلك البلايا سببا في خسرانه وسببا في سوء خاتمته، فيتضجر ويتأفف ويسب ويلعن ويشتم، ويخرج من هذه الحياة الدنيا، والعياذ بالله، بدلا من أن يشكر الله سبحانه وتعالى، وهكذا يسأل الله عز وجل العافية، ويسأل الله عز وجل الكشافة، فعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم احيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي»، كما في الصحيح. هكذا النبي عليه الصلاة والسلام أرشد هذه الأمة أنها تعمل بطاعة الله عز وجل وتصبر، فإن الله عز وجل يبتلي ويختبر ويمتحن عباده بما شاء سبحانه وتعالى، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وأن يسددنا وأن يهدينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فأولا شكر الله لإمام هذا المسجد وللقائمين عليه إذ أتاحوا لنا هذه الفرصة وهذا اللقاء بآبائنا وأبنائنا وإخواننا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذه المحاضرة باذخة خير على هذا المسجد وأهله. ثم أشكر أخي الشيخ الفاضل أبا عبد الرحمن على هذه الكلمات النفيسات، وعلى هذه المحاضرة الجامعة النافعة الماتعة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع للعمل بها. وقد تطرق في كلمته حفظه الله إلى أسباب سوء الخاتمة. وسوء الخاتمة وحسن الخاتمة هذا مما يشاهده الناس ويمر بهم عند حضور موتاهم. فحسن الخاتمة فسرها العلماء بأن يوفق العبد قبل الموت بالبعد عما يسخط الله سبحانه وتعالى، وأن يوفق للتوبة والإقبال على الله سبحانه وتعالى، ويموت على هذه الحالة الحسنة. هذه هي حسن الخاتمة: إذا كنت قبل موتك على استقامة وعلى طاعة وعلى بعد عما يغضب الله ويسخطه، فهذا دليل حسن الخاتمة. والعكس في سوء الخاتمة: أن يكون العبد قبل موته على حالة سيئة من المعاصي والذنوب والكسل والبعد عن الطاعة والإقبال على الله عز وجل، فيموت على هذه الحالة السيئة، والعياذ بالله. والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. وكما ذكر حفظه الله في محاضرته، وقد تطرق إلى أسباب سوء الخاتمة، وبالضد تتنيز الأشياء، فأحببت أن أذكر بعضا أولا من أسباب حسن الخاتمة. فمن أعظم هذه الأسباب: الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، فالثبات منه سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: 27]. فحسن الخاتمة من الله سبحانه وتعالى، فاطلبها منه عز وجل، واسأل ربك دائما حسن الختام، أكثر من قولك: اللهم إني أسألك حسن الخاتمة عند الممات. كان يذكر عن الشيخ ابن باز عليه رحمة الله أنه كان يكثر من هذا الدعاء: «اللهم إني أسألك حسن الخاتمة عند الممات». تطلب هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى وتكثر من ذلك، وتسأل الله الثبات، قل: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». هكذا كان نبي عليه الصلاة والسلام يكثر من هذا الدعاء، كما في حديث عائشة وأم سلمة وغيرهما رضي الله تعالى عنهما. ويب، يؤذن المؤذن، ثم نقوم، إن شاء الله، الاستمرار، الاستمرار على الطاعة وعدم الانقطاع، وهذا هو معنى الاستقامة. فإن الاستقامة لزوم طاعة الله عز وجل وهي جماع الأمر. فالمستقيم تبشره الملائكة عند خروج روحه، وفي هذه الحال الحرجة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]. تبشره بفضل الله وبرحمته، تبشره بجنة عرضها السماوات والأرض، في هذه الحال وفي هذا الموقف العصيب، لماذا؟ لأنه مات على الاستقامة، مات على الاستقامة. فمن ثمار الاستمرار على الطاعة أن تموت عليها. ومن ختم له بعمل صالح، فمن ختم له بعمل صالح فهذا دليل حسن الخاتمة. جاء عند الإمام أحمد من حديث جندب رضي الله تعالى عنه أن النبي، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوما في سبيل الله ختم له به دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة». صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله كما في كتابه أحكام الجنائز. فانظروا إلى آثار الاستمرار على الطاعة. أما إن كنت مترددا بين الطاعة والمعصية، فإنك لا تدري متى يفجأك الموت، هل يفجأك حال الطاعة أم حال المعصية؟ فبذلك أنت تخاطر بنفسك وتخاطر بدينك. فاحذر يا عبدالله أن تكون ممن يتردد، فترة مع أهل الطاعة والاستقامة والإقبال على الطاعة، وفترة أخرى مع أهل المعاصي والفسق والهجور، والعياذ بالله. احذر من ذلك، استقم. ولذلك في حديث أبي عمرة سفيان بن عبد الله لما قال للنبي عليه الصلاة والسلام: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «قل آمنت بالله ثم استقم»، أي استمر على هذه الاستقامة وعلى هذا الإسلام، لا تنقطع. وهكذا أيها المسلمون، عباد الله، من أسباب حسن الخاتمة: تقوى الله عز وجل، فييسر الله سبحانه وتعالى لك حسن الخاتمة، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]. يسر لك حسن الختام بإذنه سبحانه وتعالى. اتق الله في الطاعة واجتنب ما نهاك عنه سبحانه وتعالى. وهكذا من أسباب حسن الخاتمة: التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، حال الزمن، لا تستمر عليه، لأنك لو استمررت عليه لربما فاجأك الموت وأنت على هذا الذنب، وأنت على هذا الذنب. وإذ ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. إن أردت الفلاح، ومن أعظم الفلاح أن يختم لك بخير. فأنت بشر معرض للزلل ومعرض للخطأ والذنب، لست معصوما، ولكن إذا عصيت فباشر بالتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى حتى يغفر لك وتنقى وتصفى من الأدران وشؤم المعصية. قال عليه الصلاة والسلام كما عند الإمام أحمد وغيره، ووضحه المسند لشيخنا: «إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زيدت فيه حتى يعلو الران قلبه». ثم قال: «فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل في كتابه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]». فإذا إذا استذلك الشيطان وسولت لك نفسك بارتكاب المعصية