الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 106، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أول صفتين خِلقيتين للمسيح الدجال وهما ضخامة الجسم ولون البشرة الأحمر المائل إلى البياض. ورد ذلك في حديث تميم الداري الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم ليكون المؤمنون على حذر.
يصف النص عيني الدجال بأن إحداهما ممسوحة مغطاة بظفرة والأخرى بارزة كالحبة العنب وكلاهما معيب. يجمع أهل العلم بين رواية عور اليمنى ورواية عور اليسرى بأن كلتا العينين معيبتان بذهاب ونُتوء.
يُكتب بين عيني الدجال كلمة كافر يقرأها كل مسلم حتى الأمي، وهو أعور العين اليسرى أحمر اللون جفال الشعر. كما أنه لا يولد له ذرية وهذه الصفات تدل على ذمامة خلقه وتحذر المسلمين من فتنته.
خاف النبي ﷺ وأصحابه من ظهور المسيح الدجال فحذر الأمة منه وأمرهم بضبط أوصافه. يهدف هذا التحذير إلى أن يكون المؤمنون في مأمن عند خروجه بمعرفتهم لصفاته.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فصفات المسيح الدجال: فقد جاءت السنة النبوية ببيان صفات هذا المسيح الدجال، لماذا؟ ليعرفه المؤمنون فيحذروه ويبتعدوا عنه. قال أبو عبد الله محمد القرطبي في كتابه "التذكرة في أحوال الموت والآخرة": "وصف النبي صلى الله عليه وسلم الدجال وصفاً لم يبقَ معه لذي لب إشكال، وتلك الأوصاف كلها ذميمة، تتبين لكل ذي حاسة سليمة". يعني تتبين لكل ذي حاسة سليمة، لكن من قضى الله عليه بالشقاوة تبع الدجال فيما يدعيه من الكذب والغباوة، وحرم اتباع الحق ونور التلاوة. فبعد هذه الصفات التي ستسمعها، كل من رآه سيعرفه. طيب، لماذا يتبعه؟ ومن يتبعه؟ ومن يرد الله أن يضله فلن تملك... ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً. فكم من فتن ظاهرة في زماننا هذا وقد حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض المسلمين يقعون فيها، وما ذاك إلا لغباء وحرمان بعض الناس من اتباع الحق. فإذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين لنا بياناً واضحاً شافياً كافياً في صفة هذا المسيح الدجال. من أول هذه الصفات: ضخم جسمه، أي أن جسمه ضخم وكبير، فهو جسيم. ودليل ذلك ما جاء في الحديث الطويل، حديث تميم الداري، لما كان نصرانياً فألقاهم البحر في جزيرة، فوجدوا في هذه الجزيرة الجساسة والدجال. وذكر تميم الداري رضي الله تعالى عنه للنبي صلى الله عليه وسلم هذه الأوصاف التي رآها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن تميماً أخبر عن المسيح الدجال بما أخبرتكم به"، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر تميماً على ما رأى. ومن ذلك أن تميماً قال: "فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير، وهو مثل القصر الكبير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً، والحديد...". في مسلم مشهور: "حديد طويل". فهذا من أول صفات الدجال: ضخم الجسم. الصفة الثانية: لونه أحمر، أي أبيض يميل إلى الشقرة، يعني إلى الاحمرار. ودليل ذلك كذلك ما جاء في هذا الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: "ثم ذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر جسيم". هذا في حديث الرؤية، أنه صلى الله عليه وسلم رأى المسيح ابن مريم ورأى المسيح الدجال، فقال عليه الصلاة والسلام: "ثم ذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر جسيم". جسيم: أي ضخم الجسم كما تقدم، والشاهد من هذا الحديث: أحمر. فهذا أيضاً من صفاته، والحديث متفق عليه. من صفاته كذلك: أنه أعور العين، أعور العين، فإحدى عينيه ممسوحة، ومعنى ممسوحة: يعني مثل جبهته، ما فيها علامات ولا آثار، العين ممسوحة تماماً، يعني مثل الجلدة، كما سيأتي في الأحاديث. والعين الأخرى التي يرى بها: مثل العنبة البارزة. والعنبة يعني هذا العنب المعروف نأكله، فإحدى عينيه مثل العنبة بارزة هكذا، دائرية وبارزة. انظروا إلى ذمامة خلقته، ذمامة خلقته، فهو أعور العين وممسوح العين. وهذا كله جاء في الأحاديث، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية". والعنب معروف، ومعنى طافية: أي بارزة خارجة. وهذا الحديث متفق عليه. وفي رواية لمسلم: "الدجال أعور العين اليسرى". طيب، قد يقول قائل: كيف في الرواية الأولى أعور العين اليمنى، وفي الرواية الثانية أعور العين اليسرى؟ الرد على هذا ما ذكره ابن عبد الدائم النعيمي في شرح الجامع، قال: "الأعور من كل شيء: المختل المعيب، الشيء الذي فيه اختلال وفيه عيب يقال له أعور. قال: وكل عيني الدجال معيبة، إحداهما بذهابها والأخرى بنتوئها وعيبها". يعني إحدى عينيه ذهبت بمعنى ممسوحة، ممسوحة معنى ما يرى بها شيء، وهذا عيب، والأخرى التي يرى بها بارزة، بارزة تصور عين يعني خارجة هكذا مثل العنبة، فهذا أيضاً عيب. فلا تعارض بين الروايتين، فإحدى العينين ممسوحة والأخرى طافية أي بارزة، وكلاهما عيب، وكلاهما عيب. فهكذا جمع أهل العلم. فهذه أيضاً صفة من صفات الدجال. كذلك من صفات الدجال: أن على عينه الممسوحة ظفرة غليظة، أي جلدة تغشي البصر. هذه الممسوحة عليها جلدة، هذه الجلدة يعني غطت العين فلا يرى ملامحها، لا يرى ملامح هذه العين بسبب هذه الجلدة. ودليل ذلك ما جاء في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة". هكذا جاء في الحديث: "عليها ظفرة غليظة"، حديث في مسلم. كذلك من صفات الدجال: أن مكتوب بين عينيه هنا "كافر"، يراها كل مسلم، يرى هذا الكتاب ويقرأها كل مسلم، حتى الأمي الذي لا يقرأ يقرأ ذلك. قال عليه الصلاة والسلام: "الدجال ممسوح العين، مكتوب بين عينيه كافر". ثم تهجاها، أي نطقها على حرف حرف، فقال: "ك ا ف ر"، يقرأه كل مسلم. هنا "كل" من ألفاظ العموم، فقال الشراح: حتى الأمي الذي ما كان يقرأ، الله عز وجل يجعله يقرأ هذه الكلمة، يقرأ هذه الكلمة لأن الحديث عام: "يقرؤه كل مسلم". والحديث في صحيح مسلم. من صفاته أيضاً: أنه جفال الشعر، أي كثير الشعر، لأن الحديث جاء بلفظ "جفال" وهو في اللغة بمعنى الكثير، أن شعره كثير وكثيف وكبير. انظروا إلى الذمامة، يعني في جسمه، في عينيه، في شعره. ودليل ذلك ما جاء في مسلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والدجال أعور العين اليسرى جفال الشعر". عرفنا ما معنى جفال: أي كثير. وأيضاً من صفات هذا الشعر: أنه متجعد جداً، أي غير مسترسل، أي مقصف، أي مثل شعر السودان الزنوج. ودليل ذلك كذلك، وهذا طبعاً لا يناسب اللون الأحمر، الغالب أن من كان أحمر أو أبيض يكون شعره مسترسلاً، ما يكون جعداً جعداً، ما يكون جعداً يكون مسترسلاً. لكن هذا أحمر اللون وأجعد الشعر، يعني تشويه، تشويه لخلقته وصورته، فهذا أيضاً غاية في الذمامة، يكون ذميماً. تصور هذا الوصف: إنسان ضخم، وأحمر اللون، وعيناه معيبتان، شعره كبير وأجعد. تصور هذه الخلقة، خلقة لا شك أنها ذميمة. دليل ذلك أن شعره أجعد، ما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ورآه رجلاً جعداً قططاً"، يعني شديد التجعد، ليس تجعداً يسيراً بل شديداً. قال القاضي عياض رحمه الله: "كالسودان"، يعني كمن بشرتهم سوداء وهم الزنوج، يكون شعرهم كذلك مع لون بشرتهم. وأيضاً من صفات الدجال: أنه لا يولد له. قال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم: "إنه لا يولد له"، مبتور ومقطوع الذرية. هذه مجمل ومختصر الصفات التي ذكرها أهل العلم من مجمل الأحاديث الواردة في صفة المسيح الدجال. فينبغي للمسلم أن يضبط هذه الأوصاف حتى يحذر من هذا الدجال، ويحذر منه، وينتبه لفتنته. ولا تقل: "أنا في مأمن من حضور فتنته"، الله أعلم. النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه خافوا أن يدركهم هذا المسيح الدجال، فلا يأمن أحد من ذلك. ولهذا أنذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته هذا المسيح الدجال. فاضبط هذه الأوصاف، وكن في مأمن منه إذا خرج. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.