تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 20

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 20

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام التكسب والبيع في مواسم الحج

يجوز للمسلم التجارة في مواسم الحج بشرط ألا تشغله عن المناسك وأن تكون نيته الأصلية الحج. استدل السعدي بآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وبإفتاء ابن عمر بجواز الكري في الأسواق الجاهلية.

الوقوف بعرفة: حكمه وأسماؤه ووقته

الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج ويسمى المشعر الحلال وإيلال، ووقته يمتد من بعد زوال يوم عرفة إلى فجر العاشر عند الجمهور بينما يجيز الإمام أحمد الوقوف نهار عرفة وليلها كاملاً. يستند هذا التفصيل إلى حديث عروة بن المضرس وآيات الذكر الحكيم.

المبيت بمزدلفة وترتيب المناسك بين عرفة ومزدلفة

المبيت بمزدلفة (المشعر الحرام) واجب عند الجمهور وركن عند المالكية، ويجب الترتيب الشرعي بعرفة ثم مزدلفة وإن خولف صح الحج مع الإثم. عرفة تقع في الحل وليست مشعراً حراماً بينما مزدلفة هي المشعر الحرام لقوله تعالى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾. يقول رحمه الله: لما أمر تعالى بالتقوى، أي لما قال: ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾، أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره ليس في حرج، إذا لم يشغل عما يجب أو عما يحب، إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالاً منسوباً إلى فضل الله، لا منسوباً إلى حق العبد والوقوف مع السبب ونسيان المسبب، فإذا هذا هو الحرج بعينه. وفي قوله: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾، طيب، فهذا قوله جل وعلا: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾. فقد جاء في البخاري عن ابن عباس من طرق أنه كان يقول: كان أهل الجاهلية لهم أسواق: ذو المجاز، ومجنة، وعكاظ، فكانت هذه أسواق الناس في الجاهلية، فإذا جاء موسم الحج باعوا واشتروا، فلما جاء الإسلام تحرجوا، وقيل لبعضهم: كيف تبيع وأنت تريد الحج؟ فتحرجوا، فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾. ولهذا لما جاء رجل عند عبد الله بن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إننا نكري في هذه المواسم، فقال: ألستم تطوفون بالبيت وتقفون بعرفة وجمع، أي المزدلفة؟ قال: نعم. قال: فليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم. فإن كان هذا البيع والشراء لأجل الموسم، ولا يشغل الإنسان عن الحج، ولا يشغل الإنسان عن حجه، فلا بأس في ذلك، لأن هذه ليست نية أو غرضاً يخرج في النية الأصلية، النية الأصلية هي الحج، وإنما هذا استغلال الموسم، فتجد أن هناك أناساً لا تنفق بضاعتهم إلا في هذه المواسم، فيستغلون هذه المواسم، فأجاز الله عز وجل لهم ذلك: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾. قال: هذه الآية دلالة على أمور: أحدها: الوقوف بعرفة، وأنه كان معروفاً أنه ركن من أركان الحج، فالإفاضة من عرفات لا تكون إلا بعد الوقوف. ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ﴾ أي: خرجتم منها. وعرفات سميت عرفات أو عرفة، يقال: إنه لما كان جبريل يعلم إبراهيم المناسك، فكان يقول له لما جاء إلى عرفة: هل عرفت؟ فسميت عرفة. وعرفة تسمى المشعر الحلال، والمشعر الحرام ومزدلفة. وعرفة تسمى المشعر الحلال، وتسمى أيضاً إيلال، تسمى أيضاً عرفة إيلال. والوقوف بعرفة هو ركن من أركان الحج بإجماع العلماء، وقد جاء في حديث عبد الرحمن بن يعمر الذي أخرجه أبو داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج عرفة». قال: الحج عرفة، من أدرك عرفة قبل أن تطلع الشمس، أو قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك... أن يطلع الفجر من اليوم العاشر، إذا أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك عرفة. وجاء في حديث الشعبي عن عروة بن المضرس أن عروة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مزدلفة بصلاة الفجر، فقال: يا رسول الله، قد جئت من طيء، أتعبت نفسي وأكللت راحلة، وما تركت جبلاً إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «من صلى معنا هذه الصلاة، وقد وقف بعرفة من ليل أو نهار، فقد تم حجه وقضى تفثه، وقد وقف في عرفة من ليل أو نهار». فالليل هنا المراد به ليلة العاشر من ذي الحجة، لأن عرفة ليلتها بعدها، وهذا بخلاف الليالي الأخرى، ما في ليلة ليلتها بعدها أو يوم ليلته بعده إلا عرفة، فعرفة ليلتها بعدها. معنى ليلتها: هي ليلة الوقوف بمزدلفة، عندما يذهب الناس إلى مزدلفة فهذا ليلة عرفة. فإذا أدرك الحاج شيئاً من الليل، ولو شيئاً يسيراً، فإنه قد أدرك الحج، فإذا فاته فقد فاته الحج. وأكثر العلماء يقولون: أن وقت الوقوف بعرفة هو بعد الزوال إلى فجر اليوم العاشر، من بعد الزوال إلى فجر اليوم العاشر، هذا مذهب الشافعي ومالك. وأما أحمد رحمه الله فكان يقول: أن نهار عرفة وليله كله وقوف، وهذا يدل عليه حديث عروة بن المضرس معنا، إذا وقف في صباح يوم عرفة دخل عرفة ثم خرج، فهذا يعتبر وقوفاً صحيحاً عند أحمد. فمتى ما دخل عرفة في يوم عرفة أو في ليلة ليلة يعتبر وقوفاً صحيحاً، لكن لابد أن يكون وقوفه بعد الزوال، معنى عنده واجب وليس بركن، بخلاف لأئمة الآخرين، فعندهم ركن أن يكون بعد الزوال. طيب. قالت ثانياً: ذكر الله عند المشعر الحرام، وهو المزدلفة، وذلك أيضاً معروف، بكون ليلة النحر يبيت بها، يبيت بمزدلفة، وبعض صلاة الفجر يقف في المزدلفة داعياً حتى يصفر جداً، ويدخل في ذكر الله عنده، إطاعة الفرائض والنوافل فيه. عرف أو المزدلفة تسمى المشعر الحرام كما تقدم، وتسمى كذلك جمع، وتسمى أيضاً مزدلفة، وأنا لها أسماء. فالوقوف أو المبيت في مزدلفة عند جمهور العلماء أنه ليس ركناً وإنما هو واجب، وبعضهم عند المالكية أنه ركن. طيب. مسألة المشعر الحرام: رجح أكثر المفسرين أن المشعر الحرام في الآية هو مزدلفة، ومزدلفة. ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾. وأما ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف عند المشعر الحرام ودعا، معنا بعد صلاة الفجر، صلى الفجر في مزدلفة ثم ذهب إلى المشعر الحرام، فهو الجبل الذي يسمى جبل المشعر، ويسمى أيضاً جبل قزح، فهذا الجبل يسمى أيضاً كذلك المشعر الحرام، وهو الذي وقف عنده عليه الصلاة والسلام. وأما في الآية فرجح أكثر العلماء أنها مزدلفة، كلها تعتبر مشعراً، مشعراً حراماً. قالت ثالثاً: أن الوقوف بمزدلفة متأخر عن الوقوف بعرفة، كما تدل عليه الفاء والترتيب، أن يكون مزدلفة بعد عرفة، هذا واجب. لكن لو مثلاً إنسان جاء إلى مزدلفة ولم يأت عرفة بعد، فبات في مزدلفة أو جلس في مزدلفة فترة من الليل ثم ذهب إلى عرفة، فهل حجه صحيح؟ نعم حجه صحيح، لكنه آثم لأنه أخر عرفة بعد مزدلفة، والواجب عليه أن يذهب إلى عرفة ثم بعد ذلك يأتي مزدلفة. قال رابعاً وخامساً: أن عرفة ومزدلفة كلاهما من مشاعر الحج المقصود فعلها وإظهارها، إلا أن المزدلفة مشعر حرام لأنها في الحرم، وعرفة مشعر حلال لأنه ليس في الحرم. قال سادساً: أن مزدلفة في الحرم، كما قيده في الحرم، هذا ما يدل عليه قوله جل وعلا: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾. أنا ذكر هذه السبعة الأمور. السابع: قال: أن عرفة في الحل، كما هو مفهوم التقييد بمزدلفة، أنه قال: ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾، فسمى مزدلفة مشعراً حراماً، فدل على أن عرفة ليست مشعراً حراماً، إنما هي مشعر من مشاعر الحج، لكنه مشعر الحلال لأنه ليس في الحرم. طيب، هذه بعض الأوجه التي ذكرها المؤلف في هذه الآية، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.