تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 21

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 21

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين في مناسك الحج

يبيّن المقطع كيف هدا الله الأمة الإسلامية بمخالفة أهل الجاهلية في أعمال الحج كالدفع من عرفة عند غروب الشمس والخروج من مزدلفة قبل طلوع الشمس. ويؤكد أن الوقوف بعرفة ركن أساسي لا يصح الحج بدونه مستنداً إلى أقوال السعدي والأحاديث الصحيحة.

تصحيح وقوف الحج والإفاضة وأمر الاستغفار بعد المناسك

يوضح المقطع ضلال المشركين في رفضهم الخروج من الحرم والوقوف بمزدلفة، وهداية الله للمسلمين للوقوف بعرفة والإفاضة منها أو من مزدلفة وفق سنة إبراهيم. كما يشرح أن الإفاضة تشمل رمي الجمار والذبح والطواف والسعي والمبيت بمنى، ويأمر الله بالاستغفار والإكثار من الذكر بعد الفراغ من المناسك اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.

الاستغفار والشكر بعد العبادات وفي المواسم الفاضلة وخاتمة تفسير آية الإفاضة

يشدد المقطع على وجوب الاستغفار بعد إتمام العبادات كالحج لجبر النقص، وعلى الشكر لله على التوفيق بدلاً من المنّة بالعمل، مبيناً فضيلة حضور الأوقات الفاضلة كعشر ذي الحجة ويوم عرفة. ثم يختتم بشرح آية ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ مؤكداً أنها خلاصة ما ذُكر ومكتفياً بهذا القدر من الشرح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: إن قوله جل وعلا: ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198]، أي: اذكروا الله تعالى كما من عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. أي: جعلكم تعلمون ما كان عليه نبي الله إبراهيم من مناسك الحج التي غيرها المشركون. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين في حديث عمر: أن المشركين كانوا يدفعون من عرفة قبل أن تغرب الشمس، فإذا كانت الشمس على التلال دفعوا من عرفة، فخالفهم النبي عليه الصلاة والسلام ودفع عند غروب الشمس. وأيضاً كذلك خالفهم في الدفع من مزدلفة، وكذلك الخروج من مزدلفة؛ فكان أهل الشرك يخرجون إذا طلعت الشمس وظهرت على جبل ثبير، كانوا يقولون: أشرقت ثبير، فإذا طلعت الشمس خرجوا من مزدلفة، فخالفهم النبي عليه الصلاة والسلام وخرج قبل أن تطلع الشمس، خرجوا من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس. وهذا أيضاً مما هدي الله عز وجل به هذه الأمة، مخالفة لأهل الضلال. ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾، أي: الذين لا يعلمون أمور الحج. وكذلك أيضاً ما كانوا عليه من مخالفات: من طوافهم عراة، وأنهم لا بد أن يلبسوا لباس أهل الحَرَم، وكذلك وقوف ما يسمون بالحُمْس؛ قريش ومن معها يقفون في مزدلفة ولا يقفون بعرفة. فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن عرفة ركن للحج، وأن الحج عرفة؛ أي: من لم يقف في عرفة ساعة من ليل أو نهار فإن حجه غير صحيح. وجاء في حديث جبير بن مطعم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة فاستنكر ذلك، أنه كيف برجل من الحُمْس من قريش يقف بعرفة غيرهم. وهذا من ضلال المشركين الذين حَرفوا عما كان عليه نبي الله إبراهيم، فقالوا: لا نخرج من الحَرَم، إنا نحن أهل الحَرَم لا نخرج من الحَرَم، فكانوا يقفون بمزدلفة. فهدى الله عز وجل أهل الإسلام إلى التعاليم الصحيحة. قال: ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾، أي: اذكروا الله عز وجل بالتكبير، وكذلك بالتسبيح والتلبية. قال: فهذه من أكبر النعم التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر منعم بالقلب واللسان؛ لأن الله عز وجل علم هذه الأمة بنبيها عليه الصلاة والسلام، علمهم كل شيء، وعلمهم الأمر الصحيح، لم يتركهم على ما كان عليه أهل الشرك من الضلال، بل هداهم الله عز وجل ببعثة نبيها عليه الصلاة والسلام. قال: ثم قال جل وعلا: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ [البقرة: 199]، أي: ثم أفيضوا من مزدلفة من حيث أفاض الناس من لدن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى الآن. ومنهم من يقول: إنه هنا ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا ﴾ أي في عرفة، وهذا قول أكثر المفسرين. وإن كان يقول الإمام ابن جرير: أن الظاهر أن المراد به الإفاضة من مزدلفة، وقد يراد الأمران معاً: الإفاضة من عرفة أو الدفع من عرفة، والإفاضة من مزدلفة. قال: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ من لدن إبراهيم عليه السلام إلى الآن. والمقصود من هذه الإفاضة كان معروفاً عندهم، وهو: رمي الجمار، وذبح الهدايا، والطواف، والسعي، والمبيت بمنى ليالي التشريق، وتكميل باقي المناسك. ولما كانت هذه الإفاضة يقصد بها ما ذكر، والمذكورات آخر المناسك، أمر تعالى عند الفراغ منها بالاستغفار، أو باستغفاره، والإكثار من ذكره. فالاستغفار للخلل الواقع من العبد في أداء عبادته وتقصيره فيها. وهذا في قالب العبادات: أن يذكر الله عز وجل الاستغفار بعد العبادة. قد جاء في صحيح مسلم في حديث عائشة: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا سلم استغفر ثلاثاً، قال: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام». وأيضاً كذلك حث على التسبيح والتكبير والتهليل بعد الصلاة. وهذا أيضاً في الحج: بعدما كمل مناسك الحج أمر بالاستغفار. قال: فالاستغفار للخلل الواقع من العبد في أداء عبادته وتقصيره فيها، وذكر الله شكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق. وذكر الله وشكر الله على إنعامه عليه بالتوفيق لهذه العبادة العظيمة والمنة الجسيمة. وهكذا ينبغي للعبد كلما فرغ من عبادة أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق أن وفقه لإكمال هذه العبادة، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة ومن بها على ربه، أنا مثلاً يقول: قد فعلت وقد فعلت، كأنه يمن على ربه جل وعلا، وإنما يشكر الله أن وفقه لهذه العبادة والطاعة، وجعلت له محلاً ومنزلة رفيعة. قال: فهذا حقيق بالرد وقبول العمل. أي: هذا الذي يظن هذا، وأنه عندما أكمل الحج مثلاً ارتفع عند ربه، وأن له منزلة عند الله، فهكذا يمن على الله. بل الواجب على المسلم أنه يشكر الله عز وجل على توفيقه، أن وفقه لهذه العبادة. كم من إنسان أراد هذه العبادة ولم يستطع، وأنت قد وفقت إليها، فاشكر الله عز وجل على هذه النعمة. أيضاً كذلك الصيام، وكذلك أيضاً إدراك الأوقات الفاضلة، كمثل هذه العشر، ويوم عرفة، ويوم النحر، وغيرها، وأيام التشريق. هذه حضورها نعمة، والتوفيق لها والعمل الصالح فيها، أن وفق للعمل الصالح فيها أيضاً نعمة عظيمة تحتاج إلى شكر الله عز وجل أن وفقه الله في حضورها، وكذلك في اغتنامها. قال: كما أن الأول حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. وخلاصة هذه الآية: أن الله عز وجل أمر بذكره سبحانه وتعالى أولاً لأنه هدى الناس عما كان عليه أهل الضلال، وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. وكذلك أيضاً أمرهم بشكره سبحانه وتعالى على أن وفقهم لطاعته. ثم ذكر ربنا جل وعلا في الآية التي بعدها إفاضة الناس من مزدلفة أو من عرفات، وإكمال حج الله عز وجل، وذكر الاستغفار بعدها. فهذا خلاصة معنى ما يذكر: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 199]. طيب، أكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.