تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 23

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 23

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أيام التشريق: تعريفها وتسميتها وأحكامها

أيام التشريق هي الأيام الثلاثة بعد عيد الأضحى (11، 12، 13 ذو الحجة) وسميت لتشريق اللحم فيها، وتتميز عن الأيام المعلومات بوقوع مناسك الحج المتبقية كالمبيت بمنى ورمي الجمرات خلالها. يحرم صيامها لكون الناس أضيافاً لله إلا لمن لم يجد الهدي من المتمتع أو القارن.

أحكام الصيام والذكر والنفر في أيام التشريق

يحرم صيام أيام التشريق على غير الحاج ويباح للحاج، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله يشمل التكبير المقيد والمطلق. يباح التعجل بالنفر في اليوم الثاني عشر قبل غروب الشمس أو التأخر لليوم الثالث عشر والتأخير أفضل مع العفو عمن أخره الزحام.

حكم المبيت بمنى بعد غروب الشمس وشرط التقوى

إذا بقي الحاج بمنى بعد غروب الشمس بلا عذر وجب عليه المبيت ورمي الجمرة في اليوم الثالث، لكن التعجل والنفر في اليوم الثاني جائز بشرط التقوى. الآية ﴿لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ تبين أن نفي الحرج مشروط بتقوى الله في جميع أمور الحج.

ثمرة العلم واليقين في تحقيق تقوى الله

عندما يعلم العبد ويوقن يسوقه ذلك إلى تحقيق تقوى الله فيحسن الله جزاءه ويعظم أجره وثوابه. ويختتم الحديث بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ سعيد رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾. قال: الأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد، يعني: يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من العيد. هذه الأيام تسمى بأيام التشريق، وقيل: سُميت بهذا الاسم لأنهم كانوا إذا ذبحوا شرّقوا اللحم، قطعوه وعلقوه حتى لا يسرع إليه التلف ويتفع منه في هذه الأيام، فسميت بأيام التشريق. هذه الأيام المعدودات، وأما الأيام المعلومات فهي أيام العشر، أيام العشر من ذي الحجة، قال: لمزيتها وشرفها، يعني: فضل الله عز وجل فيها الذكر لمزية هذه الأيام، وإلا فذكر الله جل وعلا مشروع في كل الأوقات وفي سائر الأيام، لكن لشرف هذه الأيام وفضلها ومزيتها، فرض الله عز وجل بمزيد عناية وأمر فيها بذكره جل وعلا. قال: وكون بقية المناسك تفعل بها، يعني: بقية مناسك الحج فإنها تفعل في أيام التشريق، المبيت بمنى، ورمي الجمرات الثلاث، هذا كله يفعل في أيام التشريق. قال: ولكون الناس أضيافاً لله فيها، ولهذا حرم صيامها، يعني: لا يجوز للمسلم أن يصوم أيام التشريق لأنه في ضيافة الله جل وعلا، إلا من لم يجد الهدي وهو محرم بالقران أو متمتعاً ولا يجد هدياً، أو متمتع على جهة الخصوص، لأن القارن إذا قرن يجب أن يكون ساق الهدي، فإذا لم يكن معه هدي كالمتمتع فإنه يجوز له أن يصوم أيام التشريق، كما في حديث عمر وعائشة في الصحيحين. أما غيرهم فلا يجوز، وأما غير الحاج فلا يجوز له أن يصوم أيام التشريق. قال: فلذكر فيها مزية ليست لغيرها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله» كما في مسلم. قال: ويدخل في ذكر الله فيها ذكره عند رمي الجمار، لأن المسلم عند رمي الجمار يذكر الله، فيكبر مع رميه للجمار، قال: وعند الذبح يقول: بسم الله الله أكبر. قال: والذكر المقيد عقب الفرائض، يعني: على الصلوات، وقال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق كالمعروف، وليس ببعيد لعموم قوله: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾، فيستحب فيها التكبير المطلق والتكبير المقيد. قال: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾، أي: خرج من منى ونفر منها قبل غروب شمس يوم الثاني عشر، فلا إثم عليه، ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ ﴾، بأن بات بها ليلة الثالث عشر ورمى من الغد، فلا إثم عليه. وهذا تخفيف من الله تعالى على عباده في إباحة كلا الأمرين، يعني: يحق له أن ينفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، ويسمى يوم النفر الأول، وإن شاء يبيت ويرمي اليوم الثالث عشر وينفر في اليوم الثالث، وهذا جائز وهو أفضل. فإذا أراد أن ينفر في اليوم الثاني، فلا بد أن يخرج من منى ويغادر قبل غروب الشمس، قبل غروب الشمس. فإن عزم على ذلك وتأخر بسبب الزحام فلم يستطع أن يخرج إلا بعد أن غربت الشمس، فلا شيء عليه. أما إن كان من غير عذر، فإنه يلزمه أن يبيت، إذا غابت الشمس وما زال موجوداً بمنى، فيلزمه أن يبيت ويرمي الجمرة في اليوم الثالث من أيام التشريق. قال: ولكن المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين فالتأخر أفضل لأنه أكثر عبادة، ولما كان نفر الحرج قد يفهم منه نفر الحرج في ذلك المزبور في غيره، والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم والمتأخر، فقط قيده بقوله: ﴿ لِمَنِ اتَّقَىٰ ﴾، أي: اتقى الله بجميع أموره وأحوال الحج. فمن اتقى الله بكل شيء حصل له نفي الحرج بكل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء كان الجزاء من جنس العمل. يعني: من بقي وبات ليالي الثلاثة ورمى الجمرات بالأيام الثلاثة فليس عليه شيء، ومن تعجل كذلك ونفر في اليوم الثاني فليس عليه شيء ولا حرج عليه إذا اتقى الله جل وعلا. قال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾، فمجازيكم بأعمالكم. فمن اتقاه وجد جزاء التقوى عنده، ومن لم يتقه عاقبه أشد العقوبة. ف العلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله، يعني: إذا علم العبد ما له عند الله جل وعلا من الجزاء والأجر والثواب، كان ذلك من أسباب المعونة على تقوى الله جل وعلا. قال: فهذا حث تعالى على العلم بذلك. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾، يعني: مرجعكم ومآلكم إلى الله جل وعلا، وأنتم محشرون إليه وراجعون إليه فيجازيكم على أعمالكم. فإذا علم العبد ذلك وأيقن ذلك، فإن ذلك يسوق إلى تحقيق تقوى الله جل وعلا حتى يحسن له الجزاء ويعظم له الأجر والثواب عند الله جل وعلا. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.