الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 78، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح كيفية الرد على أهل الكتاب والكافرين كما ورد في القرآن الكريم، مستدلاً بالآيات التي توضح كيفية التعامل معهم. يؤكد على البراءة من أعمالهم المخالفة للدين.
يتناول البراءة من أعمال المخالفين في الدين وأهمية تحمل كل فرد مسؤولية عمله. يستشهد بآيات قرآنية تؤكد هذا المعنى وتوجب البراءة من أعمال الآخرين المخالفة.
يشرح معنى آية "قل يا أيها الكافرون" ويبين أنها براءة من الشرك وليس رضا بدين المشركين. يرد على شبهة النصارى حول إقرار القرآن على دينهم ويتناول أسباب جحود أهل الكتاب لرسالة النبي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، تلقوا لي في سورة الشورى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، وأما لغير أهل الكتاب فيقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾. والجواب: أما قوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾، فهذه الآية المذكورة بعد قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. فقد أخبرنا أنه شرع لنا من الدين ما وصى به نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، أن نقيموا الدين، ولا نتفرقوا فيه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ثم أخبر عن تفرق الذين أوتوا الكتاب، كتفرق اليهود والنصارى، وتفرق فرق اليهود وفرق النصارى، كالنصطورية واليعقوبية والملكية، ثم قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ أُولَئِكَ الْمُفْتَرِقِينَ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. وهكذا توجد عامة اليهود والنصارى في شك من ذلك مريب، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وهذا يتناول أهواء أهل الكتاب، كما يتناول أهواء المشركين، وقد صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ حَقًّا﴾، فإن الله أمره وجميع الخلق أن يؤمنوا بجميع ما أنزل الله، وكذلك قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾، فإن الله أمره أن يعدل بين جميع الخلق. وقوله: ﴿اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، هذه براءة منه لمن يخاصم بذلك من المشركين وأهل الكتاب، بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وبثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾. كذلك قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فإن هذه الكلمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، قوله: «لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون»، وهي كلمة توجب براءته من عملهم وبراءتهم من عمله. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: «قل يا أيها الكافرون هي براءة من الشرك»، وليس في هذه الآية أنه رضي بدين المشركين ولا أهل الكتاب، كما يظنه بعض الملحدين، ولا أنه نهى عن جهادهم كما ظنه بعض الغالطين. وجعلوها منسوخة، بل فيها براءته من دينهم وبراءتهم من دينه، وأنه لا تضره أعمالهم ولا يجزون بعمله، ولا ينفعهم، وهذا أمر محكم لا يقبل النسخ. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرض قط إلا بدين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبًا، ما رضي قط بدين الكفار لا من المشركين ولا من أهل الكتاب. وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، لا يدل على رضاه بدينهم، بل ولا على إقرارهم عليه، بل يدل على براءته من دينهم. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. كلام المؤلف -رحمه الله- ظاهر في بيان رَدِّ شبهة النصارى أن القرآن أقر النصارى على ما هم عليه، وبين -رحمه الله- أن هذا ليس بصحيح، وما استدل به هو أحد أمرين: إما شيء لا يصح الاستدلال به، وفهمه على خلاف ما فهموه، كما بيّن في قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. أو أن يكون الإقرار إنما للشيء الحق الذي هو بعض دين أهل الكتاب، وكون أن عندهم بعض الحق لا يعني أنهم على حق، فإن الشيء الآخر وهو الباطل مع جحود رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، كل ذلك موجب لكفرهم، أي التغيير والتبديل. وهكذا جحودهم لرسالة نبينا عليه الصلاة والسلام، قد مر معنا أن كفر أهل الكتاب كان لأمرين: التغيير والتبديل، وجحودهم رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، وقد أمروا بالإيمان به.